Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أيام الحاكم" ترصد أعطاب السلطة في العصر الفاطمي

عبدالهادي شعلان يبحث في المنطقة الغامضة التي اعترت الحكم

من معالم القاهرة الفاطمية (صفحة القاهرة - فيسبوك)

ملخص

في روايته "أيام الحاكم"، يدمج عبد الهادي شعلان بين الحقيقة والتخييل، لتفكيك السلطة المطلقة وإبراز مآلاتها، من خلال تشريح العطب النفسي والأخلاقي لشخصية الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وحاشيته.

وضع التاريخ الخليفة الفاطمي في منطقة غامضة تتراوح ما بين الدموية والرحمة، الزهد والهوس بالسلطة، الحكمة والشطط والجنون. هذا التناقض الذي وسم الحاكم بأمر الله الفاطمي، والحقبة التي تولى خلالها حكم مصر، جعل منه شخصية تاريخية جاذبة ومحفزة على الإبداع، ودفع بكثير من الكتّاب للتوقف عنده، وإنتاج أعمال روائية تستعيد سيرته.

وعلى رغم أن الخليفة الفاطمي كان مقصداً رئيساً لكثير من المبدعين، فإن مسالكهم نحوه تباينت، وكذا الرؤى التي طرحوها حوله، فبينما يضعه الكاتب المغربي بنسالم حميش في روايته "مجنون الحكم" في إطار كرنفالي ساخر، بهدف نقد ومساءلة السلطة المطلقة، يضيء يوسف زيدان في روايته "حاكم" تقلباته الفكرية والمزاجية، وتقاطعاته مع العالم ابن الهيثم، وفي رواية "الحاكم بأمر الله" يوظف الكاتب حسين السيد حقبة حكمه، كخلفية لرعب ميتافيزيقي، يوظف عبره نرجسية الحاكم لخدمة الشر والكيانات الشيطانية.

أما في رواية "أيام الحاكم" (بيت الحكمة)، فيستدعي الكاتب عبد الهادي شعلان شخصية الحاكم بأمر الله في مناخ سوداوي، يجسد الطغيان الدموي، والشر البشري المطلق، وينسج عالماً تتداخل فيه السلطة مع التخبط، ويتحول شطط الحاكم ونزواته إلى مصائر بائسة تبتلع من يعيشون تحت وطأة حكمه.

مستويات الخطاب

تنطلق أحداث النص بلحظة ميلاد الحاكم بأمر الله، وبينما يعتمد الكاتب في سرده أسلوب الراوي العليم، فإنه ما يلبث أن ينتقل من ضمير الغائب إلى ضميري المخاطب والمتكلم، ويواصل التجول بين الضمائر الثلاثة حتى على مستوى الفقرة الواحدة، ويسهم هذا التداخل والمزج في كسر المسافة بين الراوي والشخصية، وتغيير زاوية الرؤية، مما يسمح بالجمع بين الكشف الخارجي والمكاشفة الداخلية، على نحو يتيح الإحاطة بالشخصية، والقدرة على تفكيكها ومساءلتها.

غير أن الانتقال بين الضمائر، لم يتسم دائماً بالسلاسة الكافية، نتيجة ممارسته في مساحات سردية ضيقة، من دون مراعاة وجود فواصل بصرية، أو تمهيدات واضحة، ويسهم غياب مبرره في بعض مواضع النص إلى تحوله لعملية شكلية أكثر منها دلالية: "استلقى المظلمة وداعبته الظلمة، فشعر أنه داخل رحم الكون. هل تحوّلت الظلمة لبطن تحيطك وصرت الآن داخل رحم لزج تحبه يا حاكم؟ همس وهو بين الظلمة والحمرة: "أنا ملك الزمان والسلطان الروحي، أفعل ما أريد، هل أنا قادر على هذا؟" (ص 82).

يوظف الكاتب مساحات ممتدة ومتواترة من الحوار والمونولوغ، لطرح رؤى فلسفية وسيكولوجية حول شخصية الحاكم بأمر الله، على نحو يبرز ما يعتريه من عتمة وغموض. وكما يمنح الحوار مساحة من الحرية للشخصيات كي تعبر عن ذواتها وأفكارها، وتُنتج صورتها الخاصة، يتيح تفكيك دوائر السلطة، ويبرز تنافس أقطابها المحموم على الحكم. كما يسهم في الكشف عن دور بعض الشخصيات التاريخية، ولا سيما "حميد الدين الكرماني"، في إذكاء جنون الحاكم وولعه بالسطوة والسيطرة. أما المونولوغ، فيوظفه الكاتب كأداة للكشف النفسي، إذ يسمح بالنفاذ إلى أعماق الحاكم واستبطان أسراره، ورصد الفجوة بين سلوكه وسريرته، وتجسيد نرجسيته، ورعبه من الخيانة، ونزوعه للظلمة، وبحثه عن الخلود.

وفضلاً عن دوره في تعرية أوهام البطل واضطراباته، يكشف المونولوغ عن صراعاته الداخلية وانقساماته بين السطوة والخوف، والهيبة والهشاشة، وكذا بين اللين والعنف "أنا أمير المؤمنين، إنني أشعر الآن بدوار، أنا غير مستريح على رغم ما أملك، الدنيا كلها بين يدي ومصائر الناس معلقة بكلمة مني، لكن أين أنا؟ إن هناك رغبة قاسية داخلي تجعلني أشتهي منظر الدم، كما أنني أحب أن أرى وجوه الناس وهي تنظر لي في رعب، أين أنت يا حاكم من كل هذا؟ لماذا ذهبت الزرقة الصافية من أمام عيني وأتت الحمرة" (ص133).

تجسيد الغيبي

في محاولته بلوغ ما لم يبلغه التاريخ، يستدعي الكاتب الفانتازيا بهدف سبر أغوار نفس الحاكم، واختراق عوالمه الداخلية، وتجسيد الغيبي وغير المرئي واللاملموس، فتحمل شخصية "خادم زحل" دلالة رمزية تحيل إلى الشيطان، إذ يغذي الطيف الأحمر شطط البطل وجنونه ونوازعه الشريرة، ويعده بالسطوة والخلود، لكن الطيف ذاته الذي تتجلى عبره الغواية الخارجية، يحيل في مستوى آخر إلى الجانب المظلم من نفس الحاكم، ولا سيما حين يواجهه بأن كليهما هو الشخص نفسه، مما يجعله أكثر من مجرد قوة خارجية شريرة، وإنما صدى وانعكاس للظلمة الداخلية المستقرة في أعماق الحاكم ودواخله الخفية: "أنا خرجت من روحك، من أعماقك الفوّارة، قلت لك أنا أنت، وأنت أنا" (ص 83).

كذلك يتجلى عبر هذا التجسيد الطيْفي حضور الميثولوجيا، إذ يرتبط كوكب زحل في التراث الفلكي والتنجيم العربي، ولا سيما في عهد الدولة الفاطمية، بدلالات الظلمة والشر والتدمير، كما يتسق مع طبيعة الحاكم ونزوعه نحو العزلة والدموية والظلام.

تتسلل الفانتازيا أيضاً عبر الحلم فتجعل منه فضاء جديداً للكشف النفسي، ومفتاحاً لتفسير شخصية الخليفة المعطوبة بالتناقض والعنف، فما يراه في نومه من ارتفاعه فوق السحاب، ولقائه بروحيْ جده وأبيه، ثم نزوله إلى الأرض، وسباحته بين رؤوس مقطوعة يتدفق منها تيار من الدم، يفسر شراهته للقتل ودمويته، ويحيل إلى فساد العقل والعقيدة، الذي يدفعه لإزهاق الأرواح أملاً في اكتشاف سرها، والتقاطها عند خروجها في رحلتها الأخيرة. ويستبق الكاتب بهذا الحلم الذي يفسر العطب النفسي للحاكم، ليمهد لما ستمارسه الشخصية من جنون وعنف على مدار رحلة السرد: "اغتسل الحاكم بأمر الله من آثار دم الصبي الذي فتح بطنه. أراد أن يبحث عن الروح داخل الجسد الغض، أين تكمن روحك أيها الصغير؟" (ص 89).

الحقيقة والتخييل

على رغم ما ينسجه الكاتب من مساحات واسعة من التخييل يقتضيها الفضاء الروائي، فإن استقاءه من سيرة الحاكم بأمر الله، التي اتسمت بالغرابة والغموض، كان إيذاناً بتسلل الكثير من الوقائع التاريخية الحقيقية إلى النص، وهكذا يتجلى حضور الخطاب المعرفي على طول خط السرد، ولا سيما في ما يتصل بفرمانات الخليفة الفاطمي، وقراراته الشاذة التي حرم الشعب بموجبها من تناول بعض المأكولات، ومنعه من ذبح الأبقار السليمة، وحوّل ليله من وقت للراحة إلى فضاء للعمل، قبل أن يحظر في فرمان آخر الخروج أثناء الليل نهائياً.

كذلك يرصد النص فرضه سجناً خانقاً على النساء، وحرمانهن من عبور أبواب منازلهن. ويتطرق إلى مراسيمه التي جرّمت لعبة الشطرنج، وفرضت قتل الكلاب والخنازير، وطاولت حتى الأديرة والكنائس فهدمتها، وقيدت ممارسة المسيحيين واليهود عباداتهم، وحظرت عليهم الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الدينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما ينسج الكاتب الصراعات الداخلية في العوالم النفسية للشخصيات بخيوط المخيلة، يتلمس التاريخ الحقيقي في نسج العلاقات الشائكة بين الشخوص، فيستدعي التناحر والصراع الذي وسم تلك الحقبة، وينقل أقطابه من الفضاء التاريخي إلى الفضاء الروائي، حاملين أسماءهم ذاتها، وصلاتهم بالحاكم، وكذا مواقفهم ومؤامراتهم، وكذلك يستدعي الوقائع الثابتة التي أسهمت في تأجيج الصراع بين الحاكم و"ست الملك"، بخاصة حين استعان الخليفة بالقابلات لفحص عذرية أخته، ويلجأ الكاتب إلى تكرار عبارة "لن أنساها لك" على لسان "ست الملك" ليبين أثر تلك الواقعة في إشعال حقدها على أخيها، ويسوغ عبر إضاءة هذا الحقد، إضافة إلى رغبتها في الحكم ورفضها قراره بحرمان ابنه ولاية العهد، تآمرها اللاحق من أجل قتله والتخلص منه، "أرادت أن تقوم وتبصق على الحاكم بأمر الله من الشرفة فلم تستطع التحرك، فبصقت جهة الباب الذي خرجت منه القابلات، وشفتاها ترتعدان بكلام مكسور. لن أنساها لك يا حاكم.. لن تفلت مني" (ص 115).  

العطب والظلمة

يتبين عبر السرد قرار الكاتب تجريد نصه من أي بطل إيجابي، وإغراق الجميع في الظلمة، إذ كانت شهوة الحكم ورغبة الانفراد به ثيمة جوهرية، ومحركاً رئيساً لدى شخوص تضافرت جميعها في تجسيد الرداءة، فالأم "رومية" تغرس بذور الشك في قلب ابن زوجها ولا تمنحه محبة حقيقية، والأخت "ست الملك" تستخدم المداهنة للسيطرة على مقاليد الحكم، وبينما يعمد "برجوان" إلى إهانة الحاكم وتجاهله، يسعى "الكرماني" إلى استمالته والتلاعب بعقله، ويتسق ما يخلعه الكاتب على الشخوص من سوداوية وقتامة مع طبيعة الحاكم بأمر الله، واضطرابه النفسي، وشكوكه تجاه جميع من حوله، إذ لا يمكن لشخصية تحوي كل هذا العطب إلا أن تنشأ في بيئة معتلة، ووسط نفوس معطوبة.

ولا يكتفي شعلان بكشف قبح الحاكم على المستوى النفسي وحسب، بل يبرز قبحه على المستوى الظاهري أيضاً، فيرصد رعب جواري القصر من مجرد النظر إليه، ويمعن في تأكيد هذا القبح منذ لحظة مولده، فيُظهره في مهده متعطشاً للموت والدماء، ولتعزيز غايته في إبراز رداءة الشخصيات، يوظف الكاتب تحولاتها لتأكيد سقوطها المتواصل، فيتحول الحاكم نحو مزيد من القسوة والتلذذ بإزهاق الأرواح، وحتى تحوله إلى الزهد، لا يتجلى إلا بوصفه حيلة ماكرة لإحكام السيطرة، وبالمثل تتحول "ست الملك" من كتمان حقدها إلى السماح له بالانفجار عبر التآمر على قتل أخيها، ومن إبداء العشق لـ"ابن دواس" إلى الإعراض عنه والتخلص منه بعدما أنهى مهمته في القتل، وعبر سقوط الشخصيات جميعها وتوغلها في القاع، يعزز الكاتب رؤية شمولية حول فساد السلطة المطلقة، وبشاعة مكائدها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة