Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ذاكرة التراث لم يغيبها دوي رصاص حرب السودان

الخرطوم حريصة على إقامة المهرجانات الشعبية التي تحفظ الهوية الفنية والثقافية عبر الزمن

استمرار البرامج الثقافية والتراثية التي تسهم في تعزيز الهوية الوطنية بالبلاد وتمثل جسراً للتواصل والتعافي المجتمعي (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

شملت فعاليات مهرجان التراث القومي عروض الفنون الأدائية والتراثية ومعرضاً للأعمال اليدوية، والأكسسوارات والعطور والأزياء السودانية إلى جانب الخيمة البدوية، إضافة إلى أعمال غنائية بآلة الربابة وأنماط متنوعة من الشعر الشعبي وفن "الدوبيت"، والفنون التشكيلية بمشاركة محترفين وهواة وعروض درامية وجلسات أغنيات الدلوكة والقهوة، وفعاليات خاصة بالأطفال والمنتجات والمأكولات السودانية المتنوعة.

على مدى ثلاثة أيام، شهدت العاصمة السودانية الخرطوم فعاليات مهرجان التراث القومي السوداني الذي يسلط الضوء على التنوع الثقافي والاجتماعي والأنماط الموسيقية، وكذلك إعادة تقديم ملامح الهوية الفنية المتنوعة، والتعبير عن الإرث والعادات والتقاليد ونشر ثقافة المجموعات المختلفة.

ومنح المهرجان سكان العاصمة بمدنها الثلاث أم درمان وبحري والخرطوم مساحة للتلاقي واستعادة الذاكرة، وإحياء ملامح الحياة التي غيبتها الحرب، في مشهد يعكس قدرة الثقافة والتراث على جمع الناس وتجديد الأمل في المستقبل.

أنشطة نوعية

شملت فعاليات مهرجان التراث القومي عروض الفنون الأدائية والتراثية ومعرضاً للأعمال اليدوية، والأكسسوارات والعطور والأزياء السودانية إلى جانب الخيمة البدوية، إضافة إلى أعمال غنائية بآلة الربابة وأنماط متنوعة من الشعر الشعبي وفن "الدوبيت"، والفنون التشكيلية بمشاركة محترفين وهواة وعروض درامية وجلسات أغنيات الدلوكة والقهوة، وفعاليات خاصة بالأطفال والمنتجات والمأكولات السودانية المتنوعة.

وشهدت ساحة مركز قصر الشباب والأطفال في أم درمان عروض الفنون الأدائية بمشاركة فرق شعبية من مدن وولايات سودانية عدة، وقدمت رقصات "كرنق" "كمبلا"، "الوازا"، و"النقارة"، ورقصة "السيف" و"الواندوب".

وارتدت الفرق الأزياء الشعبية الملونة والأكسسوارات الخاصة مثل "الكشاكيش" وريش النعام، إضافة إلى الصدف (الودع) والحلي المزركشة في تشكيلات متتالية ليستمتعوا ويمتعوا الحضور بمهاراتهم في الرقصات الشعبية.

هوية وتاريخ

في السياق، قال وزير الشباب والرياضة السوداني أحمد آدم إن "التراث يمثل ركيزة أساس للهوية الوطنية وتاريخ البلاد، ويسهم المهرجان في تقديم رسائل للعالم تؤكد تمسك السودانيين بأصالتهم ووحدتهم على رغم الظروف التي يعيشها السودان في الوقت الحالي".

ودعا آدم إلى الاهتمام بالفعاليات التراثية والثقافية، وإبراز ثراء وتنوع الموروث السوداني المتعدد وسط المجموعات والفرق الشعبية".

من جانبه، أكد وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين أهمية التراث باعتباره وعاءً للثقافة والهوية السودانية، فضلاً عن دوره الكبير في التقارب والتفاعل بين المجموعات الفنية والفرق الشعبية".

وأشار سعد الدين إلى "أهمية استمرار البرامج الثقافية والتراثية التي تسهم في تعزيز الهوية الوطنية بالبلاد، وتمثل جسراً للتواصل والتعافي المجتمعي".

تفاعل وتواصل

بدوره، أوضح عضو فرقة الجبال الشعبية خميس شعيب أن "تنظيم مهرجانات واحتفالات تشارك فيها المجموعات الثقافية المختلفة لتبرز تراثها، من شأنه تحقيق التفاعل والتواصل وقيم التعايش السلمي ونبذ الصراع".

ونوه شعيب بأن "المهرجان يهدف إلى إحياء التراث من خلال الأعمال الفنية والعروض والمعارض، فضلاً عن التعريف والممارسة حتى لا تندثر المظاهر الثقافية للمجتمع، إلى جانب تعزيز الهوية الوطنية".

 

 

وتابع المتحدث "المهرجان يلفت نظر المسؤولين والمهتمين بقيمة التراث باعتباره أحد مكونات ركائز هوية الشعب السوداني، من ثم يجب المحافظة عليه وتوظيفه حتى يلعب أدواراً مهمة في المستقبل".

وشدد عضو الفرقة الشعبية على ضرورة تنظيم مثل هذه الفعاليات لأنها تسهم بصورة كبيرة في التعريف بالمكونات الثقافية والفنية والتراثية في البلاد، لا سيما أن هناك عدداً كبيراً من الكوادر المدربة والمؤهلة في هذا المجال يمكن الاستفادة من خبراتها المختلفة حتى يعود التراث والفنون لسيرتهما الأولى".

أصالة وحداثة

شكل المعرض التشكيلي في المهرجان تجربة فنية تستلهم التراث الشعبي السوداني، وتعكس لوحاته مشاهد متنوعة وتوليفة تحمل طابعاً من طبيعة الحياة الشعبية والأصالة والحداثة، معتمدة على ألوان مشرقة.

وفي هذا الصدد، قال الفنان التشكيلي مختار سعيد إن "دور الفنانين في مثل هذه الفعاليات يتمثل في نشر ثقافتهم وهويتهم من خلال أعمال متفردة تخلق ذاكرة بصرية للتراث والهوية حتى يكون هناك حضور للفن التشكيلي المستوحى من التراث".

وأضاف سعيد أن "تجربته في المعرض اعتمدت على التراث الثقافي السوداني عبر أعمال مستوحاة من المباني المعمارية ذات القيمة الفنية والمواقع الأثرية والتحف الفنية والمخطوطات التاريخية والأثرية، إضافة إلى التاريخ الطبيعي، وغيرها".

وأردف "أستلهم التراث من الذاكرة التي تعيش في مخيلتي منذ الطفولة، لذلك أحاول أن تعكس لوحاتي التنوع الثقافي قديماً، والتاريخ الزاخر والعناصر التي أشعر أنها في طريقها إلى النسيان، والمناظر الطبيعية المتنوعة التي تعكس تنوع وجمال البيئة السودانية".

تنوع وتعايش

على نحو متصل، يرى عضو فرقة الفنون الشعبية السودانية كمال طه أن "المهرجان يعكس تنوع التراث في البلاد، إذ شاركت أكثر من 15 فرقة فنية تمثل المجموعات الثقافية لشرق وغرب وشمال ووسط السودان، وقدمت أعمالاً تراثية وفنوناً متنوعة من خلال الرقص والغناء والأزياء والطعام".

وبيَّن طه أن "السودان يزخر بتراث شعبي متنوع وعادات مختلفة نظراً إلى التركيبة الإثنية المتباينة، ومن ثم فإن تنظيم مثل هذه المهرجانات يسهم في تعزيز التعايش بين المكونات الثقافية المتعددة من طريق الفنون الشعبية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونوه بأن "العروض الفنية والرقصات تسهم في تذويب الفوارق العرقية والثقافية بين القبائل المختلفة، ويعم السلم الأهلي والاجتماعي إلى جانب حفظ التراث المتنوع لمكونات المجموعات السودانية كافة".

وأشار طه إلى أن "الفرق الفنية التي شاركت قدمت رقصات مثل "الدليب" التي تمثل تراث شمال السودان، ورقصة "كسلا" الخاصة بالشرق و"الكمبلا" و"المردوم" اللتين تنقلان إرث إقليم كردفان، إضافة إلى رقصة "النحلة" التي تمثل عادات وتقاليد إقليم دارفور، فضلاً عن رقصة "الكلش" الخاصة بإنسان النيل الأزرق، وعرض "الوازا" المؤلف من 14 آلة موسيقية تقليدية شعبية يتغنى به سكان منطقة النيل الأزرق التي تزخر بتنوع ثقافي وإثني كبيرين".

فنون إنشادية

قدمت الفرق الفنية خلال أمسيات المهرجان فنوناً متنوعة من الشعر الشعبي وبخاصة "الدوبيت"، الذي يحمل في ثناياه مخزوناً غنياً من المعاني وكنوز الإبداع التي شكلت تراثاً لمادة فلكلورية نشأت في بوادي وسط السودان المختلفة.

يقول الباحث في التراث السوداني محجوب جمعة إن "الفنون الإنشادية تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على قيم المجتمع السوداني وتربية الأجيال على محبة تراثهم، والعمل على صيانته، كما أن "الدوبيت" يرصد كل الأحوال التي تنتظم المجتمع السوداني، ويعبر عنها".

ويلحظ جمعة من خلال المهرجان اهتمام الشباب بفن "الدوبيت" ومواكبته للأحداث الجديدة بما فيها تداعيات الحرب، مخالفين بذلك النمط القديم الذي كان موجهاً إلى المحبوبة والإبل ومواسم الخريف وجمال الخضرة، والارتباط بالأرض والدفاع عنها حتى الموت".

وتابع الباحث في التراث "المهرجانات التراثية في أي بلد عبارة عن مرآة تعكس البعد الشعبي لحضارة وإرث الأمة إلى جانب أنها تجسد تلاقح الثقافات، وتبرز قيمة التنوع الثقافي والتعدد الإثني خصوصاً في السودان".

تنوع ثقافي

يتميز السودان بتنوع اللهجات والسحنات التي أدت إلى ثراء ثقافي، ليصبح أرضاً خصبة للفنون الشعبية خصوصاً فني الغناء والرقص اللذين يعبران عن إرث وعادات وتقاليد القبائل المختلفة، وبخاصة الإرث الاقتصادي (الحصاد) إلى جانب الاجتماعي والديني.

وواجهت هذه الفنون الشعبية في الآونة الأخيرة تحديات ومشكلات عدة بسبب تداعيات الحرب والواقع الاقتصادي المرير الذي تعانيه البلاد، مما أضعف أداءها وإسهاماتها في الحفاظ على التراث الفني الشعبي، وغيابها الطويل عن المشاركات المحلية والخارجية على رغم النجاح اللافت منذ ظهورها.

وأسست الفنون الشعبية التي تمثل ثقافة أهل السودان عام 1961 إبان فترة حكم الفريق إبراهيم عبود، وكان الهدف من تأسيسها التعبير عن الإرث السوداني والعادات والتقاليد ونشر ثقافته المختلفة إلى جانب أنها تمثل تاريخ شعب بأكمله من خلال التمثيل الخارجي في المهرجانات العالمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير