ملخص
يفضل مقاولو الأنفار في مزارع مصر تشغيل الأطفال على البالغين: أقدامهم الصغيرة لا تضر بالمحاصيل، وأجورهم أقل، وطاعتهم أكبر. يكشف التحقيق كيف تستقطب هذه العمالة الصغيرة من القرى الفقيرة، وتنقل يومياً في مركبات مخصصة أصلاً لنقل البضائع، وكيف تنتهي بعض هذه الرحلات بحوادث مميتة.
حين دفعنا البوابة الحديدية الكبيرة ودلفنا إلى مضيفة سالم النجار (مكان مخصص لاستقبال الضيوف) في عزبة عبس بريف محافظة الشرقية (شمال شرقي مصر)، كان أكثر من 10 أطفال تراوح أعمارهم ما بين 7 و12 سنة يتحركون بين الجالسين وينفذون ما يطلب منهم، بينما كانت سيارات "ربع نقل" تصطف في المكان من حولنا.
كان سالم، وهو اسم مستعار لمقاول أنفار (سمسار توفير العمالة اليومية) في الخمسينيات من عمره، يتحدث إلينا متباهياً بجمع الأطفال من القرى والعزب ونقلهم إلى المزارع. وبينما كان يحكي، فإن طفلاً لم يتجاوز التاسعة انشغل بخدمة الجالسين: أشعل الموقد، وأعد الشاي، ثم راح يقدمه إلى الجالسين في المضيفة. وفي الأثناء هيـأ طفل آخر "شلتة" (قطعة قماش محشوة بالقطن تستخدم مقعداً في الريف المصري) لسالم، ووضع طفل ثالث "شلتتين" مماثلتين لي وللوسيط الذي رتّب لقاءنا، الذي استغرق الذهاب إليه ساعات أربع بالسيارة من مدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، لتقصي أحوال عمالة الأطفال في المزارع.
حديث سالم عن جمع الأطفال من القرى والعزب ونقلهم إلى المزارع قادنا إلى الخطوة التالية: سيارات "ربع نقل" مكشوفة تحمل الأطفال إلى الحقول، في صندوقها الخلفي يتوزعون في الحيز الضيق، متلاصقين إلى حد لا يكاد يترك للواحد منهم مساحة لقدميه، فكل موضع يمكن استغلاله يعني طفلاً إضافياً، وكل طفل إضافي يدر على المقاول عمولة.
من المضيفة بدأت "اندبندنت عربية" رحلة تتبع عمالة الأطفال من القرى إلى الحقول، التقينا أطفالاً وعمالاً وأسراً ومقاولي أنفار، وأمسكت أيضاً بخيوط هذه الشبكة التي تعمل في الظل، ولا تتوافر عنها إحصاءات رسمية.
شبكة اصطياد: أقدام صغيرة في قبضة أيادٍ كبيرة
حين سألناه عن أسباب تفضيله الأطفال، أجاب مقاول الأنفار الذي يوفر العمالة للمزارع "لا يمكن الاستغناء عنهم، خطوة الطفل أخف وزناً من الشخص البالغ، أقدامهم لا تفسد الزراعة، وأثرها يترك حفراً صغيرة في الأرض يستفاد منها لاحقاً في وضع الكيماوي (السماد)"، ثم انتقل في حساباته إلى النقل والأجر وطبيعة العمالة نفسها "الطفل لا يأخذ حيزاً داخل السيارة ربع النقل، مما يسمح بنقل عدد أكبر من العمال، وأجره في جميع الأحوال أقل. عمالة خفيفة لا تتكلم كثيراً، ولا ترهق المشرفين مثل الكبار، وتنفذ التعليمات من دون اعتراض".
حين انتقلنا إلى العمولة التي يتقاضاها مقاولو الأنفار مقابل توفير العمالة، قال سالم، "نعمل على أقل تقدير في أربعة مواقع، يضم كل منها نحو 200 عامل، ونتقاضى 10 جنيهات عن كل طفل أو شخص بالغ، بما يقدر بنحو 8 آلاف جنيه (154 دولاراً أميركياً) يومياً".
بينما لا تقف مهمة مقاول الأنفار عند جمع العمالة ونقلها إلى المزارع، يقول سالم إنه يتبادل هؤلاء الأطفال مع مقاولين في محافظات أخرى يطلبون أعداداً لسد حاجة مزارعهم، ويجلب عبر وسطاء عمالاً من صعيد مصر ومحافظات تبعد مئات الكيلومترات، ويوفر لهم الإقامة في خيام قرب المزارع حتى انتهاء مهمة الحصاد.
بعد رصد عمل المقاولين في عزبة عبس وتوثيق طريقة جمع العمالة منها، انتقلت "اندبندنت عربية" إلى نقاط أخرى تتجمع فيها العمالة الزراعية. تقع عبس وقرى الأطراف الزراعية المحيطة بها في الشرقية، على بعد نحو 160 كيلومتراً شرق القاهرة، ومنها قطعنا نحو 33 كيلومتراً إلى "بحر البقر"، ثم واصلنا إلى "زراعة 9" في الإسماعيلية.
سلكنا طرقاً ضيقة وغير ممهدة تتوسط الأراضي الزراعية، تغيب عنها أعمدة الإنارة والخدمات الأساسية، وكانت السيارات ربع ونصف النقل والتروسيكلات أكثر وسائل النقل انتشاراً على طول الطريق، وهي مركبات مخصصة لنقل البضائع، لكن المقاولين يستخدمونها لنقل العمالة الزراعية، في مخالفة للقواعد التي يضعها قانون المرور المصري لاستخدام هذه المركبات.
وفي الطريق نفسه، كشفت حادثة "الدواويس" جانباً آخر من رحلة هذه العمالة. ففي الـ 11 من أغسطس (آب) الماضي، انطلقت السيارتان من محافظة الشرقية، إحداهما من بحر البقر والأخرى من أبو حماد، وكانتا تقلان عمالة زراعية في طريقها إلى مزارع منطقة يطلق عليها "الجبل" بالصالحية الجديدة. وأسفرت الحادثة عن وفاة 20 وإصابة 28، إذ توفي ستة من ركاب السيارة المنطلقة من بحر البقر، بينهم خمسة أطفال، وأصيب 17 آخرون، فيما توفي 14 من ركاب السيارة الثانية وأصيب 11.
وفق محمد، الخمسيني الذي التقيناه في قرية "بحر البقر 5"، يستهدف مقاولو الأنفار الأطفال تحديداً لانخفاض أجورهم وقدرتهم على تحمل المعاملة القاسية.
فقد محمد ابنه، البالغ 13 سنة، في حادثة الدواويس، كان الطفل يساعد أسرته بيومية قدرها 100 جنيه (دولاران). التقيناه في منزل من طابق واحد، جدرانه وأرضيته من دون تشطيب، يفضي مدخله مباشرة إلى الغرفة الرئيسة، فيما يترك سوره المنخفض الشارع مكشوفاً لمن يجلس في الداخل، وبينما كنا نجلس إلى محمد، كانت جدة الطفل، التي تولت رعايته، إلى جواره، وتتحدث عن أهمية اليومية التي كان يجلبها إلى أسرتها.
يقول محمد "الأطفال يخرجون إلى العمل لضيق الحال، ويفضلون هنا الطفل بسبب استجابته للإهانة ومواصلته العمل، بينما قد يرفض العامل البالغ الأسلوب السيئ في المعاملة، وإذا كان العامل البالغ يحصل على 150 جنيهاً، فالطفل يقبل بـ100". وتضيف جدة الطفل "نحن نحتاج إلى يومية الطفل لتدبير نفقات المعيشة، ووالده عليه ديون يريد سدادها، لذا نرسل الأطفال إلى العمل حتى نوفر ما يعيننا على المعيشة، فمن أين نأتي بالمال؟ كانت الـ100 جنيه تسد جزءاً كبيراً من حاجاتنا".
كانت الـ100 جنيه التي تحدثت عنها جدة الطفل هي المقابل نفسه الذي كانت تحصل عليه ياسمين، ابنة صلاح سيد عبدالحميد، الذي التقيناه على بعد بضعة كيلومترات في قرية "بحر البقر 3". كانت ياسمين، مثل ابن محمد، تخرج يومياً للعمل مقابل 100 جنيه. وفي الـ21 من أبريل (نيسان) 2021، كانت في طريقها إلى مزارع الصالحية الجديدة على متن سيارة ربع نقل، حين انقلبت السيارة، فكانت بين من لم يعودوا إلى القرية: توفيت وأصيب 18 من رفاقها، يقول صلاح "كانت تساعدني في المعيشة، كنت أتوقع الحادثة، لأن أطفالاً كثيرين يذهبون في هذه السيارات، ولا يعودون".
ثمن اليومية يدفع مرتين: عملاً وإهانة
قادنا تتبع الضحايا إلى قرية "بحر البقر 5"، حيث التقينا راضي، 11 سنة، وهو اسم مستعار لحماية هويته. في منزل خرساني متواضع تحيط به مياه الصرف الصحي، استقبلتنا أسرة الطفل الذي فقد والده قبل نحو ستة أعوام، ثم فقد عمه في حادثة الدواويس قبل أسابيع.
عن يومه في العمل، سألناه كيف يبدأ وينتهي؟ فأجاب: "نخرج من المنزل في السادسة صباحاً ونعود مع غروب الشمس، نجلس على أرضية الصندوق في سيارة ربع نقل مكشوفة تتجه بنا إلى المزارع، بينما يمسك الرجال بحافتها، نتشاجر دائماً، نحن الأطفال، في ما بيننا لنفوز بمكان في السيارة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
راضي، 11 سنة، دون السن الأدنى للعمل التي حددها قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025 بـ15 سنة، ودون سن الـ14 التي يسمح القانون عندها بتدريب مهني لا يعوق تعليم الطفل. وخروجه من المنزل في السادسة صباحاً يقع داخل الفترة التي يحظر فيها القانون تشغيل الأطفال، الممتدة من السابعة مساءً إلى السابعة صباحاً. وبين خروجه وعودته "مع غروب الشمس" يمتد يوم عمل يتجاوز الساعات الـ10، في حين لا يجيز القانون تشغيل الطفل أكثر من ست ساعات يومياً، أو أكثر من أربع ساعات متصلة دون فترة راحة. والسيارة التي تنقله يومياً، وهي صندوق مكشوف يتزاحم عليه الأطفال للحصول على مكان، تخلو من أي معيار سلامة يفرضه القانون على بيئة عمل الطفل.
في المزرعة لا ينتهي العمل عند الوصول إلى الحقل، يحدد المشرفون لكل عامل مساحة من الأرض المزروعة عليه إنجازها، ويطلقون عليها "الخط"، يقول راضي "نبقى في وضع انحناء بالمزارع حتى نهاية يوم العمل، وإذا رفعنا ظهورنا لنستريح يضربوننا بعصا داخل خرطوم ويشتموننا، يطالبوننا بإنهاء الخط، وبمجرد الانتهاء منه يطلبون منا العمل في خط إضافي".
في مطلع يوليو (تموز) الماضي، سقط راضي من سيارة ربع نقل مع طفلين آخرين، فأصيب بكسر في ساقه، فيما خضع الطفل الآخر لجراحة تركيب مسامير. يقول راضي إنه عاد إلى العمل بعد نحو شهر، بمجرد فك الجبس عن ساقه، مرجعاً الحادثة إلى تزاحم الأطفال داخل السيارة، الذي دفع بعضهم إلى الوقوف، وأدى إلى سقوطهم. وفي واقعة أخرى أصابه المنجل (آلة حادة تستخدم في الزراعة) في يده، يشير إلى موضع الإصابة ويقول "ظلت تنزف، لكنهم أجبروني على العمل وأنا أنزف". تلتقط والدته الستينية بثينة الحديث: "هذه السيارات مصدر الدخل الوحيد هنا، نعلم أنهم يستغلوننا، لكننا مضطرون".
تقول مديرة برنامج مكافحة عمل الأطفال بمكتب منظمة العمل الدولية في القاهرة مروة صلاح عبده، إن القانون الجديد استحدث، للمرة الأولى في التشريع المصري بحسب وصفها، عقوبة للوالدين أو متولي أمر الطفل إذا قاموا بتشغيله بالمخالفة لأحكام القانون، بغرامة تراوح ما بين 1000 (20 دولاراً) و20 ألف جنيه (385 دولاراً)، وترى عبده أن النص يمثل "خطوة مهمة"، لكنها تقول إن "التحدي الأساس يتمثل في التطبيق الفعلي" لهذه الأحكام.
وعلى خلاف ما تنص عليه التشريعات التي تجرم إجبار الأطفال على العمل، يبدأ يوم راضي بقرار من أسرته وينتهي بيومية تعود إليها، وبينهما يقضي الطفل ساعات العمل في المزرعة، ويقول إنه يمضيها متعباً ومنحنياً، يخشى أن يرفع ظهره فيتعرض للضرب. وفي الـ24 من يناير (كانون الثاني) 2025، أوردت منظمة العمل الدولية، استناداً إلى المسح الوطني لعمالة الأطفال لعام 2023 الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن 4.2 مليون طفل يعملون في مصر، بينهم 3.7 مليون في أعمال خطرة أو غير قانونية.
لم يكن الطفل راضي وحده من اضطر إلى العمل في سن مبكرة، فشقيقه مصطفى، البالغ 20 سنة، أجبرته الظروف المعيشية على العمل الزراعي وهو في العاشرة، يصف واقع أطفال القرية "غالبيتهم يقسمون أيامهم بين المدرسة والعمل الزراعي، ثلاثة للدراسة وأربعة للعمل".
في "الجبل" بالصالحية الجديدة، حيث تنتهي رحلة سيارات العمالة القادمة من القرى، يشرح لنا مهندس ميكنة يعمل في المنطقة منذ 20 عاماً لماذا يفضل أصحاب المزارع الأطفال في أحد أبرز أعمالها زراعة الفول السوداني، فبعد ظهور النبتة، تحتاج الأرض إلى إزالة الحشائش الصغيرة التي تنمو بينها، وهي عملية لا تتوافر لها معدات زراعية وتجرى يدوياً. ويزرع الفول على مصاطب يبلغ عرض الواحدة منها نحو متر، تفصل بينها مسافة تراوح ما بين 10 و15 سنتيمتراً.
تفضل عمالة الأطفال في إزالة الحشائش لصغر أقدامهم وقدرتهم على الحركة بين المصاطب من دون الإضرار بالنبات، بحسب مشرف الميكنة، الذي يوضح "قدم العامل البالغ قد تضغط على التربة وتؤثر في النبات، خصوصاً أن ثمرة الفول السوداني تتكون تحت سطح الأرض، فضلاً عن انخفاض أجور الأطفال مقارنة بالبالغين".
لكن، هذه المهام تتطلب جهداً بدنياً والعمل فترات طويلة تحت أشعة الشمس، وفق ما يؤكده مهندس الميكنة، فضلاً عن تعرض الأطفال للمبيدات الحشرية، إذ تزال الحشائش أحياناً بعد رش المزروعات بها، بينما يعمل الأطفال بأيديهم مباشرة بين النباتات، فتلامس أيديهم بقايا المبيدات على الأوراق.
في الـ18 من مارس (آذار) الماضي، صدرت القواعد التنفيذية الخاصة بتشغيل الأطفال بموجب قرار وزير العمل رقم 50 لسنة 2026، الذي حدد الأعمال والمهن والصناعات المحظور تشغيل الأطفال أو تدريبهم فيها وفقاً لمراحل السن، ووضع ضوابط إضافية للعمل والتدريب بحسب طبيعة كل نشاط وظروفه. ومن بين هذه الضوابط، حظر تشغيل الأطفال في أعمال تتضمن التعامل مع المواد الكيماوية أو النفايات الخطرة، وهي الفئة التي تندرج تحتها المبيدات التي تلامس أيدي الأطفال يومياً في حقول الفول السوداني بمنطقة "الجبل".
للبضائع لا البشر... نقل العمالة أم تحميلها؟
تواصلت "اندبندنت عربية" مع وزارة العمل والمجلس القومي للطفولة والأمومة للحصول على بيانات رسمية، لكن الجهتين لم تردا حتى موعد النشر، لذلك أعدت "اندبندنت عربية" قاعدة بيانات لحوادث نقل العمال الزراعيين، استناداً إلى ما نشرته الصحف والمواقع المصرية بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. وجمعنا بيانات كل حادثة بحسب تاريخها ومكان وقوعها، وأعداد الوفيات والمصابين، ونوع المركبة المستخدمة في النقل، مع دمج التغطيات المتعددة للحادثة الواحدة واعتماد أحدث حصيلة معلنة للضحايا.
أحصينا نتائج 124 حادثة في سبع محافظات، أسفرت عن 182 حالة وفاة و1688 إصابة، وهي حصيلة تمثل الحد الأدنى الموثق إعلامياً، إذ يرجح أن حوادث أخرى لم تحظَ بتغطية كافية لم تدرج ضمنها. وتوزعت الحوادث بحسب المحافظة التي وقعت فيها كل حادثة: 59 في البحيرة، و21 في المنيا، و11 في أسيوط، و10 في الوادي الجديد، و9 في الإسماعيلية، و8 في المنوفية، و6 في الشرقية.
أمّا الوفيات فسجلت البحيرة منها 58، والمنيا 29، وأسيوط 25، والإسماعيلية 24، والمنوفية 43، والوادي الجديد 3، بينما لم تسجل الحوادث الست في الشرقية أي وفاة. وتوزعت الإصابات بين 705 في البحيرة، و294 في المنيا، و176 في أسيوط، و211 في الإسماعيلية، و135 في الوادي الجديد، و97 في المنوفية، و70 في الشرقية.
صنفت "اندبندنت عربية" كل حادثة بحسب مكان وقوعها لا بحسب المحافظة التي ينتمي إليها ضحاياها، لذا جرى إدراج حادثة الدواويس ضمن حوادث الإسماعيلية، على رغم أن ضحاياها الـ18 كانوا جميعاً من أبناء الشرقية، بينهم خمسة أطفال.
وأظهر تحليل بيانات الحوادث المرصودة أن غالبيتها وقعت في أثناء نقل العمال بمركبات غير مخصصة للركاب، إذ ارتبطت 98 حادثة من أصل 124 بسيارات النقل ونصف النقل وربع النقل والتروسيكلات، بينما لم تحدد التغطيات المنشورة نوع المركبة في بقية الـ26 حادثة. ورصدت التغطيات المنشورة أطفالاً بين ضحايا عدد كبير من هذه الحوادث، لكن عدم انتظام ذكر أعمار الضحايا في المصادر الرسمية والتغطيات حال دون تحديد عدد الأطفال إجمالاً في كامل الوقائع المرصودة.
ما وثقناه من استخدام واسع لمركبات النقل، بمختلف أنواعها، في نقل العمالة الزراعية، يؤكده المتخصص المروري اللواء أحمد هاشم، الذي يوضح أن هذه المركبات مرخصة لنقل البضائع، فيما تقتصر الكابينة على قائد السيارة وعدد محدود من الأشخاص، فربع النقل مخصص لقائد المركبة وشخص آخر، وإذا كانت نصف نقل ذات كابينة مزدوجة، فتكون مخصصة لقائد السيارة وثلاثة أشخاص. ويقول إن استخدام المركبات غير المخصصة لنقل الأشخاص أصبح ظاهرة منتشرة في القرى والنجوع، موضحاً أن حمولة ربع النقل تبلغ طناً ونصف الطن، ونصف النقل بين طنين ونصف الطن وثلاثة أطنان، مضيفاً "النقل لا يحمل ركاباً، بل بضائع".
وعندما سألناه عن السيارات التي تضبط وهي تحمل أعداداً كبيرة من الأطفال داخل الصناديق المخصصة للبضائع، قال إن رخصة القيادة والسيارة تسحبان، ويحرر محضر بالواقعة، وتحجز السيارة إدارياً لمدة لا تقل عن أسبوع ولا تزيد على 15 يوماً، ثم تعرض على إدارة المرور، وتفرض غرامة تراوح ما بين 1000 و3 آلاف جنيه، وتتضاعف في حال تكرار المخالفة، أما إذا وقعت حادثة فيدخل الأمر في مسار آخر ويصل إلى محكمة الجنايات.
يقول مسؤول بمديرية التضامن الاجتماعي بالشرقية، تحدث إلينا مشترطاً عدم ذكر اسمه "رصدت خلال بحث أجريته، أطفالاً في الـ5 والـ6 والـ9 والـ11 من العمر يتجهون إلى منطقة (الجبل) بالصالحية الجديدة للعمل"، مؤكداً أن المديرية لا تملك حصراً لحوادث نقل عمال الزراعة، إنما تتعامل مع كل حالة على حدة عند ورودها إليها.
وتواصلت "اندبندنت عربية" مع متحدث وزارة العمل المصرية، عبدالوهاب خضر، للحصول على بيانات عن تشغيل الأطفال في القطاع الزراعي وحالات ضبطهم والمخالفات والإحالات إلى جهات التحقيق خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وآليات تطبيق حظر تشغيل من هم دون 15 سنة، وطلب إرسال الأسئلة عبر تطبيق "واتساب"، موضحاً أنه سيحيلها إلى الشؤون القانونية، لكن الوزارة لم ترد حتى موعد النشر.
وتواصلنا مع مدير خط نجدة الطفل صبري عثمان في شأن بلاغات عمالة الأطفال التي تلقاها الخط خلال العام الحالي والإجراءات المتخذة حيالها، ولم تصل ردود من أي من هذه الجهات حتى موعد النشر.
أين قانون العمل في مصر؟
يقول نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، مجدي البدوي، إن اتساع المزارع وتوزعها على مساحات شاسعة يصعبان الرقابة عليها، مضيفاً أن "هناك أشياء كثيرة ليست لها بيانات"، وأن إحكام الرقابة يتطلب جهازاً حكومياً أكبر، إلى جانب تفعيل دور النقابات ومنظمات المجتمع المدني.
ولم تكن قرى الإسماعيلية بمنأى عن حوادث العمالة الزراعية، في قرية "زراعة 9" التابعة إدارياً للمحافظة، كانت فريال محمد تحاول استيعاب فقدان ابنتها الصغرى، البالغة 11 سنة، التي لقيت حتفها في الطريق إلى العمل بمزارع "الجبل" في الصالحية الجديدة. كانت في السيارة مع شقيقيها، من دون مرافق بالغ، ولقيت مصرعها في موقع الحادثة، فيما أصيب شقيقها، البالغ 13 سنة، بنزف في الرئتين، وتعرضت شقيقتها الكبرى، 16 سنة، لخلع في الكتف.
لم تكن قد أمضت في الحقول أكثر من عام، وخلال تلك الفترة تنقلت مع أطفال آخرين من القرية في رحلات يومية إلى الصالحية الجديدة والقنطرة والعاشر من رمضان، ينظمها مقاولو الأنفار. وكان أطفال فريال الثلاثة قد تركوا الدراسة، واتجهوا إلى العمل في الحقول، يقول شقيقها الشافعي محمد، 24 سنة "لم نعد قادرين على توفير مستلزمات المدرسة والزي، فخرج الأطفال إلى العمل، الطفل يحصل على 100 جنيه في اليوم، وهذا ما يساعدنا على تدبير حاجاتنا".
وفي حين يحظر قانون العمل في مصر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم 15 سنة أو إتمامهم مرحلة التعليم الأساسي، تدفع الظروف الاقتصادية بعض الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل في الزراعة، ويشير بحث يعنوان "عمل الأطفال في الأنشطة الزراعية والالتحاق بالمدرسة: أدلة من مصر"، أعده عمرو عبدالواحد وهشام مخلوف وسعيد خاطر وبثينة الديب، وقدم في المؤتمر الأفريقي السابع للسكان عام 2015، إلى ارتفاع احتمال عمل الأطفال بدوام كامل أو الجمع بين الدراسة والعمل لدى الأسر الواقعة في الشرائح الأدنى من مؤشر الثروة، واستند البحث إلى بيانات عن أطفال تراوحت أعمارهم ما بين 6 و17 سنة في الريف المصري.
حين سألناه كيف يسمحون للأطفال بالعمل في هذه الظروف، أجاب بانفعال "من يلومنا على تشغيل أطفالنا، فليوفر لهم مصدر دخل، نحن أمام خيارين: إما أن يبقوا إلى جوارنا فيموتون جوعاً، وإما أن يخرجوا للعمل فيموتون على الطريق، فمن أين نأتي بالمال؟".
ويعيش الشافعي مع شقيقته وأبنائها في منزل والدهما الذي تجاوز الـ60، ويقول إن دخله من العمل باليومية لا يتجاوز 200 جنيه (4 دولارات)، فيما لا تحصل الأسرة على معاش حكومي، ويضيف "نشتري مياه الشرب لعدم وصول الشبكة إلى المنزل، ونسدد الكهرباء بنظام الممارسة"، وهو نظام تحتسب فيه قيمة الاستهلاك تقديرياً من دون عداد رسمي.
وقبل أن ينهي حديثه، يعود الشافعي إلى المقاول الذي لا يجدون بديلاً عنه "حتى لو وقعت كارثة بسبب مقاول الأنفار، نضطر إلى التواصل معه مجدداً، لا يوجد سبيل آخر أمامنا، ولو كان هناك عمل مستقر أو أجر كافٍ للبالغين في المنطقة، لما لجأنا إلى المقاول، وسلمناه أطفالنا".
ليس عملاً إنما اتجار بالبشر
وتضع المتخصصة الإقليمية لمكافحة الاتجار بالبشر في الأمم المتحدة، نهال فهمي، هذه الوقائع في سياق أوسع، قائلة إن ما رصدته "اندبندنت عربية" يدخل في نطاق الاتجار بالبشر حتى مع موافقة الأهل، لأن الطفل لا يملك الأهلية القانونية لاتخاذ قرار يعرض حياته لخطر يفوق قدرته على حماية نفسه، ولا تنفي موافقة الوالدين وقوع الاستغلال إذا عرضاه لمثل هذه الأخطار.
ويجرم قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 التعامل في الشخص بقصد استغلاله، ومن صور التعامل التي ينص عليها الاستخدام والنقل والتسليم والإيواء والاستقبال، ومن صور الاستغلال السخرة والخدمة قسراً. ولا يشترط القانون لتحقق الاتجار بالطفل إثبات وسائل الاتجار المنصوص عليها بالنسبة إلى غير الأطفال، كذلك لا يعتد برضائه أو برضاء المسؤول عنه أو متوليه.
ترى فهمي أن الفقر والحاجة اللذين يدفعان الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل لا يغيران المسؤولية، التي تعدها أشد على المقاول باعتباره الطرف المستفيد من تشغيل الطفل. وحين سألناها عن اختيار الأطفال مهام معينة بسبب أوزانهم الخفيفة، قالت "هذا يظهر أن مقاول الأنفار مدرك لما يفعله".
على الجانب الآخر، يقول سالم "العمل لن يتوقف، لدينا اتفاقات بملايين الجنيهات، وللعمال مستحقات مالية، وأيضاً التزامات تجاه المستثمر، وتعطيل يوم واحد يعني خسارة كبيرة".
ولا يقر سالم بوصف تشغيل الأطفال بأنه "بيع للأطفال"، ويقول إنهم يعملون أربع ساعات ثم يعودون إلى منازلهم، وإن بعضهم يذهب إلى الحقول بعد انتهاء اليوم الدراسي، معتبراً أن ذهابهم إلى المزارع أفضل من بقائهم في الشوارع والتسبب في مشكلات.
لكن رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل بنقابة المحامين المصرية، أحمد مصيلحي، يصف ما يحدث بأنه "اتجار بالأطفال"، يقول "نحن أمام عصابة تستقدم الأطفال وتتواصل في ما بينها، ويكون المقاول شريكاً أساساً فيها من خلال نقل الأطفال من مكان إلى آخر وتشغيلهم، حتى مع وجود موافقة من الأهل"، ولا تسقط مسؤولية الأسرة، في تقديره، لمجرد موافقتها على إرسال الطفل إلى العمل، فإذا عرضته لعمل خطر أو أرسلته بالمخالفة للسن المسموح بها، فقد تنشأ مسؤولية قانونية.
وبموجب قانون الطفل، تعد حالات تعرض الصحة أو الحياة للتهديد أو التعرض للاستغلال من حالات الخطر التي تستوجب الحماية، وينص القانون على إنشاء لجان عامة لحماية الطفولة في المحافظات وأخرى فرعية في المراكز والأقسام، تتولى التدخل في مثل هذه الحالات. وفي تفسيرها لدوافع الأسر إلى دفع أطفالها للعمل، ترى أستاذة الاجتماع هالة منصور أن تشغيل الأطفال بهذه الصورة "يمثل أحد مخارج الفقر، إذ تلجأ إليه أسر لا تجد وسيلة أخرى لتوفير الحد الأدنى من حاجاتها، في ظل غياب فرص العمل للأبوين أو صعوبة دخولهما سوق العمل".
وتحمل منصور الظروف الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية والمجتمع المدني جانباً من المسؤولية، معتبرة أن التعامل مع الفقر لا يزال يركز على الإعانة بـ"توزيع الكراتين والبطانيات"، بدلاً من تنمية قدرة الأسر على توفير دخل مستقر، محذرة من أن حظر تشغيل الأطفال من دون توفير بدائل للأسر قد يدفعهم إلى العمل خارج الإطار القانوني، إذ تقل الحماية ويصعب الوصول إلى من يشغلونهم ومحاسبتهم.
وأخيراً، لم يمنع مقتل ياسمين عام 2021، ولا مصرع ابنة فريال بعد خمسة أعوام، استمرار رحلات العمالة بالطريقة نفسها، فالأهالي يحتاجون إلى اليومية، والمقاول يضمن عمولته، والمزارع تحتاج إلى عمالة رخيصة تستجيب للعمل، فيما لا تصل الرقابة إلى هذه الرحلات، ولا تتوافر بيانات رسمية ترصدها، ويخرج الأطفال كل صباح إلى الحقول داخل صناديق السيارات، في دورة لا يوقفها إلا الموت.
وبينما كنت أغادر بحر البقر، استعدت مشهد الأطفال في مضيفة سالم، وهم يخدمون مقاول الأنفار وضيوفه بلا أجر، مقابل أولوية الحصول على مقعد في سيارة "ربع نقل" ويومية قدرها 100 جنيه. واستعدت ما أخبرتني به أسر الضحايا عن اعتمادها على أجور أطفالها لتدبير المعيشة، حتى لو كان ذلك على حساب مقاعدهم الدراسية، كما ظلت عالقة في ذهني نظرة الثقة التي رمقني بها سالم في مضيفته، وهو يقول: "الأطفال هم من يأتون إلى هنا، وأنا لا أجبر أحداً، بل أختار العدد الذي يناسبني".