Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤشرات الاقتصاد الفرنسي تشير إلى مرحلة انهيار بسبب تداعيات كورونا

قرارات الحظر أثرت على النمو وقطاعات عدة تراكم خسائر قد تحول دون عودتها لمزاولة نشاطها

لم تكن البشاشة في يوم من الأيام من سمات الفرنسيين عموماً، بل الشائع عنهم صلافتهم وميلهم الدائم للتململ والتعبير عن الاستياء.

أما اليوم وهم في مواجهة جائحة كوفيد-19 وما يقترن بها من أزمة اقتصادية توصف بأنها الأكثر خطورة منذ الحرب العالمية الثانية، فإنهم باتوا يعانون من ضيق وقنوط واضحين على وجوههم.

والفرنسي اليوم خائف على وضعه الصحي، وخائف أيضاً على معيشته ومستقبله الوظيفي وتطور أوضاعه الاقتصادية.

وهو أينما أدار وجهه لا يرى سوى قطاعات منكوبة ومهددة بالزوال: المطاعم والمقاهي مغلقة بموجب إجراءات الحجر الجزئي المطبق في البلاد، والعديد منها يراكم خسائر قد تحول دون عودتها لمزاولة نشاطها.

القطاع السياحي في حال جمود تام والفنادق مثلها مثل سائر المرافق المتخصصة بالخدمات السياحية مشلولة كلياً.

الأمر نفسه ينطبق على المرافق الثقافية من صالات سينما ومسارح ومتاحف وكذلك قطاعات النقل الجوي والسكك الحديدية وصناعة السيارات وغيرها من صناعات تشكل العمود الفقري لاقتصاد فرنسا.

صعوبات اقتصادية

منذ حلول الجائحة في الربيع الماضي اعتمدت الحكومة الفرنسية نهجاً مزدوجاً يقضي بالعمل للسيطرة على انتشار كوفيد-19 وتدارك الانهيار الاقتصادي ما جعلها توزع مساعدات ستبلغ قيمتها 86 مليار يورو.

لكن هذه الكلفة المرتفعة التي تجعل من الفرنسيين محظيين مقارنة مع شعوب دول أخرى بما فيها دول أوروبية غير كافية لتحصين اقتصاد البلاد والحيلولة دون أن يتأثر على المدى الطويل من تداعيات الجائحة.

وفي هذا الإطار، فإن التوقعات الصادرة عن البنك المركزي الفرنسي لا تبعث على كثير من الارتياح، إذ تفيد أن الدورة الاقتصادية لن تستعيد مستوى النشاط الذي كانت عليه في أواخر عام 2019، ولن يتسنى استعادتها قبل منتصف عام 2022.

وأفاد البنك المركزي أنه راجع أيضاً توقعاته بالنسبة للناتج القومي الخام الذي كان من المقدر أن ينمو بمعدل 8,7 في المئة في حين أنه سجل تراجعاً بالغاً بمعدل 11 في المئة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

استناداً إلى هذه المؤشرات بديهي أن يشير البنك المركزي إلى أن فرنسا ستشهد في ظل الصعوبات الاقتصادية المتراكمة ارتفاعاً في مستويات البطالة بحيث تصل نسبة العاطلين عن العمل إلى 11 في المئة خلال الفصل الأول من العام المقبل مع احتمال تراجع إلى مستوى 9 في المئة في أواخر عام 2022.

هذه التوقعات ليست من النوع الذي يبعث على التفاؤل، خصوصاً وأنها مبنية على فرضية غير مؤكدة إطلاقاً، مفادها أن فرنسا لن تشهد موجة كوفيد ثالثة، وأن اللقاح المنتظر سيؤدي إلى انحسار كبير وفعلي للجائحة. هذا الواقع جعل أوساطاً اقتصادية عدة تتساءل بجدية عما إذا كانت الجائحة ستقضي على الاقتصاد الفرنسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المتخصص في المجال الاقتصادي الفرنسي مارك تواتي من بين الذين تناولوا هذا التساؤل من منطلق حجم الركود الذي أصاب الحركة الاقتصادية والذي تترتب عليه برأيه انعكاسات لا يمكن تجاوزها قبل سنوات.

ويؤكد تواتي ما بات محط إدراك من قبل كثيرين أن المؤسسات التي تمكنت من اجتياز موجة كورونا الأولى قد لا يصمد العديد منها أمام الموجة الثانية، مما يعني تصاعد الإفلاسات في القطاعات المختلفة وتفاقم البطالة الطويلة المدى بما يقلص المداخيل بشكل ملحوظ، ويحجم الاستهلاك، ويؤخر بالتالي عودة النمو الشامل.

سيف ذو حدين

وحتى في حال تسنى تفادي الموجة الثالثة، فإن قطاعات بأكملها ستبقى متأثرة بشكل حاد وعلى مدى طويل، ومنها خصوصاً "الفنادق، والمطاعم، والنقل الجوي، وصناعة السيارات".

ويلفت تواتي إلى أن محاولة الدولة اللجوء إلى الاقتراض لدعم القطاع الاقتصادي سيف ذو حدين، فهو يخفف من وطأة الخسائر على المؤسسات، لكنه يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في الفوائد المترتبة على هذه الديون على امتداد العام المقبل، ما سيقود إلى ارتفاع عام في الفوائد على الاقتراض، ويتسبب في إبطاء النمو.

ويرى أن الاقتصاد الفرنسي يمكن أن يتعافى عند منتصف عام 2025 إذا حقق الناتج القومي الخام قفزة بمعدل 6,6 في المئة بالربع الأخير من العام المقبل على أن يواصل النمو المستقر بمعدل 2,5، وعندها فإن الوضع الاقتصادي سيتجاوز أزمته في غضون السنوات الخمس المقبلة.

لكن ومن منطلق الواقعية، يعتبر تواتي أن القفزة في الناتج القومي لن تتجاوز 1,8 في المئة العام المقبل، وأن الارتفاع سيبقى مقتصراً على 1,5 في المئة في السنوات المقبلة ما يعني أن فرنسا لن تستعيد معدلات النمو التي شهدتها في الربع الأخير من عام 2019 قبل عام 2032.

كل هذا في ظل عجز عام قد يقارب ذروة 15 في المئة والمديونية العامة إلى ذروة 125 في المئة من الناتج القومي.

وتفادياً لهذا السيناريو الكارثي يرى تواتي، أن هناك إمكانية للابتعاد عن هذه الهاوية لكن شروطها صعبة وقد لا تتوفر بالضرورة وتقضي بإحلال وحدة وطنية شاملة بين مكونات الطبقة السياسية ومكونات المجتمع الفرنسي بأكمله.

إحلال مثل هذه الوحدة لإنقاذ الوضع الاقتصادي يبدو اليوم من قبيل المعجزة، فيما يجد كثير من الفرنسيين أنهم باتوا مخيرين بين الموت بفيروس كورونا أو الموت جوعاً جراء تردي أوضاعهم الاقتصادية.

وليس أمام هؤلاء سوى اتباع الإرشادات التي توجه إليهم تكراراً من قبل الأجهزة الصحية الرسمية بعدم الاسترسال في الاكتئاب ومراجعة الاختصاصيين الذين يمكنهم مساعدتهم على معالجة اضطراباتهم النفسية.