ملخص
حجم الاقتصاد ومستوى الدين يبلغان حداً يجعل أية آلية دولية أو أوروبية تفتقر إلى الأموال اللازمة لتنظيم خطة إنقاذ، في حين لا تزيد استثمارات الشركات على نسبة 0.7%.
يمر الاقتصاد الفرنسي بمرحلة من التباطؤ الحاد والضغوط المالية الجسيمة، وعلى رغم مكانته كسابع أكبر قوة اقتصادية في العالم، فإن البلاد تغرق في أزمة ثقة تتسم بتباطؤ ملحوظ في النشاط الاقتصادي وارتفاع هائل في كلفة الدين العام. ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي المقبل، يجد الجهاز التنفيذي نفسه أمام طريق مسدود اقتصادياً.
ويشهد النشاط الاقتصادي تباطؤاً حاداً ومفاجئاً، إذ خفّض كل من بنك فرنسا والمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (عمومي) توقعاتهما للنمو لعام 2026 لتقتصر على 0.4 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى متدنٍ تاريخياً وأقل بكثير من متوسط منطقة اليورو. ويُعزى هذا التراجع المقلق إلى شبه توقف تام في الاستثمار الخاص، إذ عمدت الأسر والشركات على حد سواء، تحت وطأة أسعار الفائدة المرتفعة وحال عدم اليقين الضريبي المستمرة، إلى خفض نفقاتهما بصورة جذرية. وتواجه البلاد الآن وضعاً اقتصادياً بالغ السوء، بنمو راكد مقترن بارتفاع طفيف في معدلات البطالة وتفاقم في العجز العام.
عائد السندات يثير قلق الأسواق الدولية
بات مسار المالية العامة في فرنسا يثير قلق الأسواق المالية الدولية، إذ تجاوز معدل العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 أعوام عتبة حرجة بوصوله إلى 4.69 في المئة، مسجلاً بذلك مستوى قياسياً غير مسبوق منذ الأزمة المالية عام 2008.
ويواصل إجمال الدين العام تصاعده الجامح، مهدداً بتجاوز نسبة 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بقائم حجمه 3570 مليار يورو (4069.8 مليار دولار).
في المقابل، بدأت تظهر حدود استراتيجية اعتُمدت في مطلع العقد، فالمديونية الهائلة لم تؤدِ إلى توليد الثروة الإضافية المأمولة، وأصبحت أعباء الفوائد اليوم تخنق موازنة الدولة. ومما يزيد الوضع تعقيداً أن غياب غالبية مستقرة في البرلمان يعرقل أية محاولة لإجراء إصلاحات هيكلية تهدف إلى خفض النفقات التشغيلية.
ويرسم الاقتصادي مارك تواتي مقارنة مقلقة للغاية بين فرنسا عام 2026 واليونان قبيل أزمة عام 2010، مع الإشارة إلى أن عبء الديون الفرنسية أثقل وأصعب معالجة، وفق تقديره. ويعلق أن "أوجه التشابه بين فرنسا عام 2026 واليونان عام 2010 أمر مذهل حقاً، مما يثير القلق فعلاً. فعلى غرار الأزمة الاقتصادية التاريخية في اليونان قبل 2010، تقبع فرنسا منذ أربعة أعوام في ذيل قائمة دول منطقة اليورو في ما يتعلق بالمالية العامة".
أضاف أنه "منذ عام 2022، بلغ متوسط العجز العام في فرنسا 5.3 في المئة، مقابل متوسط قدره 3.2 في المئة داخل منطقة اليورو، وكذلك الانحراف الخارج عن السيطرة في الحسابات العامة. وأصبحت فرنسا أسوأ تلاميذ منطقة اليورو، إذ ارتفع دينها العام بمقدار 23 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي خلال 10 أعوام، متجاوزة بذلك اليونان التي سجلت صعوداً قدره 20 نقطة مئوية قبل وقوع أزمتها".
كذلك فإن الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع، على غرار ما حدث في اليونان عام 2009، تشير إلى أن ثمة تفاوتاً ملحوظاً بين توقعات العجز المتفائلة التي تعلنها الحكومة والنتائج الفعلية التي تتجه نحو مستوى ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة التي لامست على الديون السيادية الفرنسية لأجل 10 أعوام عتبة 4.6 في المئة، وهو المستوى ذاته الذي سجلته اليونان في أكتوبر (تشرين الأول) 2009. وكانت تلك العتبة أطلقت شرارة موجة هائلة من المضاربات من جانب صناديق التحوط وبنوك مثل "غولدمان ساكس"، وهي ظاهرة تتكرر الآن مع الديون الفرنسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن تواتي يرى أن الوضع في فرنسا أكثر خطورة بالنظر إلى القدرة على جمع الضرائب، والواقع هو أنه، على النقيض من اليونان عام 2010 التي كانت تعاني تهرباً ضريبياً هائلاً وصعوبات تاريخية في تحصيل الضرائب، تمتلك الدولة الفرنسية جهازاً إدارياً فائق الكفاءة في مجال جمع الضرائب.
لكن هذه القدرة بلغت نقطة الانهيار، فجراء الاستمرار في رفع الأعباء الإلزامية لسد العجز، تُعرّض فرنسا نفسها لخطر "النزوح الضريبي" واختناق النشاط الاقتصادي، مما سيؤدي في النهاية إلى تدمير الإيرادات الضريبية.
أما حجم الدين، فهو أضخم من أن يُنقذ، إذ إن إجمال الدين العام لليونان بلغ عام 2010 نحو 350 مليار يورو (399 مليار دولار)، وعام 2026 يتجاوز دين فرنسا 3570 مليار يورو (4069.8 مليار دولار)، أي ما يعادل 10 أضعاف ذلك المبلغ.
وتمكن آنذاك صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي من تقديم الدعم المالي و"إنقاذ" اليونان، أما بالنسبة إلى فرنسا، فإن حجم الاقتصاد ومستوى الدين يبلغان حداً يجعل أية آلية دولية أو أوروبية تفتقر إلى الأموال اللازمة لتنظيم خطة إنقاذ، ففرنسا ليست "أضخم من أن تفلس" بل هي "أضخم من أن تُنقذ".
التقشف وعدم اليقين يخنقان النمو
بين تراجع الناتج المحلي الإجمالي واستثمارات الشركات الخجولة التي لا تزيد على نسبة 0.7 في المئة طوال العام الحالي، وارتفاع معدل البطالة إلى 8.3 في المئة، يبدو مستقبل البلاد مضطرباً، وفقاً لرأي الاقتصادي في المرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية إريك هيير الذي يرى أن "جميع المؤشرات تومض باللون الأحمر، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2 في المئة خلال الربع الأول من عام 2026، وتراجعت استثمارات الشركات بسبب زيادة الكلفة وأسعار الفائدة المرتفعة وغياب الرؤية الاقتصادية، ومن المتوقع أن تتدنّى القدرة الشرائية للأسر بنسبة 0.3 في المئة هذا العام وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء".
ويُعزى هذا الوضع إلى الانخفاض الحاد في النشاط ضمن قطاعي الزراعة والبناء، وعلى رغم أنهما لا يشكلان سوى ستة في المئة من الاقتصاد، تراجع الإنتاج الزراعي بنسبة سبعة في المئة خلال النصف الأول من العام، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 12 في المئة بحلول نهاية 2026.
ويُعد هذا ركوداً قطاعياً حاداً للغاية، يضاف إليه هبوط في قطاع الطاقة، وفي المقابل شهد إنتاج قطاع البناء انهياراً بنسبة 8.5 في المئة خلال يونيو (تموز) الماضي، ولن يتجاوز معدل النمو 0.1 في المئة و0.2 في المئة لكل ربع عام.
ويشرح هيير أن "هناك عوامل عدة تعوّق النمو تفسر هذا الوضع، أبرزها سياسة التقشف المالي التي تقتطع 0.3 نقطة من معدل النمو. وتُضاف إلى ذلك حال عدم اليقين الجيوسياسي والتجاري (التي تخصم 0.1 نقطة)، والتداعيات المناخية التي تتسبب في خسارة إجمالية قدرها 0.8 نقطة من الناتج المحلي الإجمالي".