الروائي العراقي زهير الجزائري يبتكر مدينة عبر المخيلة

"باب الفرج" تؤرخ للعراق بداية القرن العشرين

غلاف الرواية (دار المتوسط)

في مزاوجة بين الرؤية السردية، والحس الصحافي، والفهم الاجتماعي لتاريخ العراق، يبتكر الكاتب زهير الجزائري في روايته "باب الفرج" مدينته، مدينة النجف، بمحلاتها، وأزقتها، ومفرداتها، وطقوسها، وشخصياتها الثرية، لينجز ملحمة تاريخية يمكن اعتبارها أكبر من رواية، مستعيدا فيها مدينة محاطة بالصحارى، في لحظة مفصلية من التاريخ، هي بداية القرن العشرين.

تدور الأحداث في الفترة المحصورة بين نهايات الدولة العثمانية وبواكير الإحتلال الانكليزي للعراق في الحرب العالمية الأولى. وقد غطت مروحة الأحداث قوساً واسعاً، زماناً ومكاناً، امتد من إمارة الشيخ خزعل في الأحواز حتى مكة المكرمة أثناء موسم الحج وبيع العبيد، مروراً بمعارك الحرب العالمية الأولى حين تقابل فيها الجيش الانكليزي مع الجيش العثماني وحلفائه من العشائر الجنوبية. بجمل قصيرة تنبني على إيقاعات سريعة، مقتصدة، وحوارات متوترة، يلاحق الروائي عائلة الشيخ مرتضى، بزوجاته الأربع وأبنائه وأخوته، حيث يتتبع تلك الشخصيات ومصائرها، ببراعة وصبر وكأنه كاميرا ذكية تدوّن ما يدور أمامها. وتتلاحق في السرد مزاوجة بين الأحلام، والوقائع، والحوارات، عبر خليط زمني يبلغ بعض الأحيان كما لو أنه يقفز على السنين ليجد الخيط بين الأجداد والأحفاد، وبين الأحداث المتناثرة في رقعة جغرافية شاسعة.

وما يلفت النظر عند قراءة "باب الفرج" ( منشورات المتوسط 20019) هو تنوع الشخصيات، إذ نقع على العامل البسيط، والفلاح، والإقطاعي، ورجل الدين، والأمير، وتاجر العبيد، ونقع على الأمي والمجنون والشاعر والخطيب، كل يكشف عن دواخله بلغته، وهواجسه، وأحلامه. وعلى صعيد الأمكنة تواجه القارئ أحداث تدور في مدينة النجف أو في مكة أو بغداد، وفي ساحات المعارك وعند ضريح الإمام علي، حسب ما تقتضيه جذوة الفن في رصد جذور الشخصيات، وتواريخهم، والمعاناة التي درجت عليهم. فترصد الرواية ذلك الصراع المستعر داخل العباءة الدينية المهيمنة على المدينة، وما يتمخض ويفور تحت السطح، خاصة بعد دخول الحداثة ممثلة بالفكر العلمي القادم مع الصحافة، والمجلات المصرية والبنانية، والكتب المترجمة وهي تخترق ستار الجهل والقناعات الدينية المهيمنة على فضاء المدينة منذ قرون.

قطار الحداثة

وتمثل دخول الحداثة بالقطار، والمشروطة، واهتزاز الحياة التقليدية تحت وقع التطور، وضرورات الحياة اليومية، واحتكاك العراق بالعالم سواء عبر الحروب، أو الاحتلالات، أو الأخبار الوافدة مع المجندين في السفربرلك العثماني. أي فجر التنوير وهو يشرق على هذه المدينة الصحراوية، والمعروف أن مدينة النجف  متعددة الأعراق، والمنابت، والمرجعيات الدينية، فنرى العوائل التقليدية سواء في التجارة أو الدين، كي نقرأ عن آل كاشف الغطاء، وآل شبر، وعائلة الجواهري، وعائلة الكليدار، والخليلي، والرفيعي، وبيت كمونة، وغيرهم ممن لعبوا أدواراً في حياة المدينة تجارياً، ودينياً، وفكرياً، وإذا بالقارئ يجد نفسه في متاهة حكايات، وأزمان، وأمكنة، أسفر استحضارها وتوظيفها في المتن الحكائي، عن قدرة الكاتب على صناعة رواية غير مألوفة في السردية العراقية، أي ابتكار مدينة من وهج الخيال.

وزهير الجزائري ولد ونضج شابا في النجف، وتشبع بفضائها الحضاري، والاجتماعي، والسياسي، حتى هاجر خارج العراق في نهايات عقد السبعينيات من القرن الماضي، ثم استقر ردحا من الزمن في عمان، وبيروت، ودمشق، وجبال كردستان العراق، فضلا عن احتكاكه مع الثقافة الأوربية، وهو الأمر الذي أعطى الرواية نكهة عراقية سافرة، لكن بتقنيات حديثة استفادت كثيرا من تطور فن الرواية المعاصر.

ومثلما كانت النجف محوراً للرواية فإن مرقد الإمام علي كان محوراً للمدينة، وسر هيمنتها المعنوية على شريحة كبيرة من المسلمين، وكل ذلك أحياه زهير الجزائري بنمط شائق من السرد عبر الحياة اليومية لأسر عديدة بنسائها، وشيوخها، وأطفالها، ومراهقيها، علمائها وشعرائها وهم يعقدون مساجلاتهم الشعرية في مجالس النجف، فيخرجهم الشعر أحياناً عن ورعهم وتزمتهم ولو مؤقتاً، كما حصل مع الشاعر سعيد الحبوبي، شاعر الخمرة الروحية، الذي استشهد في المواجهة مع الجيش الانكليزي عند تخوم البصرة. والخيال المجنح كان وسيلة الروائي في الغوص داخل البشر، في الماضي والحاضر، متخذا من علي، الصبي ابن الشيخ مرتضى الذي يمتلك موهبة الطيران  في سماء المدينة، ناقلاً أميناً للقصص والحوارات والوصف، فجسد لنا لغة العامة، ولغة النخبة التجارية والدينية، والهواجس والأسرار، في تلك الحقبة الاستثنائية من حياة مدينة النجف. هذه التقنية أعطت للراوي سلاسة الحركة في الزمان، والمكان، وفي مختلف الظروف، نراه مرة في الكوفة ومرة في مكة، في قلعة الشيخ خزعل أو داخل المرقد، يروي ما حدث لأهل المدينة حين تفشى فيها مرض الطاعون، وصار المرقد يكتظ بالجثث لأيام وأيام.

 ولم تغب مقبرة السلام، وهي أضخم مقبرة في العراق وتقع على تخوم مدينة النجف، عن أذهان الأحياء ممن تخطوا ويلاتهم وحروبهم وأمراضهم وحزازاتهم، مذكرة إياهم بحكمة المغادرة ذات يوم عن الأرض مهما كانت رخية وجميلة. ويهيئ زهير كل ذلك كي يستعيد مدينته بنبضها، وأصواتها، وأمثالها، ومخاوفها، ومسراتها، وليشارك القارئ متعة الاطلالة على التاريخ وشقاواته، ومعاكساته، سواء المأساوية منها أو المفرحة. لكن دون أن ينسى رصد تلك التحولات الكامنة، المقموعة، أو المعلنة، في نسيج مدينة ظلت مغلقة لقرون، إلا أنها بدأت تتفتح على أحداث العراق عن طريق حواضره البعيدة، كالكاظمية، وبغداد، والكوفة، والبصرة. وكأن ما يوحد ثنايا تلك اللوحة الروائية، ذات النفس الملحمي، هو نسغ المدينة التاريخي يتغلغل في المشاهد، والأحداث، وجرس اللغة، على امتداد الرواية. ذلك النسغ هو ما يشد أجزاءها ويدفع بالقارئ إلى متابعة القراءة وخوض مغامرة الطيران على أجنحة الراوي. الراوي الحاضر دوما خلف كل تفصيل، وحوار، ونقلة زمنية أو مكانية.

 نجح زهير الجزائري بروايته "باب الفرج"، وهو أحد أبواب المدينة، في أن يعرض مجتمعاً عارياً، مثل لوحة بانورامية مشعشعة الألوان والخطوط والأبعاد، مجتمعاً ثرياً رغم بؤسه الوجودي، فجاءت الرواية، بحق، خطوة شاسعة على سلم الرواية العراقية والعربية.

 

المزيد من ثقافة