Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثيوبيا بين حسم الشمال وفخ الإقليم

الخطر الأكبر هو أن تتحول هذه الحرب الداخلية إلى ساحة تتقاطع فيها خلافات النيل والبحر الأحمر والحرب السودانية ولا بد من مسار أفريقي للتهدئة قبل أن يضيق الوقت

عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية يقومون بدورية على متن شاحنة صغيرة (أ ف ب)

ملخص

ما شهدته الأسابيع الأخيرة لا يدل على انهيار الدولة الإثيوبية كما تخيل بعضهم، ولا على انتصارها الحاسم كما تروج بعض الروايات الرسمية. هو مرحلة انتقالية، جيش استعاد مدناً ولم يُنهِ تمرداً، وتحالف معارض هُزم في العواصم ولا يزال حاضراً في التضاريس. أما الخطر الأكبر، فهو أن تتحول هذه الحرب الداخلية إلى ساحة تتقاطع فيها خلافات النيل والبحر الأحمر والحرب السودانية، ولذلك فإن مصلحة العواصم العربية تقتضي أن تبقى قنوات الاتصال مفتوحة مع أديس أبابا وأسمرة معاً، وأن يُدعم مسار أفريقي للتهدئة قبل أن يضيق الوقت.

قبل أسابيع قليلة، بدا الجيش الإثيوبي موزعاً بين جبهات استنزاف في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وكانت القراءات السائدة تتحدث عن دولة مركزية تفقد قدرتها على إدارة أطرافها، غير أن ما جرى منذ الـ23 من سبتمبر (أيلول) الماضي قلب جزءاً كبيراً من هذه الصورة، فاستعادت القوات الحكومية وحلفاؤها عاصمة الإقليم ميكيلي ومدناً رئيسة في الشمال، لكن المعارك لم تنتهِ، وانتقل الخطر من الداخل الإثيوبي إلى الإقليم المحيط به، وفي مقدمته السودان ومصر وإريتريا والبحر الأحمر. وتحاول هذه القراءة أن تتتبع هذا التحول وما يعنيه.

في الـ20 من سبتمبر الماضي أعلن تشكيل ما سُمي "تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء"، ويضم بحسب التقارير "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" و"حركة فانو" الأمهرية و"جيش تحرير أورومو" وفصائل من الأفار والصومال وبني شنقول، ونفى بعض هذه الأطراف عضويته. وبعد ثلاثة أيام شنّ التحالف، وفي مقدمته قوات تيغراي، هجوماً واسعاً سيطر فيه على مطارات أكسوم وشير وميكيلي، في محاولة لقطع الإمداد الجوي عن الجيش الفيدرالي، وفتح جبهات على حدود الأفار وأمهرة.

لم يدُم هذا التقدم طويلاً، فردّ الجيش الإثيوبي بهجوم مضاد في اتجاه ميكيلي عبر الطريق الرئيس من الجنوب، وأحبط محاولة الوصول إلى الطريق المؤدي إلى جيبوتي الذي يمر عبره الجزء الأكبر من تجارة البلاد. وبين الثالث والرابع من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، استعاد مطار ميكيلي وانسحبت قوات التحالف من المدينة، وتلتها القوات الحليفة للحكومة ومن بينها "قوة سلام تيغراي"، وهي مقاتلون من أبناء الإقليم يقفون ضد قيادة الجبهة. ثم توالى سقوط عديغرات وعدوة وأكسوم وزالامبيسا خلال الأسبوعين التاليين.

يغري هذا التسلسل بالقول إن الحكومة حسمت الأمر، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى خلاف ذلك، إذ أعلنت قوات تيغراي في منتصف أكتوبر الجاري استعادة أبي عدي وبلدات أخرى في وسط الإقليم بعد انسحاب وحدات فيدرالية، وأفاد مرصد Critical Threats في الـ20 من أكتوبر الجاري بأن هذه القوات تواصل ضرب خطوط الإمداد، وأن "جيش تحرير أورومو" شنّ أولى هجماته المهمة منذ انضمامه إلى التحالف. وفي الـ23 من أكتوبر الجاري تعهد قائد قوات تيغراي بعكس النكسات، في وقت دعا مسؤول إقليمي موالٍ للحكومة المقاتلين إلى إلقاء السلاح.

وتبدو المعضلة مألوفة في حروب العصابات، جيش نظامي قادر على احتلال المدن والطرق، لكنه يواجه خصماً يتراجع إلى الجبال ويعيد ضرب خطوط الإمداد. ومن جهة أخرى، فإن التحالف نفسه قد لا يكون متماسكاً، إذ شككت "مجموعة الأزمات الدولية" في قدرة أطرافه على التنسيق الطويل، وهي أطراف خاض بعضها حروباً ضد بعض في السابق. وعلى الجبهة الأمهرية تتواصل اشتباكات "فانو" مع الجيش في شمال شوا، وتتبادل الأطراف السيطرة على بلدات قريبة من العاصمة.

على المستوى السياسي، أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد في الـ16 من أكتوبر الجاري إدارة انتقالية في تيغراي لمدة ستة أشهر، تَعِد بإعادة الخدمات وعودة النازحين والتمهيد لانتخابات، بينما ترفضها الجبهة بوصفها غير شرعية. وهنا يكمن اختبار حقيقي، هل تقنع الإدارة الجديدة سكاناً عاشوا أعوام الحرب والجوع وقصفاً جوياً بأنه عشوائي؟

والتطور الأخطر هو تدويل الصراع، ففي الأول من أكتوبر الجاري وقعت هجمات بطائرات مسيّرة قرب أديس أبابا استهدفت منشآت جوية عسكرية، ثم أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة، وطردت 10 دبلوماسيين إريتريين، فقطعت إريتريا علاقاتها بدورها، ووصفت التصعيد الإثيوبي بأنه إعلان حرب. وبعد ذلك رصدت منظمة ACLED  وشهود نقلت عنهم وكالات أنباء دخول قوات إريترية إلى تيغراي في السابع من أكتوبر الجاري، وردّ الجيش الإثيوبي بضربات بالمسيّرات. وتنفي أسمرة دعمها للتحالف.

ويزيد المشهد حساسية أن آبي أحمد، بعد أدائه يمين ولاية جديدة في الخامس من أكتوبر الجاري، أكد عزمه العمل على منفذ بحري لبلاده. وفي القراءة الإريترية، يلتقي هذا الخطاب مع المخاوف من استهداف ميناء عصب، وهي مخاوف عبّرت عنها أسمرة صراحة. ولا تزال تقارير الاستيلاء على مواقع داخل الأراضي الإريترية متضاربة ولا يمكن الجزم بها.

وفي الرابع من أكتوبر الجاري استضافت مصر قمة رباعية ضمت السودان وإريتريا والصومال، وصدر عنها "إعلان العلمين" الذي يؤكد أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، ويرفض الإجراءات الأحادية التي تضر بحقوق دولتي المصب في النيل، ويدعم وحدة السودان ومؤسساته ويرفض "الكيانات الموازية". ولم يذكر الإعلان إثيوبيا بالاسم، لكن السياق لا يترك مجالاً للشك في المقصود. ونقلت "رويترز" عن مسؤولين مصريين لم تسمِّهم أن الأطراف اتفقت على تنسيق عسكري واستخباراتي إذا امتد القتال إلى حدود إثيوبيا مع إريتريا أو السودان أو الصومال، مما لم تؤكده بيانات رسمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا السودان ومصر بدعم الجماعات المسلحة، مشيراً إلى أن إريتريا تقوم بدور الوسيط. ونفى الجيش السوداني ذلك، وردّ باتهام إثيوبيا بتوفير تدريب ودعم لوجستي وانطلاق طائرات مسيّرة لقوات "الدعم السريع" من أراضيها، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا. وتستند الخرطوم إلى تحقيق لـ"رويترز" نشر في فبراير (شباط) الماضي عن معسكر تدريب في إثيوبيا، وتتصل الاتهامات أيضاً بجبهة النيل الأزرق التي شهدت هذا العام هجمات لـ"الدعم السريع" وحلفائه قبل أن يعلن الجيش السوداني استعادة المناطق التي فقدها.

وبذلك، يتحول الخلاف الحدودي الذي عرفته الأعوام الماضية إلى جزء من منظومة أوسع تشمل الحرب السودانية وصراع النيل والتنافس على موانئ القرن الأفريقي. كما أن تقارير عن نية إثيوبيا سحب نحو 3 آلاف جندي من الصومال لمواجهة التمرد في الداخل، نفت مقديشو علمها بها، تضيف عاملاً آخر هو مصير الترتيبات الأمنية الصومالية قبل انتهاء ولاية بعثة الاتحاد الأفريقي في نهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وأمام هذا المشهد الإثيوبي بتعقيداته يبقى أن نشير إلى أننا بصدد ثلاثة مسارات محتملة، أولاً، استقرار فيدرالي هش مع تمرد منخفض الحدة، وهو الأرجح في المدى القريب. فتحتفظ الحكومة بالمدن والطرق الكبرى في تيغراي وتواصل إدارتها الانتقالية، بينما تستمر عمليات الكر والفر في الجبال وفي أمهرة وأوروميا. وثمنه الاقتصادي والإنساني مرتفع، وهو مرشح للتحول إلى حرب استنزاف طويلة.

ثانياً، تمدد المواجهة نحو إريتريا، إذ يحدث إذا قرأت أديس أبابا الوجود الإريتري ذريعة لتحرك نحو عصب، أو قررت أسمرة التصعيد دفاعاً عن حدودها. وهذا أخطر السيناريوهات على أمن البحر الأحمر، وتتباين التقديرات في احتماله، فبعضها يُعده ممكناً لكنه ليس الأرجح.

ثالثاً، تسوية برعاية أفريقية وخليجية، وتتطلب قبولاً إثيوبياً بمسار تفاوضي مع قيادة الجبهة، وصيغة تعالج الجرح الأعمق في مسألة غرب تيغراي وملف المنفذ البحري، ولو عبر ترتيبات تجارية مع جيبوتي أو بربرة أو عصب. وهي الأقل احتمالاً اليوم لكنها الأقل كلفة إن تحققت.

ما شهدته الأسابيع الأخيرة لا يدل على انهيار الدولة الإثيوبية كما تخيل بعضهم، ولا على انتصارها الحاسم كما تروج بعض الروايات الرسمية. هو مرحلة انتقالية، جيش استعاد مدناً ولم يُنهِ تمرداً، وتحالف معارض هُزم في العواصم ولا يزال حاضراً في التضاريس. أما الخطر الأكبر، فهو أن تتحول هذه الحرب الداخلية إلى ساحة تتقاطع فيها خلافات النيل والبحر الأحمر والحرب السودانية، ولذلك فإن مصلحة العواصم العربية تقتضي أن تبقى قنوات الاتصال مفتوحة مع أديس أبابا وأسمرة معاً، وأن يُدعم مسار أفريقي للتهدئة قبل أن يضيق الوقت.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل