ملخص
هل دوافع صناع السينما الراغبين في إعادة إحياء أعمال قديمة بعد مرور عقود طويلة تتمثل في الاستثمار في النوستالجيا ومحاولة استعادة نجاح قديم، أم بالفعل هناك قصص تصلح لأن تروى في هذا العصر، وماذا عن أخطار المقارنة؟ والاتهام بإفساد أعمال ذات شعبية وجماهيرية كبيرة، ولماذا اكتشف الصناع فجأة هناك خطوطا درامية جديدة تنتمي لنفس تلك العوالم بدلا من البدء بصناعة أفكار جديدة من الألف للياء؟
على مدار تاريخ السينما المصرية نجد أن أفلام الأجزاء المتعددة تعتبر شحيحة مقارنة بعدد الأفلام الهائل منذ قرن مضى، قد يكون من أبرزها ثلاثية نجيب محفوظ و"بخيت وعديلة"، وفي مرحلة أحدث هناك "الفيل الأزرق" و"ولاد رزق" و"عمر وسلمى" و"الكنز" و"الجزيرة" و"الحريفة"، ما يميز تلك الأعمال أن أجزاءها الثانية والثالثة قدمت بصورة متتابعة على بعد زمني قليل من عرض الفيلم الأصلي، وغالبيتها كان مخططاً له أن تكون سلاسل سينمائية من البداية، لكن أخيراً أصبحت أجزاء الأعمال الدرامية الثانية تقدم بالمصادفة، بل إن بعض صناعها كانوا شددوا في تصريحات سابقة على عدم وجود نية لاستكمال القصص في أجزاء جديدة ثم بعد مرور سنوات طويلة يبدلون آراءهم.
ولا تبدو غالب التجارب التي قدمت بالفعل في هذا الصدد مبشرة، سواء جماهيرياً أم نقدياً، لكن في المقابل هناك مشاريع جديدة يجري العمل عليها تثير الفضول، من بينها الأجزاء الجديدة من أفلام مثل "طير إنت"، و"سهر الليالي"، و"مافيا"، إضافة إلى مسلسل "نيللي وشريهان"، وهي أعمال يجري العمل عليها بالفعل وليست مجرد أمنيات وتصريحات للاستهلاك مثلما حدث في مشاريع سابقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم الاقتراحات والجدالات التي صاحبت العروض الأولى لتلك الأعمال بضرورة استكمال الحكايات، فإنه لم يستجب أحد إلا بعد مرور سنوات طويلة بعضها يصل إلى ربع قرن، فما الشغف الفني الذي حرك القائمين على تلك الأعمال إلى إعادة إحيائها مجدداً بمواسم جديدة، عوضاً عن تقديم مشاريع مستقلة من دون ربطها بالنجاحات القديمة، في الأقل هرباً من فخ المقارنة، أم أن القصص المرتقبة يجب أن تكون مستقاة من تلك العوالم بصورة لا تمكن التغاضي عنه، وكيف سيمكنهم أيضاً التعلم من التجارب التي لم تنج من هذا الاختبار؟
السينما تفتح أبواب الماضي
قد يكون اللعب على النوستالجيا أحد أبرز محفزات الذهاب إلى تلك المشاريع بعد مرور كل هذا الوقت، إذ يبدو لأطراف كثيرة أن الأمر يعتبر استثماراً آمناً، بدلاً من البدء ببناء عوالم جديدة من الصفر، لكن حتى تلك الصفات التي قد تجعل الصفقة رابحة بالنسبة إلى بعضهم لا تضمن النجاح، فالتكرار والملل وعدم قراءة الجمهور الجديد بصورة صحيحة، قد تفسد الخطة تماماً، فلا يربح أصحابها جمهور العمل الأصلي، ولا يتمكنون أيضاً من الإمساك بلغة سينمائية تصلح لمخاطبة المشاهدين الجدد، وربما هذا ما حصل مع فيلم "أولاد حريم كريم"، الذي قدم على أنه جزء ثان من فيلم "حريم كريم"، إذ كان الفاصل بين العملين 18 عاماً كاملة.
وعلى رغم النجاح الكبير للجزء الأول فإن الثاني واجه هجوماً نقدياً وجماهيرياً ترجم في شباك التذاكر الذي لم يجن سوى 9 ملايين جنيه مصري، أي أقل من ألفي دولار أميركي، وذلك على رغم محافظة الفيلم على غالب عناصره، منهم مصطفى قمر وعلا غانم وبسمة وداليا البحيري. لكن على ما يبدو أن غياب البطلة الرئيسة ياسمين عبد العزيز قد خصم كثيراً من التجربة، فحتى بوجود صناعه الأصليين المؤلفة زينب عزيز والمخرج علي إدريس حدث الإخفاق.
كذلك الجزء الثاني من فيلم "هيبتا" حافظ على عنصريه الأساسيين المخرج هادي الباجوري والمؤلف محمد صادق، وعلى رغم ذلك لم يحظ بإشادات نقدية كبيرة، إضافة إلى أنه حقق تقريباً ربع إيرادات الجزء الأول أو أقل، ربما إن لم ينتظر صناعه تسع سنوات كاملة منذ عرض الجزء الأول، كان يمكن للجمهور أن يكون أكثر حماسة في استقباله، لأنه في حينها كان يمكن استغلال الزخم وحضور الشخصيات في الأذهان بالسرعة في تنفيذ المشروع.
الاستثمار في الأرشيف
في المقابل وعلى رغم تحقيق الجزء الثاني من فيلم "السلم والثعبان" إيرادات تصنف على أنها كبيرة 90 مليون جنيه مصري، أي مليون و730 دولاراً أميركياً تقريباً، فإنه من الناحية الفنية صنف الفيلم على أنه أقل كثيراً من الجزء الأول، وهذا مع وجود اسم طارق العريان مؤلفاً ومخرجاً في التجربتين، إذ قدم العمل الأول عام 2001 أما "السلم والثعبان - لعب عيال"، فعرض بعدها بنحو 24 عاماً أي بعد ما يقرب من ربع قرن، والحقيقة أن الفيلم القديم كان يعتبر نقلة في مسيرة صناعه ويعتبر من أكثر الأفلام الرومانسية شعبية وجودة في فترة أوائل الألفية، لكن العمل الأخير اعتبره النقاد محاولة استنساخ نجاح بشخصيات مبتورة وتجربة تفتقد لصدق وطزاجة ونضج الجزء الأول، فهل الاتكالية على أرشيف النجاح في بعض الأوقات تكون هي في حد ذاتها مدخل الإخفاق؟
تقول الناقدة أمل مجدي إن فكرة الجزء الثاني نفسها حتى لو بعد حين ليست خاطئة في حد ذاتها، لكن العبرة بالتنفيذ وبالفكرة، مشيرة إلى المثال الأحدث عالمياً بفيلم "الشيطان يرتدي برادا" الذي قدم جزأه الثاني بعد عقدين من الأول، لافتة إلى أنه على رغم الفيلم الجديد أقل نجاحاً، لكنه يعتبر تجربة جيدة إلى حد كبير، ونجح صناعه في إعادة صياغة عوالم الفيلم الأصلي المرتبط بالموضة والإعلام، عن طريق معالجة تتماشى مع هذا العصر وتحافظ على الرابطة مع القصة الأصلية.
وتضيف مجدي إن الأمر مع فيلم "السلم والثعبان 2" مختلف جذرياً، موضحة "الفيلم الأول يعتبر من أهم أفلام المرحلة التي عرض بها، ويمتلك شخصيات ناضجة وحتى أغنياته ناجحة وحاضرة، وشكل علامة فارقة في مشوار نجومه، وفي ما يتعلق بالجزء الثاني فقد اختار صناعه التعامل مع شخصيات مختلفة تماماً وطاقم أبطال جديد بأسماء جديدة، وعلى رغم ذلك فصفاتهم وأعمارهم تشير إلى أنهم امتداد للجزء الأول، وأعتبر هذا العمل بمثابة استثمار لنجاح فيلم جماهيري بلا تخطيط، فالشخصيات فارغة بلا عمق والأدوار المساعدة جاءت نمطية، كما أن وجود الأطفال كان هامشياً تماماً، فالأزمة الأساسية جاءت في الكتابة، فخرجت التجربة عبارة عن توليفة إعلانية وترويجية لمنتجات وأماكن، من دون مناقشة فكرته الأساسية المتعلقة بالمشكلات الزوجية بالعمق المستحق".
تحديات ورهانات
على طاولة صناع السينما والدراما في الوقت الحالي أعمال عدة يجري التحضير لأجزاء ثانية منها بعد مرور سنوات طويلة، لم يتحدث خلالها أي من صناعها عن أي احتمالية لمثل تلك المشاريع، إذ وافق الفنان أحمد السقا مبدئياً على تقديم الجزء الثاني من فيلمه الأكشن "مافيا" بعد 24 عاماً من الجزء الأول، ووفق تصريحات مؤلف السيناريو مدحت العدل، فهناك حماسة لتقديم الجزء الثاني بطاقم الأبطال نفسه، أيضاً هناك حديث عن جزء ثان من فيلم "تيتو" للبطل نفسه كذلك بعد مرور 22 عاماً.
يجري حالياً أيضاً العمل على جزء ثان من فيلم كوميدي حقق نجاحاً استثنائياً هو "طير إنت"، الذي دشن به أحمد مكي شخصيته الفنية وموهبته التي تبرع في تقديم كاراكترات مختلفة، وبعد نحو 17 عاماً أخيراً تقرر اتخاذ تلك الخطوة بصورة مفاجئة، إذ يحاول أحمد مكي الحفاظ على غالب عناصر الجزء الأول بالتفاوض مع دنيا سمير غانم لمشاركته البطولة مجدداً، فيما دنيا سمير غانم نفسها تبدأ قريباً تصوير الجزء الثاني من مسلسل "نيللي وشريهان"، بعد 10 سنوات من نجاح الموسم الأول للعمل الكوميدي الشهير، وهو من الأعمال التي حملت نهاية مفتوحة بالفعل وتوقع المتابعون أن يقدم موسمه الثاني سريعاً، لكن تصريحات صناعه وقتها أحبطت تلك الآمال مع نفي قاطع لتلك النية، ها هم يغيرون موقفهم وسط تحديات أكثر شراسة.
أما من أبرز تلك المشاريع فهو الجزء الثاني من "سهر الليالي" العمل السينمائي الذي شكل منعطفاً لافتاً في سينما جيل أوائل الألفية، وتميز بجرأة الطرح والمشاهد، إذ تحدث عن مشكلات عاطفية بين الشركاء كانت تعتبر من المسكوت عنها سينمائياً، وشكل عرضه حدثاً مدوياً حينها، وبعد نحو 23 عاماً أخيراً انتهى مؤلفه تامر حبيب من كتابة الجزء الثاني، ليعتبر العنصر المشترك الوحيد حتى الآن بين الجزأين، إذ يتولى كريم الشناوي الإخراج بعد ما كان هاني خليفة مخرج العمل الأول.
فيما القصة تعتمد على أبطال مختلفين تماماً مع الحفاظ على أجواء وروح "سهر الليالي" الذي عرفه الجمهور، وفقاً لتصريحات صناعه، إذ يشترك في إنتاجه كل من العربية سينما إنترناشونال وكايرو فيلمز، التي يمثلها المنتج وسام سيف الإسلام الذي يرى أنه لا يسعى مع فريق "سهر الليالي 2" إلى الاعتماد على نجاح فيلم ارتبط به قطاع ضخم من الجمهور العربي، إنما بناء مشروع سينمائي كبير، يستحق انتظار تلك الجماهير كل هذه السنوات، ويشدد المنتج وسام سيف إنه مثله مثل المشاهدين لديه علاقة وثيقة بهذا الفيلم منذ أكثر من عقدين من الزمان، لكنه اليوم انتقل لمقعد الشريك الفعلي الذي يضع على عاتقه المساهمة في تلك العملية الإبداعية كفصل جديد يحمل اسم الفيلم نفسه الذي بنى معه محبو السينما مشاعر، بخاصة جداً منذ لحظة عرضه، لافتاً إلى أنه يدرك تماماً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وكذلك بقية فريق العمل تجاه مشروع يتمتع بالفعل بمكانة كبيرة في الذاكرة.
فكرة الأجزاء الثانية بعد مرور سنوات طويلة أصبحت هوساً هوليوودياً أخيراً، فبخلاف The Devil Wears Prada 2، بطولة آن هاثاواي وميريل ستريب وإيميلي بلانت، هناك أيضاً "Freakier Friday" لليندسي لوهان وجيمي لي كيرتس الذي عرض بعد 22 عاماً من فيلمها الأصلي، كما عاد توم كروز العام الماضي بـ "Top Gun: Maverick"بعد نحو 36 عاماً من الفيلم الأول، وأكثر ما يميز تلك التجارب وغيرها هو المحافظة بقدر الإمكان على الفريق الإبداعي للعمل الأول وعلى رأسهم الأبطال، فحتى لو كان أمراً تسويقياً بحتاً ويهدف إلى استقطاب الجمهور من باب النوستالجيا فإن الحرص على جمع الأبطال معاً هو جوهر تلك الفكرة، بالطبع مع ابتكار خطوط درامية تلائم متغيرات العصر. لكن ما يحدث عربياً غالباً هو صعوبة جمع الأبطال الرئيسين مجدداً لأسباب كثيرة، وربما هذا الأمر قد يسبب الارتباك لدى الجمهور، ويخصم من التجربة.
فخ المقارنة يهدد الاستثمار الآمن
تعتقد الناقدة ماجدة موريس أن هذه نقطة مهمة، ففيما يتعلق بالتجارب المصرية، سيقارن الجمهور حتماً بين أداءات الأبطال، في الجزأين وحتى قبل الأداء فإن تسكين الأدوار نفسه سيشغل حيزاً كبيراً من اهتمام المشاهد الذي ارتبط بالتجربة الأولى وبشخصياتها، وتشدد أن التجارب المثيلة في الأعمال التي اكتشف صناعها فجأة أنهم بحاجة إلى استكمالها بأجواء جديدة غير مشجعة بالمرة.
وتتابع الناقدة الفنية "في حال وجود النية منذ البداية لتقديم عمل على أجزاء فهذا شيء عادي، لكن ما يحدث حالياً يبدو وكأنه محاولة لاستنساخ نجاح سابق والصعود عليه بدلاً من البحث عن أفكار جديدة، فإعادة تدوير القديم يشير إلى أن هناك تراجعاً حقيقياً في السينما، فالبلد الذي يزيد عدد سكانه على 110 ملايين نسمة بالطبع لديهم قضايا ومشكلات وقصص تصلح للمناقشة، كما أن هناك عشرات الروايات الصالحة للتقديم درامياً، فلماذا لا يتم البحث عن مشاريع مبتكرة بدلاً من إهدار المجهود، والحقيقة أنني أتمنى للمشاريع الجديدة توفيقاً وقد يكون لديهم جديد بالفعل يقدمونه ورؤية مختلفة غير مملة، وأن يضيفوا للعالم الأصلي للفيلم أو المسلسل، وحتى إن لم يتحقق هذا فالجمهور الذي ارتبط بتلك الأعمال الناجحة منذ البداية لن يتأثر كثيراً بالتجربة إن لم تكن على قدر توقعه، بل سيسقطها من الذاكرة".
على العكس ترى الناقدة أمل مجدي أنه ليس عيباً أن يجري التفكير فجأة في تقديم أجزاء مكملة لأعمال ناجحة، لافتة إلى أن هناك كثيراً من القصص والأفكار الدرامية التي تصلح لهذا، فعالمياً هناك صناعات كاملة قائمة على هذه النوعية، إذ يجري استثمار النجاح بأفضل الطرق الممكنة، ولهذا أنا ضد أن أقول بصورة مطلقة إن هذا نابع من الإفلاس أو اختزال التجربة في أنها مجرد استسهال لا أكثر، لكن هذا لا ينفي وجود تحديات قد يخفق فيها بعضهم بتقديم معالجات لا تلائم العصر، لأننا نفتقر بالأساس لفكرة التخطيط بصورة عامة، فإدارة مثل هذه الأعمال تحتاج إلى منظومة متكاملة في ما يتعلق بالتعاقدات على سبيل المثال مع الصناع والأبطال لضمان وجودهم في القصص التي تلائمهم.وحول فكرة الأجزاء الثانية في المسلسلات التي كان متفقاً عليها من البداية مثل "ليالي الحلمية ورأفت الهجان وزيزينيا"، وحتى أعمال كوميدية مثل "راجل وست ستات"، مقارنة بالتوجه المفاجئ لتقديم جزء ثان من "نيللي وشريهان" بعد مرور 10 سنوات، وهو عمل يتمتع بشعبية ضخمة، تعتقد أمل مجدي أنه قد يكون لدى صناعه طرح مختلف ومعالجة مبهرة، ويتمكنون من إضافة شخصيات تنتمي للعالم نفسه مع الحفاظ على خصوصيته.