ملخص
أعادت حادثة "فلاي دبي" المخاوف من انتقال صراعات الأرض إلى السماء، مستحضرة تاريخاً تحولت فيه الطائرات المدنية إلى أدوات للضغط السياسي واحتجاز الرهائن والتفجير. منذ اختطافات "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في داوسون فيلد وعنتيبي، وصولاً إلى عمليات تنظيم أبو نضال وحوادث نسبت إلى عناصر مرتبطة بـ"حزب الله"، وجد المسافرون أنفسهم داخل معارك لم يختاروها. وشكل مطار بيروت خلال الحرب اللبنانية محطة بارزة في هذا التاريخ، مع ثماني وقائع خطف أو احتجاز مرتبطة به بين يوليو 1984 ويونيو 1985.
أعادت حادثة رحلة "فلاي دبي" من دبي إلى تل أبيب، التي انتهت بهبوط اضطراري في تبوك السعودية في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي إلى الواجهة خوفاً قديماً بأن يجد المسافر نفسه داخل صراع لم يختر المشاركة فيه، وبينما يستمر التحقيق في الاعتداء داخل قمرة القيادة والروايات المتعلقة بمحاولة إسقاط الطائرة، تستدعي الحادثة تاريخاً طويلاً استخدمت فيه جماعات مسلحة الطيران المدني للوصول إلى حكومات وخصوم يتعذر الوصول إليهم بوسائل أخرى.
وبالعودة لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحولت رحلات جوية مدنية عدة إلى سجن متنقل يحتجز فيه الركاب لمبادلتهم بمعتقلين، ومنبر لإعلان المطالب أمام العالم، وأحياناً هدفاً للتفجير. فالطائرات المدنية أغرت الخاطفين بقدرتها على تدويل أي مواجهة، لا سيما أن مقصورتها قد تجمع جنسيات، وخلف رحلتها شركات ومطارات وحكومات، بالتالي تستطيع مجموعة صغيرة أن تفرض على هذه الأطراف جميعاً أزمة عاجلة، وأن تنتزع اهتماماً إعلامياً يفوق حجمها.
وبرزت فصائل فلسطينية، وفي مقدمها "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، من بين أبرز من استخدمت هذا الأسلوب منذ أواخر الستينيات. وفي العقود التالية، دخلت تنظيمات أخرى وخاطفون من البيئة المسلحة اللبنانية، قبل أن ينقل تنظيم "القاعدة" الخطف إلى مستوى أخطر من العنف كما حصل في الـ11 من سبتمبر عام 2001.
داوسون فيلد
في سبتمبر عام 1970، اختطفت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" رحلتي TWA 741وSwissair 100، ونقلتهما إلى مهبط داوسون فيلد بالأردن، ثم لحقت بهما رحلة BOAC 775، التي اختطفت أيضاً في إطار عمليات "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". أصبحت الطائرات الثلاث، بمن حملته من مسافرين وأطقم، تحت سيطرة تنظيم يريد استخدامهم للضغط من أجل الإفراج عن معتقلين.
حينها كانت كثافة العملية جزءاً من قوتها، فلم تعد الأزمة تخص شركة أو دولة واحدة، بل امتدت إلى حكومات وجنسيات عدة. وفي المهبط الصحراوي، ظهر مدى قدرة التنظيم على التصرف خارج سلطة الدولة الأردنية، حيث تحول احتجاز المسافرين إلى تحدٍّ لسيادة المملكة، في مرحلة تداخلت فيها أزمة الرهائن مع الطريق إلى مواجهات مسلحة مع القوات الأردنية عرفت بـ"أيلول الأسود".
ووفق مراجع تاريخية، تم فصل الركاب اليهود والإبقاء على احتجازهم، مع أفراد من الأطقم، بعد الإفراج عن آخرين، فدخلت الهوية الدينية في تقرير مصير مسافرين، ولم يعد استهدافهم مقتصراً على حمل جواز إسرائيلي. وفي الـ12 من سبتمبر، فجر الخاطفون الطائرات الثلاث بعد إخلائها، وبقي الرهائن أداة للتفاوض، في وقت حملت فيه صور الطائرات المحترقة رسالة عنيفة إلى العالم.
من بيروت إلى القاهرة
وضمن سلسلة الاختطافات نفسها، استولى خاطفان من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" على رحلة Pan Am 93، لكنها لم تستقر مع الطائرات الثلاث في داوسون فيلد. مرت ببيروت قبل الوصول إلى القاهرة، حيث أخلي ركابها وطاقمها ثم فجرت. وبالتوازي، فشلت محاولة الاستيلاء على رحلة "إل عال" 219، التي نفذتها ليلى خالد وباتريك أرغويلو ضمن عملية "الجبهة الشعبية" نفسها.
وتكشف رحلة "بان أميركان" الامتداد الجغرافي للعملية: مهبط في الأردن، ومحطة في لبنان، ونهاية في مصر. لم تكن الحدود تمنع انتقال الأزمة، بل كانت تضيف إليها حكومات مطالبة بالتعامل مع طائرة مخطوفة تصل إلى أراضيها.
وكان تدمير الطائرة، بعد إخراج من فيها، كافياً لصناعة خبر دولي وصورة باقية. فالغاية تجاوزت الاحتفاظ بالركاب إلى إظهار قدرة المجموعة على إلحاق خسارة بشركة كبرى وتحدي الدول المعنية.
الرهائن في عنتيبي
في الـ27 من يونيو (حزيران) عام 1976، اختطفت رحلة "إير فرانس" 139، القادمة من تل أبيب إلى باريس عبر أثينا، بعد مغادرتها العاصمة اليونانية. شارك في العملية فلسطينيان من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ العمليات الخارجية"، التي كان يقودها وديع حداد، وألمانيان من تنظيم "الخلايا الثورية"، هما فيلفريد بوزه وبريغيته كولمان. انتقلت الطائرة عبر بنغازي إلى عنتيبي بأوغندا، حيث احتجز الركاب في مبنى بالمطار في ظل نظام عيدي أمين.
أراد الخاطفون مبادلة الرهائن بمعتقلين، وأتاح الوصول إلى أوغندا نقل الأزمة بعيداً من وجهة الرحلة الأصلية، إلى مكان يستطيعون الاحتجاز فيه. انتهت العملية بتدخل عسكري إسرائيلي ليلة الثالث إلى الرابع من يوليو (تموز).
وبقي فرز الركاب من أكثر تفاصيلها حضوراً في الذاكرة، إذ تورد المصادر الإسرائيلية فصل اليهود والإسرائيليين، بينما يقول المؤرخ سول ديفيد، في مقابلة مع "تايم"، إن الاحتجاز ركز على الإسرائيليين وبعض اليهود الأرثوذكس، وإن يهوداً من جنسيات أخرى أفرج عنهم.
أزمة تأشيرة
في الـ21 من يوليو عام 1984، حاول اللبناني عاطف زين، الذي لم تحدد التقارير المعاصرة انتماءً تنظيمياً له، السيطرة على طائرة "الشرق الأوسط" القادمة من أبوظبي إلى بيروت. وربطت تقارير تصرفه بمشكلة تتعلق بتأشيرة في أبوظبي. وصلت الطائرة إلى بيروت، وانتهت الأزمة بعد مفاوضات واستسلامه.
لم تحمل هذه الواقعة حجم العمليات الفلسطينية الدولية، لكنها أظهرت اتساع استخدام الخطف إلى احتجاجات فردية. إلا أن الحادثة تكتسب أهميتها أيضاً من موقعها في سلسلة كثيفة شهدتها بيروت. فبين يوليو عام 1984 ويونيو عام 1985، يمكن توثيق ثماني وقائع استيلاء أو محاولة استيلاء أو احتجاز لطائرات مرتبطة بالمطار أو برحلات منه وإليه، مما يعكس هشاشة السفر في سنوات الحرب.
مطلب في فرنسا
في الـ31 من يوليو، اختطف ثلاثة مسلحين ناطقين بالعربية، أعلنوا أنهم يمثلون "المنظمة الإسلامية لتحرير القدس"، طائرة "إير فرانس" كانت متجهة من فرانكفورت إلى باريس، وأجبرت على المرور بجنيف وبيروت وقبرص قبل الوصول إلى طهران. وطالب الخاطفون بإطلاق سجناء في فرنسا مرتبطين بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق شهبور بختيار.
امتدت الأزمة بين أوروبا وشرق المتوسط وإيران، فيما ظل ركاب الرحلة تحت التهديد بسبب ملف قضائي وسياسي لم يكونوا طرفاً فيه. وبعد الإفراج عن الرهائن، فجر الخاطفون قمرة القيادة وانتهت العملية باستسلامهم للسلطات الإيرانية.
وكانت بيروت محطة في الطريق، وليست نهاية الاحتجاز ما وضع مطار بيروت في صراعات تفوق حجمه ووظيفته المدنية.
الخطوط القبرصية
في السابع من فبراير (شباط) عام 1985، احتجز مسلحون شيعة، وصفتهم وثيقة استخباراتية أميركية منشورة لاحقاً بأنهم مجموعة من أنصار الإمام موسى الصدر، طائرة "الخطوط القبرصية" و12 رهينة على أرض مطار بيروت لنحو خمس ساعات، كان مطلبهم إطلاق شخصين مسجونين في قبرص.
لم تقع هنا عملية تحويل لمسار الطائرة في الجو، بل استولى المسلحون على فرصة وجودها داخل المطار، وحولوها إلى ورقة ضغط على دولة أخرى. وبالنسبة إلى السلطات المعنية، كانت سلامة الرهائن تتطلب معالجة مطلب نشأ خارج لبنان. وبالنسبة إلى المسافرين، اختفت المسافة بين نزاع قضائي في قبرص وخطر مباشر في بيروت، وهو بالضبط ما يمنحه الطيران للخاطف: الوصول إلى خصمه عبر مدنيين يستطيع احتجازهم في مكان آخر.
الخطف من أجل الأجور
أما في الـ23 من فبراير، فقد استولى الموظف في أمن المطار دريد حسن على طائرة "الشرق الأوسط" المعدة للسفر إلى باريس، احتجاجاً على الأجور وظروف العمل. ولم يظهر في التقارير التي تناولت الواقعة انتماء تنظيمي محدد للخاطف، وأجبرت الطائرة على التنقل بين لبنان وقبرص قبل العودة لبيروت.
ونقلت "يونايتد برس" أن وليد جنبلاط الرئيس السابق لـ"الحزب التقدمي الاشتراكي" استقبل الخاطف لاحقاً في المختارة، وأيد مطالبه مع إبداء تحفظ على خطف الطائرات. حملت الواقعة بذلك امتداداً سياسياً بعد انتهاء الرحلة، فيما بقي أصلها مطلباً وظيفياً فرض باحتجاز المسافرين. وتكشف هذه الحادثة عن مقدار انتشار السلوك المسلح في لبنان يومها، حتى النزاع المتعلق بالعمل أمكن نقله إلى طائرة مدنية، وأصبح الوصول إلى الركاب بديلاً من القنوات المعتادة للمطالبة بالحقوق.
المال مقابل المسافرين
في الأول من أبريل (نيسان) عام 1985، استولى المسلح اللبناني علي كسرواني، على رحلة "الشرق الأوسط" 368 من بيروت إلى جدة. كان على متنها 75 شخصاً، وفق تقارير طالب الخاطف بـ30 مليون دولار لمقاتلين لبنانيين ضد إسرائيل. وانتهت الأزمة باستسلامه بعد الهبوط في جدة، لكنها أضافت إلى سجل بيروت نموذجاً آخر: استخدام عنوان الحرب لجمع المال تحت التهديد، ووضع الركاب ضمانة لمطلب مالي.
المؤتمر العربي
في الـ11 من يونيو، صعد فواز يونس وأربعة مسلحين، نسبت العملية إلى حركة "أمل"، بحسب إفادة يونس الواردة في ملف قضيته، إلى رحلة "الملكية الأردنية" 402 قبيل مغادرتها بيروت إلى عمان. أرادوا الوصول إلى تونس، حيث كان مؤتمر للجامعة العربية منعقداً، لعرض مطالب تتعلق بإخراج الفلسطينيين من لبنان. وبعد محطات ومحاولات هبوط شملت قبرص وصقلية، عادت الطائرة إلى بيروت. أطلق الركاب، ثم فجرت الطائرة وفر الخاطفون. وتورد وقائع القضية المنشورة في قاعدة بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن يونس قال إنه تصرف بتوجيه من حركة "أمل". ودين لاحقاً في الولايات المتحدة بالتآمر واحتجاز الرهائن وخطف الطائرة.
رحلة لارنكا
في اليوم التالي، اختطفت طائرة لـ"الشرق الأوسط" متجهة من بيروت إلى لارنكا على يد رجل مسلح بقنبلة يدوية، وصفته بعض التقارير المعاصرة بأنه فلسطيني، من دون تحديد فصيل ينتمي إليه. وربطت التقارير العملية بالاحتجاج على خطف الطائرة الأردنية في اليوم السابق. وتحدثت روايات عن وجود أشخاص تحرروا من الأزمة الأولى على متن الرحلة الثانية. كانت محاولتهم مغادرة بيروت تعيدهم إلى الاحتجاز، في واحدة من أكثر صور تلك المرحلة تعبيراً عن انهيار الضمانات التي يفترض أن تحمي المسافر. وأنتج الخطف عملية مضادة، وانتقلت خصومة المسلحين إلى ركاب جدد، وفي غضون يومين، باتت طائرتان جزءاً من نزاع لبناني، فيما كانت المطارات المحيطة تتعامل مع ارتداداته، وبعد يومين آخرين، وصلت الأزمة التي ستصبح الأشهر في تاريخ بيروت الجوي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سجون بيروت
ففي الـ14 من يونيو، اختطفت رحلة TWA 847 بعد إقلاعها من أثينا إلى روما. أجبرت على التنقل بين بيروت والجزائر، واستمرت أزمة الرهائن 17 يوماً. ويحدد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي محمد علي حمادي وأحد شركائه بوصفهما منفذي الاستيلاء الأول، ويورد المطالبة بإطلاق مئات اللبنانيين من السجون الإسرائيلية.
في بيروت، تعرض الغواص في البحرية الأميركية روبرت ستيثم للضرب والقتل، وألقي جسده على أرض المطار. وبحث المسلحون عن أصحاب أسماء اعتبروها يهودية، وفصل بعض الأميركيين عن الآخرين، وتورد تقارير غربية أن المستضيفة أولي ديريكسون رفضت مساعدتهم في تحديد الركاب اليهود.
وتنسب وزارة الخارجية الأميركية العملية إلى عناصر مرتبطة بـ"حزب الله"، وتورد أسماء محمد علي حمادي وحسن عز الدين وعلي عطوة ضمن المتهمين بأدوار فيها، فيما ينفي الحزب مسؤوليته عنها. وخلال الأزمة انضمت عناصر إضافية في بيروت، ونقل رهائن إلى أماكن احتجاز خارج الطائرة. وانتهت أزمة الرهائن، لكن الملاحقة استمرت: اعتقل حمادي في ألمانيا عام 1987، ودين هناك عام 1989، ثم أفرج عنه عام 2005 وعاد إلى لبنان.
التفجير بدلاً من التفاوض
في الـ23 من يونيو عام 1985، بينما كانت أزمةTWA 847 مستمرة، دمرت رحلة "إير إنديا" 182 فوق المحيط الأطلسي قرب إيرلندا، حيث قتل جميع من كانوا على متنها، وعددهم 329 شخصاً. ووفق تقرير منشور لدى وزارة السلامة العامة الكندية، شارك في مؤامرة التفجير أفراد من حركة "بابار خالصا" السيخية الانفصالية، التي سعت إلى إقامة دولة "خالستان" في إقليم البنجاب الهندي.
لا تندرج هذه الجريمة ضمن الاختطاف، فقد استخدم التفجير لتدمير الرحلة، من دون منح ركابها فرصة انتظار تسوية. يجمعها بالخطف استهداف المدنيين داخل وسيلة نقل دولية، ويفصلها عنه غياب المساومة على الرهائن. هنا انتهت حياة المسافرين قبل أن تتاح لحكوماتهم فرصة التفاوض لإنقاذهم.
كارثة مالطا
في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1985، اختطفت رحلة مصر للطيران 648 من أثينا إلى القاهرة، ونقلت إلى مالطا. نفذ العملية ثلاثة عناصر من تنظيم أبو نضال، المعروف أيضاً باسم "فتح ـ المجلس الثوري"، بينهم عمر رزاق الذي دين لاحقاً في الولايات المتحدة، وأطلق الخاطفون النار على رهائن، قبل اقتحام قوات مصرية الطائرة.
انتهت الأزمة بكارثة أودت بنحو 60 شخصاً، بينهم خاطفون. أظهرت مالطا أن الخطر قد يتفاقم خلال محاولة الإنقاذ نفسها، عندما يعلق المدنيون داخل مساحة ضيقة بين المسلحين والقوة التي جاءت لتحريرهم.
مجزرة في كراتشي
في سبتمبر عام 1986، استولى مسلحون من تنظيم أبو نضال، بينهم زيد حسن عبداللطيف سفريني الذي دين لاحقاً في الولايات المتحدة، على رحلة Pan Am 73 في مطار كراتشي بباكستان. وتوثق المصادر الأميركية مقتل 20 شخصاً وإصابة أكثر من 100 آخرين.
وقعت العملية والطائرة على الأرض، وانتهى احتجازها بإطلاق النار على من فيها. وأكدت أن أمن الرحلة يبدأ قبل الإقلاع، وأن الوصول إلى الطائرة داخل المطار قد يمنح المعتدين السيطرة على عدد كبير من المدنيين دفعة واحدة. وأظهرت اتساع جغرافيا العنف المرتبط بصراعات الشرق الأوسط. ففي مطار باكستاني، وجد مسافرون من جنسيات مختلفة أنفسهم تحت سلطة تنظيم ينقل مواجهته إلى المكان الذي يستطيع فيه إصابة خصومه أو الضغط عليهم.
16 يوماً
في الخامس من أبريل عام 1988، اختطفت "الجابرية"، رحلة الخطوط الكويتية 422، خلال سفرها من بانكوك إلى الكويت. تنقلت بين مشهد ولارنكا والجزائر، وقتل راكبان كويتيان. ونسبت العملية إلى مسلحين مرتبطين بـ"حزب الله"، واتهم وزير الداخلية الكويتي الشيخ جابر الخالد الصباح عام 2008 القيادي في الحزب عماد مغنية بالمسؤولية عنها.
طالب الخاطفون بإطلاق 17 سجيناً مرتبطين بتفجيرات الكويت عام 1983، وانتهت الأزمة في الـ20 من أبريل. وعلى امتداد 16 يوماً، أصبحت الطائرة مكاناً لاحتجاز الركاب ونقل الضغط من مطار إلى آخر.
وعلى رغم ارتباط المنفذين بالبيئة المسلحة اللبنانية، لم تهبط الطائرة في بيروت، التي رفض استقبالها فيها.
القتل في الجو
في ديسمبر (كانون الأول) عام 1988، انفجرت رحلة Pan Am 103 فوق لوكربي في اسكتلندا. قتل التفجير 259 شخصاً على متن الطائرة و11 شخصاً على الأرض، ليبلغ عدد الضحايا 270. ودين ضابط الاستخبارات الليبي عبدالباسط المقرحي عام 2001 بالتفجير، فيما برأت المحكمة المتهم الآخر الأمين خليفة فحيمة. امتدت الكارثة إلى بلدة لم يكن سكانها جزءاً من الرحلة أصلاً. وحملت الجريمة أمن الطيران إلى نطاق يتجاوز حماية المسافرين، إذ بات سقوط الطائرة المفجرة خطراً على من يعيشون تحت مسارها أيضاً.
وكما في تفجير "إير إنديا"، غاب التفاوض، وبقيت لوكربي من أكثر صور إرهاب الطيران حضوراً في الذاكرة الدولية.
الـ11 من سبتمبر 2001
في الـ11 من سبتمبر عام 2001، استولى 19 منفذاً من "القاعدة" على أربع طائرات أميركية. ضربت طائرتان برجي مركز التجارة العالمي، وثالثة "البنتاغون"، وسقطت الرابعة في بنسلفانيا بعد مقاومة ركابها.
تغيرت مع هذه الهجمات فرضية التعامل مع الخطف. فالمعتدون لم يريدوا الوصول إلى مطار للتفاوض على الرهائن، بل استخدموا الطائرات نفسها لتنفيذ الهجوم. أصبحت قدرتها على التحليق وحمل الوقود جزءاً من وسيلة القتل.
وخلصت لجنة التحقيق الأميركية إلى أن الإجراءات القائمة لم تكن مهيأة لهذا النوع من الخطف الانتحاري. تشددت لاحقاً حماية قمرة القيادة، وأصبح منع الاستيلاء على أدوات التحكم أولوية، لكن ذلك فتح بدوره سؤالاً عن الخطر الذي يأتي من شخص يملك حق الوجود داخل القمرة.
"جيرمان وينغز"
في مارس (آذار) عام 2015، سقطت رحلة "جيرمان وينغز" 9525، وقتل 150 شخصاً. وخلص التحقيق الفرنسي إلى أن مساعد الطيار أندرياس لوبيتز تعمد إسقاط الطائرة بعد إبقاء القبطان خارج قمرة القيادة.
لم تكن هذه حالة مثبتة من الإرهاب السياسي، لكنها كشفت حدود حماية تقوم على منع الاقتحام من الخارج. فالباب الذي صمم لمنع المعتدي من الدخول حال دون الوصول إلى الشخص الذي كان يقود الطائرة نحو الكارثة.
تطرح هذه الواقعة، كما تطرح حادثة "فلاي دبي" مع استمرار التحقيق فيها، مسألة حماية الرحلة من الداخل. ويشمل ذلك متابعة العاملين، والتقييم الصحي والنفسي، وإتاحة الإبلاغ المبكر عن الأخطار، من دون اختزالها بجنسية أو دين، أو جعل طلب العلاج سبباً لإخفاء المعاناة.
المدنيون أولاً
في استعادته علاقته بالقضية الفلسطينية وتحولات وعيه السياسي، وضع الكاتب اللبناني حازم صاغية مسألة خطف الطائرات أمام سؤال يسبق حساب المكاسب والخسائر: "ماذا عن المدنيين الذين وجدوا أنفسهم، خلال رحلة عادية، داخل مواجهة لم يختاروها؟"، وأوضح أن اعتراضه على هذه العمليات لم يكن مرده ضعف نتائجها السياسية أو حلولها محل العمل الجماهيري، كما كان يقول بعض منتقديها، وإنما كونها تستهدف طائرات تقل أشخاصاً لا صلة لهم بالنزاع.
واستذكر صاغية أن هذا الاعتراض كان يقابل، داخل بعض الأوساط الثورية، باتهامات بالطوباوية والبورجوازية. وهي شهادة تعيد إظهار المناخ الفكري الذي أحاط بتلك العمليات، حين كانت لغة الثورة تمنح أصحابها قدرة على إسكات الأسئلة المتعلقة بالوسيلة، وتضع المعترض في موقع من يحتاج إلى إثبات التزامه بالقضية قبل أن يسمع اعتراضه.
وامتد نقده إلى فكرة إعطاء المضطهد أو المقاوم حقوقاً استثنائية لا تمنح لغيره، وهي فكرة قال إنه لم يتصالح معها، ومن هنا يمكن قراءة موقفه بوصفه رفضاً لتحويل عدالة القضية إلى إعفاء من المسؤولية عن الأفعال المرتكبة باسمها.
وتفتح هذه الشهادة باباً أساساً في مراجعة تاريخ انتقال الصراع إلى السماء. فالمسافر الذي يحتجز لا يصبح طرفاً سياسياً بمجرد جنسيته، والطائرة المدنية لا تفقد طبيعتها لأن خاطفيها أعلنوا مطالب سياسية. وبين رغبة التنظيم في إسماع صوته وحق الراكب في الوصول آمناً، تظهر المسافة التي كثيراً ما غابت عن الروايات الاحتفالية لتلك المرحلة، وهي مسافة لا يقيسها حجم التغطية الإعلامية، بل الخوف الذي عاشه الركاب، وما تركته التجربة في حياتهم بعد انتهاء التفاوض وإغلاق الخبر.
الاهتمام الدولي
وتقدم رواية بسام أبو شريف عن وديع حداد مدخلاً إلى فهم الجهاز الذي تولى نقل المواجهة الفلسطينية إلى خارج حدودها الجغرافية. ففي كتابه "وديع حداد: ثائر أم إرهابي؟"، يقدم أبو شريف، بحسب قراءة الباحث صالح عبدالجواد، شهادة من داخل فرع العمليات الخارجية في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، تتناول خصوصاً اختطافات سبتمبر عام 1970. وتنبع أهمية روايته من علاقته بالجهاز ومشاركته في مخاطبة الصحافة خلال بعض عملياته، بما يتيح إضاءة جانب لا تظهره عادة صور الطائرات المحتجزة وحدها.
فقد اختاره حداد للتحدث باسم بعض هذه العمليات، مستفيداً من إجادته الإنجليزية وصلاته بالصحافيين الغربيين. وكان ذلك يضعه عند نقطة التقاء العمل التنظيمي بالتغطية الدولية: العملية تنفذ، والمطالب تعلن، ثم تبدأ محاولة تقديم تفسير سياسي لما يراه العالم على شاشاته.
في قراءته للكتاب، يشرح عبدالجواد أن عمليات الخطف استهدفت إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، واستخدام الرهائن للمقايضة على إطلاق سجناء. وهذه الأهداف تساعد على فهم سبب احتلال الطائرات موقعاً مركزياً في استراتيجية العمليات الخارجية: فهي تجمع ركاباً من دول مختلفة، وتستدعي تدخل حكومات، وتفرض حضوراً إعلامياً يتجاوز المكان الذي انتهت إليه الرحلة.
لكن هذه الآلية حملت معها معضلة سياسية وأخلاقية، فكلما اتسعت التغطية، اتسعت أيضاً مساحة ظهور المدنيين بوصفهم ضحايا للعملية. ولم يكن مضمون الرسالة التي أراد التنظيم إيصالها يضمن الطريقة التي سيتلقاها بها الجمهور. وهنا تكمن أهمية قراءة شهادة أبو شريف إلى جانب شهادات الركاب لفهم ما أراده المنفذون، ثم مقارنة ذلك بما أحدثته أفعالهم في حياة الآخرين وفي صورة القضية نفسها.
قاعدة التدريب
وتربط شهادة النائب اللبناني السابق مصطفى علوش تاريخ خطف الطائرات بالبيئة التنظيمية التي نشأت في لبنان خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث يستعيد علوش انخراطه المبكر في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وكيف انتقل من جلسات التثقيف السياسي إلى التدريب العسكري والأمني، ثم إلى العمل الخارجي الذي كان يديره وديع حداد.
ويروي أنه كان في الـ15 عام 1973 عندما بدأ تلقي هذه التدريبات، وأن القيادة، بعدما لفت نظرها، وجهته نحو العمليات الخارجية، بما شمل التدريب على خطف الطائرات. ويستعيد لقاءً واحداً بحداد في منزل سري في شمال لبنان، بحضور رفاق لبنانيين وفلسطينيين، من دون أن يعرفوا في البداية هوية الرجل الذي كان يحدثهم.
وتقدم هذه التفاصيل صورة عن المراحل التي سبقت ظهور المسلحين داخل مقصورات الطائرات. فخلف العملية التي يتابعها الجمهور بوصفها حدثاً مفاجئاً، كانت هناك حلقات سياسية وتنظيمية، واختيار للعناصر، وتدريب وتكليف بمهام تتجاوز حدود البلد الذي يقيمون فيه.
وتكشف شهادة علوش أيضاً جانباً من التداخل بين التعبئة المحلية وشبكات العمل الخارجي. فقد بدأ التزامه، وفق روايته، داخل مناخ عائلي وشعبي متعاطف مع القضية الفلسطينية، ثم وجد نفسه في مسار أمني تديره قيادة ذات نشاط دولي.
ومن هذه الزاوية، تساعد شهادته على فهم حضور لبنان في تاريخ تلك العمليات بوصفه مكاناً للتنظيم والإعداد، إلى جانب كونه محطة وصلت إليها طائرات مختطفة. أما استنتاجاته السياسية الراهنة فلا ينبغي إسقاطها على تلك التجربة، فالمقابلة تقدم رواية عن ماضٍ شخصي وتنظيمي، ولا تتضمن، في المقاطع المعنية، إعلان تأييد حديث لاستخدام الطائرات المدنية في الصراع.