ملخص
حرب تيغراي الثانية... ما بين خيار النظام الرئاسي المرتقب والتحالف المستحدث، إلى أين تقود التطورات؟
كان احتلال مطار مقلي (عاصمة إقليم تيغراي) من قبل "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري بداية إشعال حرب جديدة في الشمال الإثيوبي، تختلف هذه المرة في ظروفها وملابساتها، حيث تتصدر "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (العدو التقليدي لحكومة آبي أحمد) المشهد بحيثيات قديمة ومستحدثة هذه المرة ضمن تحالف يضم سبع حركات مسلحة من قوميات عدة... ما أبعاد ومرامي التطورات وإلى أين تقود؟
الأحداث الجديدة التي شهدتها إثيوبيا إثر التصعيد المفاجئ باحتلال المعارضة الإثيوبية عدداً من المناطق في عفر وأمهرا وتيغراي لم يقابلها حتى وقت متأخر بيان رسمي من الحكومة الإثيوبية، وكانت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" قد سيطرت في الـ23 من سبتمبر الجاري على مطار مقلي، كبداية حقيقية لحرب ثانية بين الجماعات القومية المتمردة وحكومة آبي أحمد.
الحرب الجديدة يشهدها الشمال الإثيوبي ذاته الذي انطلقت منه حرب تيغراي الأولى (2020 إلى 2022)، والدلالات المصاحبة للتطورات تؤكد موت وإنهاء اتفاقية بريتوريا التي أبرمت في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، والتي أنهت الحرب بين الحكومة وجبهة تيغراي، ودفنها تحت غبار المعارك الجديدة المشتعلة حالياً.
وكان مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا قيتاتشو ردا قد اتهم "جبهة تحرير تيغراي" بالقيام بهجوم على مواقع عدة في إقليم عفر وأمهرا ومناطق من إقليم تيغراي. ويأتي حديثه كأول رد فعل لمسؤول حكومي حول الأحداث.
وبحسب قيتاتشو ردا في تغريدة له على منصة "إكس" الأربعاء الماضي قال: "من المؤلم للغاية أن نعلم أنه على رغم جهود كثيرين بما في ذلك المجتمع الدولي لتجنب جولة أخرى من الحرب في تيغراي، فإن قيادة ’الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي‘ شنت هجوماً شاملاً على مواقع الحكومة في عفر وأمهرا".
وأضاف ردا أن "قوات جبهة تحرير تيغراي" قد سيطرت على مطارات اتحادية خاضعة للسيطرة الاتحادية في إقليم تيغراي، مما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية ذهاباً وإياباً. وأشار ردا الذي كان يشغل في السابق نائب رئيس "جبهة تحرير تيغراي" قبل أن ينشق عنها مؤسساً حزبه "سمريت"، إلى أن القيادة السياسية-العسكرية لـ"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" بلغت في التنصل من المسؤولية مستوى غير مسبوق.
أطراف إقليمية
وفي الشأن الإقليمي، قال رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، إن قوى خارجية تقدم بحسب تقديره، دعماً وتجهيزاً لتحالف جديد يضم جماعات مسلحة وسياسية، ورأى أن "ذلك يأتي في إطار محاولات للتأثير في استقرار إثيوبيا".
وأوضح جولا وفق مصادر محلية "أن التحالف الذي تشكل حديثاً يمثل صيغة جديدة لمشروع" قال إنه "يحظى بدعم خارجي"، مشيراً إلى أن "أطرافاً خارجية تقدم الدعم للجماعات المنضوية تحته"، وأضاف أن التحديات الأمنية التي تواجهها إثيوبيا حالياً ترتبط بحسب تصريحاته، باستراتيجية أوسع تتبعها أطراف وصفها بـ"الأعداء التاريخيين"، موضحاً أن هذه الأطراف، وفق تقديره، "لا تملك القدرة على شن هجوم عسكري مباشر على إثيوبيا".
ذات أبعاد جديدة
من جهتها، اتهمت حكومة إقليم عفر "جبهة تحرير تيغراي" بشن حرب واسعة النطاق ضد شعب عفر، وقال بيان لمكتب الاتصال الحكومي إن "مجموعة من ’جبهة تحرير شعب تيغراي‘ شنت حرباً على الأبرياء الذين ينعمون بسلام في مناطق (ريسو وأبعالا ومقلي وويسما) وغيرها من مناطق عفر منذ الليلة الماضية". وتعهدت حكومة الإقليم بأنها سترد على "جبهة تحرير شعب تيغراي"، التي وصفتها بأنها لم تتعلم من أخطائها السابقة، وقالت إنها "ستتلقى رداً قاسياً على الهجوم الذي تشنه ووكلاؤها الذين جرى تنظيمهم للتدمير والمجازر". وأضاف البيان "ولأن المهمة الأساس لحكومة إقليم عفر هي حماية أمن وسلامة شعبها، فإنها ستتخذ تدابير مضادة للدفاع عن النفس بالتعاون مع القوات الصديقة الأخرى".
ومن الواضح أن حرب تيغراي الثانية - نسبة للإقليم - ذات أبعاد هذه المرة تتجاوز الأسباب التي أشعلت الحرب الأولى، فالحرب الأولى في الرابع من نوفمبر 2020 جاءت إثر خلافات تنافسية بين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" التي كانت تسيطر على الحكم تحت نظام حزب "الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية" (EPRDF) قبل مجيء رئيس الوزراء آبي أحمد في أبريل 2018(نيسان) ، وفي مقدمها التغييرات التي أحدثها "حزب الازدهار" الذي تبناه رئيس الوزراء كبديل للحزب الحاكم خلال عهد الحكومة السابقة (EPRDF) ، إلى جانب خلافات دستورية في قضية الانتخابات، وما تبع ذلك من اتهامات ضد الجبهة بشنها اعتداء على القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي ليل الرابع من نوفمبر 2020، مما أدى إلى اندلاع حرب بدأت في الشهر ذاته.
ترتبط جذور الحرب الحالية بخلافات بدأت تتفاقم خلال مرحلة تنفيذ اتفاق بريتوريا، إذ اتهمت "جبهة تحرير تيغراي" الحكومة الإثيوبية بعدم الالتزام الكامل بتعهداتها. وتوزعت نقاط الخلاف بين قضايا سياسية وقومية، أبرزها عودة نازحي التيغراي إلى مناطقهم، واستعادة بعض الأراضي التي تسيطر عليها أطراف أخرى، فضلاً عن ملف تسليم الجبهة أسلحتها الثقيلة للحكومة.
ومع استمرار الخلافات والمناكفات بين الطرفين، تعمقت حال انعدام الثقة، مما مهّد لتصاعد التوتر والانتقال إلى أشكال مختلفة من المواجهة. وفي الوقت ذاته برزت فصائل قومية أخرى تشترك مع تيغراي في الشعور بالتهميش، وتتهم الحكومة المركزية بالمساس بحقوقها السياسية وصلاحيات أقاليمها، الأمر الذي أضاف مزيداً من التعقيد إلى المشهد الإثيوبي ووسّع دائرة التوتر.
ويُعد مؤتمر الحوار الوطني، الذي اعتمدت الحكومة الإثيوبية توصياته في أغسطس (آب) الماضي، محطة سياسية بارزة في تصاعد الخلاف بين جبهة تيغراي والقوى المعارضة الأخرى من جهة، وحكومة آبي أحمد من جهة أخرى، فقد أوصى المؤتمر بالانتقال من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي تنفيذي، فضلاً عن إلغاء المادة 39 من الدستور، التي تمنح القوميات حق تقرير المصير، بما في ذلك حق الانفصال.
وجاءت هذه التطورات في سياق من التوترات المتراكمة التي دفعت عدداً من فصائل المعارضة المسلحة إلى توحيد صفوفها وتشكيل تحالف "قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء"، الذي يضم سبعة تنظيمات مسلحة، بهدف مواجهة الحكومة والعمل على إسقاطها. ويضم تحالف "جبهة تحرير تيغراي الشعبية"، وحركة "فانو" الوطنية الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، و"الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين"، والجبهة الثورية الديمقراطية الوحدوية العفرية، وحركة تحرير شعب بني شنقول، والحركة الديمقراطية الشعبية القومزية.
ويأتي اندلاع الحرب في هذا التوقيت تزامناً مع تحركات الحكومة الإثيوبية لإجراء تعديلات دستورية والانتقال إلى نظام رئاسي جديد، تصبح بموجبه مدة الولاية الرئاسية ستة أعوام بدلاً من خمسة. وتثير هذه الخطوة مخاوف لدى القوميات التي تتمسك بالنظام الفيدرالي البرلماني، ولا سيما تيغراي وبني شنقول والصوماليين، خشية أن تؤدي التعديلات إلى تقليص صلاحيات الأقاليم ونفوذها السياسي.
ومن المنتظر أن تُطرح التعديلات الدستورية أمام البرلمان في نوفمبر المقبل، الأمر الذي يضيف عاملاً جديداً إلى حال التوتر القائمة. وتلتقي غالبية الفصائل المنضوية في "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" حول التمسك بالنظام الفيدرالي البرلماني، الذي منح القوميات المشاركة فيه صلاحيات سياسية وإدارية لإدارة أقاليمها، فضلاً عن حقوق دستورية وفيدرالية مكّنتها من حضور سياسي يقارب، في بعض جوانبه، ما تتمتع به قوميتا الأورومو والأمهرا، وتبقى حركة "فانو" الأمهرية استثناءً، إذ تنطلق مشاركتها في التحالف من حسابات وأهداف مختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما بين حربين
تختلف حرب 2026 في إثيوبيا عن حرب تيغراي التي اندلعت عام 2020، سواء من ناحية أسباب الصراع أو خريطة التحالفات أو نطاق المواجهة، فقد بدأت حرب 2020 على خلفية خلافات دستورية وسياسية في شأن تأجيل الانتخابات العامة، قبل أن تجري حكومة إقليم تيغراي انتخاباتها الخاصة خلافاً لقرار الحكومة الفيدرالية، ثم انفجر الصراع المسلح بعد هجوم قوات موالية لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي" على القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي. وفي تلك الحرب واجهت القوات الحكومية بقيادة آبي أحمد "جبهة تحرير شعب تيغراي"، بدعم من قوات إقليم أمهرا وجماعات "فانو" وإريتريا.
أما الحرب الحالية فقد تبدلت فيها خريطة الصراع بصورة جوهرية، إذ لم تعد "جبهة تحرير شعب تيغراي" تخوض المواجهة منفردة، بل أصبحت جزءاً من تحالف عسكري واسع يضم سبع جماعات مسلحة، من بينها "فانو" و"جيش تحرير أورومو"، ويهدف إلى مواجهة حكومة آبي أحمد والعمل على إسقاطها. وتمثل مشاركة فانو تحديداً تحولاً لافتاً في المشهد، بعدما قاتلت إلى جانب الحكومة ضد جبهة تيغراي خلال حرب 2020، قبل أن تصبح اليوم طرفاً في تحالف يواجه الحكومة المركزية.
كذلك تغير موقع إريتريا في معادلة الصراع، فبعدما شاركت إلى جانب حكومة آبي أحمد في حرب تيغراي، أصبحت، وفق المعطيات الواردة في هذا الطرح، في موقع داعم للقوى المعارضة للحكومة الإثيوبية. وعلى مستوى الجغرافيا العسكرية، كانت حرب 2020 متركزة أساساً في إقليم تيغراي، مع امتدادات إلى أجزاء من أمهرا وعفر، بينما تتسم حرب 2026 باتساع قاعدة القوى المشاركة فيها، مع دخول جماعات من تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفر وأوغادين وبني شنقول-قمز. ويعني ذلك أن المواجهة الحالية تحمل قابلية أكبر للامتداد إلى جبهات عدة، بما يتجاوز الإطار الجغرافي الذي اتسمت به الحرب الأولى.
خطوة انتحارية
الباحث المتخصص في الشؤون الإثيوبية وشؤون القرن الأفريقي عبدالصمد أحمد يرى أن "أبعاد المشهد وتطورات الحرب الحادثة تدلان على أن ’الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي‘ فقدت كثيراً من أوراقها وليس أمامها إلا المضي إلى الأمام، إما أنها تستعيد شرعيتها وتكون هي صاحبة المبادرة وصاحبة السطوة أو أن تكون هذه نهاية مرحلتها".
ويضيف أن جبهة تيغراي تجد نفسها أمام خيارات محدودة، خصوصاً على صعيد الوضع الداخلي في الإقليم، بعدما استنزفت الحرب، إلى جانب أعوام الصراع التي سبقتها وفترة توليها الحكم، جانباً كبيراً من مصادر قوتها ونفوذها وقدرتها على فرض الهيمنة، كذلك تواجه الجبهة ضغوطاً داخلية متصاعدة، في ظل الخلافات والانقسامات التي شهدتها صفوفها، وانتقادات وجهتها شخصيات وقيادات تيغراوية بارزة إلى أداء قيادتها وطريقة إدارتها للمرحلة، الأمر الذي يضيف ضغوطاً سياسية وتنظيمية إلى التحديات التي تواجهها.
ويشير إلى أن النظام الإريتري يسعى أيضاً إلى تصفية حساباته مع الحكومة الإثيوبية عبر جبهة تيغراي، لافتاً إلى وجود أطراف إقليمية تقف خلف هذا الحراك. ويضيف أن رئيس الأركان الإثيوبي، المشير برهانو جولا، تحدث أخيراً عن الجهات التي قال إنها تدعم الجبهة، ملمحاً إلى دعم من مصر والسودان. ويرى أن الضغوط التي تمارسها الأطراف الداعمة، إلى جانب ما تواجهه الجبهة من تحديات داخلية، أسهمت في دفعها نحو خيار المواجهة، كون هامش الخيارات المتاح أمامها بات محدوداً. ويخلص إلى أن هذه العوامل تمثل، في تقديره، أبرز أبعاد التوتر التي دفعت الجبهة إلى اتخاذ هذه الخطوة، التي وصفها بأنها "خطوة انتحارية".
ويتابع أحمد أن التطورات الحالية قد تفضي، في أحد مساراتها، إلى خسارة جبهة تيغراي وانتهاء هذه الجولة من القتال، لتدخل إثيوبيا والإقليم بعدها مرحلة سياسية وأمنية مختلفة، لكنه يحذر من أن دخول إريتريا بصورة مباشرة إلى المواجهة قد يؤدي إلى اتساع نطاق الحرب وتجاوزها الحدود الإثيوبية، مع احتمال دخول الأطراف الخارجية الداعمة، وفي مقدمها السودان ومصر، بدرجة أكبر في الصراع، وإن كان يرى أن هذا السيناريو يظل احتمالاً ضعيفاً.
مرحلة جديدة من الصراع
الكاتب والباحث في شؤون القرن الأفريقي عمار العركي يقول "أعتقد أن ما يجري في شمال إثيوبيا يمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع، تختلف في ظروفها وملابساتها عن حرب تيغراي الأولى، فالحرب السابقة كانت مواجهة مباشرة بين الحكومة الفيدرالية و"جبهة تحرير تيغراي"، بينما تأتي التطورات الحالية في ظل تصاعد التوترات بين أقاليم ومكونات إثيوبية عدة، إلى جانب إعلان تحالف القوى الإثيوبية السبع الذي يضم قوى مسلحة ذات خلافات تاريخية ومشروعات سياسية متباينة. ومن هنا تأتي أهمية سيطرة "جبهة تحرير تيغراي" على مطار ميكلي وإعلان اقتراب بداية "الحرب الشاملة"، فالحدث جاء بعد أيام قليلة من إعلان التحالف، مما يفتح الباب أمام قراءته على أنه أول اختبار ميداني لقدرة هذه القوى على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الفعل العسكري، كذلك فإن اتساع التوترات إلى مناطق العفر وأمهرا يضيف أبعاداً جديدة للصراع، ويجعل السؤال المطروح يتجاوز مستقبل تيغراي إلى مستقبل الدولة الإثيوبية نفسها.
ويوضح "لكن التطورات الحالية لا تعني بالضرورة أن الحرب ستسير وفق مسار واحد، فهناك عوامل عسكرية وسياسية وإقليمية متداخلة، كذلك فإن الحكومة الإثيوبية لا تزال تمتلك أدوات للتعامل مع التصعيد. وفي المقابل، فإن تعدد الجبهات والقوى المسلحة يرفع من احتمالات اتساع الحرب، خصوصاً إذا تزامنت التحركات الميدانية مع عجز الأطراف عن التوصل إلى تفاهمات سياسية".
وعن التحالف وجدواه يشير "أما تحالف القوى السبع، فإن جدواه ترتبط بقدرته على تجاوز القاسم المشترك بين مكوناته، والمتمثل في معارضة حكومة آبي أحمد، إلى تفاهمات تتعلق بشكل الدولة وإدارة المرحلة الانتقالية وتوزيع السلطة والثروة، فهذه القوى لا تتحرك بالضرورة وفق رؤية واحدة لمستقبل إثيوبيا، وبعضها يحمل مطالب قومية وإقليمية متعارضة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول قدرة التحالف على الاستمرار متماسكاً إذا تغيرت المعادلة السياسية، وهنا يبرز سؤال المستقبل: هل ينجح التحالف في تحويل التباينات إلى تفاهمات سياسية، أم أن الخلافات المؤجلة قد تتحول إلى مصدر صراع بعد إسقاط الحكومة؟ فالتنافس على السلطة بين مكونات مختلفة، مع وجود أقاليم مسلحة ومطالب قومية متباينة، يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النزاع، خصوصاً إذا غابت ترتيبات واضحة للانتقال السياسي"، يتابع "ومن بين السيناريوهات المطروحة أن يؤدي اتساع المواجهات إلى حرب أهلية متعددة الأطراف، تتجاوز الصراع بين الحكومة و’جبهة تحرير تيغراي‘، وتدخل فيها قوى أخرى ذات أجندات مختلفة، وقد يقود هذا المسار إلى إضعاف سلطة المركز، وتوسيع نطاق الحكم الفعلي للأقاليم، وطرح مسألة إعادة تشكيل الدولة الإثيوبية، بما في ذلك احتمال التقسيم، ضمن مآلات الصراع المحتملة، لكن أيضاً تظل هناك احتمالات أخرى، منها احتواء التصعيد عبر تفاهمات سياسية أو ترتيبات أمنية، أو بروز تسوية تعيد توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، لكن تحقق أي من هذه المسارات يتوقف على تطورات الميدان، ومواقف القوى الإثيوبية، ومدى قوة الأطراف الإقليمية والدولية للتدخل في مسار الأزمة".
يختم الكاتب عمار "حرب تيغراي الثانية، إذا استمرت في التوسع، قد تتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب المشهد الإثيوبي على نحو يتجاوز حدود الإقليم، أما مستقبل تحالف القوى السبع فسيتوقف على قدرته على إدارة خلافاته الداخلية بقدر ما يتوقف على قدرته على مواجهة حكومة آبي أحمد. وفي حال تعذر ذلك، فإن احتمال انتقال إثيوبيا من صراع متعدد الجبهات إلى حرب أهلية أوسع، وربما إلى أزمة تمس وحدة الدولة، يظل قائماً ضمن السيناريوهات التي تفرضها التطورات الحالية".
فشل سياسات المركز
ويستبعد الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو اختزال التطورات الجارية في شمال إثيوبيا في كونها مجرد استئناف للحرب بين الحكومة الفيدرالية و"جبهة تحرير شعب تيغراي"، ورأى أن طبيعة التحركات العسكرية والسياسية تشير إلى مشهد أكثر تعقيداً. ويقول إن سيطرة قوات تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشِرِه، تزامناً مع امتداد المواجهات إلى مناطق في عفر وأمهرا، وظهور تحالف يضم تيغراي و"فانو" و"جيش تحرير أورومو" وقوى إقليمية أخرى، تمثل مؤشرات على تجاوز الأزمة إطار النزاع الإقليمي الذي شهدته إثيوبيا بين عامي 2020 و2022.
وكان الاتحاد الأفريقي قد أكد السيطرة على المطارات الثلاثة، ودعا إلى وقف التصعيد والعودة إلى مسار الحوار، في وقت تتبادل فيه الحكومة الفيدرالية وقيادة تيغراي الاتهامات في شأن الجهة التي بادرت بإشعال المواجهات.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما يجري في تيغراي وحدها، بقدر ما يتعلق بسبب عدم إمكان فصل أزمتها عن الأزمة الأوسع التي تواجه الدولة الإثيوبية، فالمواجهة الحالية تأتي في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة، وتراجع قدرة المؤسسات السياسية على احتواء الخلافات، وتصاعد التنافس بين الحكومة المركزية والأقاليم، تزامناً مع تنامي تأثير البيئة الإقليمية المحيطة بإثيوبيا في حسابات أطراف الصراع ومساراته، ويوضح "هنا لا يمكن تجاهل مسؤولية سياسات المركز في عهد آبي أحمد عن إنتاج جانب مهم من هذه البيئة، فالوصول إلى السلطة في عام 2018 فتح الباب أمام إعادة ترتيب واسعة للنظام السياسي الإثيوبي، وانتهى تدريجاً بتفكيك التوازن الذي كان قائماً داخل الائتلاف الحاكم السابق وإنشاء ’حزب الازدهار‘ كونه إطاراً سياسياً مركزياً جديداً، لكن إعادة بناء المركز لم تُنتج تسوية مستقرة مع الأقاليم، فقد انفجرت العلاقة مع تيغراي في حرب، ثم دخلت الحكومة في مواجهة مسلحة مع 'فانو' في أمهرا، واستمرت عمليات العنف في أوروميا، بينما بقيت العلاقة مع قوى إقليمية أخرى متوترة".
ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود مركز اتحادي قوي من ناحية المبدأ، وإنما في طبيعة ممارسة السلطة المركزية وحدودها، فعندما يُنظر إلى الحكومة المركزية على أنها الطرف الذي يعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية والأمنية من دون توافق واسع مع الأقاليم والقوى الرئيسة، فإن تعزيز سلطة الدولة قد يُفسَّر من جانب خصومها على أنه محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة، وفي المقابل، فإن لجوء الأقاليم والقوى المحلية إلى بناء قدراتها المسلحة الخاصة يضعف احتكار الدولة للقوة، ويزيد مخاوف المركز، بما يدفع البلاد إلى دائرة متبادلة من انعدام الثقة والتسلح، ويرى أن هذه العلاقة تمثل أحد جذور المعضلة الإثيوبية.
ويضيف أن الفيدرالية الإثنية التي اعتمدت تاريخياً لمعالجة مشكلات المركزية والهيمنة لم تنهِ التنافس حول من يملك الدولة وكيفية توزيع السلطة داخلها. ومع مرور الوقت أصبحت العلاقة بين المركز والأقاليم متشابكة مع قضايا الهوية والأرض والموارد والأمن، بحيث يمكن أن يتحول الخلاف السياسي سريعاً إلى مسألة وجودية بالنسبة إلى الأطراف المعنية.
ومن هذا المنظور، يرى الكاتب المتخصص بالشؤون الأفريقية أن حكومة آبي أحمد لم ترث أزمة الدولة فحسب، بل اتخذت أيضاً سياسات أسهمت في إعادة تشكيلها، فبدلاً من التوصل إلى توافق سياسي واسع في شأن قواعد جديدة تنظم العلاقة بين المركز والأقاليم، اتجهت السلطة نحو إعادة تركيز القرار السياسي والأمني، في وقت كانت فيه الثقة بين المكونات الإثيوبية تعاني أصلاً هشاشة كبيرة. وتشير دراسة صادرة عن مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية إلى أن نمط الحكم في عهد آبي اعتمد بدرجة كبيرة على تحالفات متغيرة وبراغماتية للقوة، وهو ما أسهم، بحسب الدراسة، في ابتعاد حلفاء سابقين وتصاعد الصراعات داخل بعض المكونات نفسها، كذلك ربطت الدراسة صعوبة إنجاز حوار وطني شامل باستمرار التمردات المسلحة في أمهرا وأوروميا وضعف شروط الثقة السياسية.
وتتضح هذه الإشكالية أيضاً في مسار الحوار الوطني الإثيوبي، فعلى المستوى الرسمي بذلت المفوضية الوطنية جهوداً واسعة لجمع الأجندات والمقترحات، فيما أكدت الحكومة أن المشاورات شملت معظم أنحاء البلاد، غير أن المفوضية أقرت بعدم تمكنها من إجراء مشاورات داخل إقليم تيغراي بسبب الظروف القائمة، واضطرت إلى جمع آراء ومقترحات من ممثلين عن الإقليم خارج تيغراي، والعام الحالي رفضت حركة "فانو" المشاركة في العملية، كذلك رفضت سلطات تيغراي التي أعيد تشكيلها المشاركة فيها، مما يعكس استمرار اتساع فجوة الثقة بين المركز وعدد من القوى والأقاليم الرئيسة.
ويقول قارو إن الإشكالية الأساسية تتمثل في مدى قدرة الحوار الوطني على معالجة جذور الحرب، في ظل غياب قوى رئيسة عن طاولة الحوار، على رغم انخراطها المباشر في القتال أو ارتباطها الوثيق بالقضايا التي تشكل جوهر الصراع.
ويوضح أن ذلك لا يعني منح كل جماعة مسلحة حق تعطيل المسار السياسي، ولا يفترض بالضرورة صحة جميع مطالب القوى التي ترفض المشاركة، لكنه يعني أن نجاح أي تسوية وطنية يرتبط بقدرتها على معالجة القوى والقضايا التي تقف فعلياً وراء الصراع، وليس بمجرد اتساع قائمة المشاركين في المؤتمرات والحوارات الرسمية.
يشير "والأخطر أن غياب تيغراي وفانو، في ظل استمرار النزاع المسلح، يجعل الحوار الوطني أقرب إلى مسار لإدارة الأزمة السياسية منه إلى تسوية شاملة للصراع، وقد سبق لتحليل صادر عن مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية أن حذر من أن شروط الحوار القادر على بناء الثقة لم تكن متوافرة، في ظل الحرب في أمهرا وأوروميا، وضعف استقلال المجال السياسي والإعلامي وهيمنة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة. وإذا كان الحوار لم يستطع جمع أهم أطراف الصراع، فإن العودة إلى السلاح تصبح مفهومة ضمن منطق أوسع: حين لا تستوعب المؤسسات السياسية الصراع، ينتقل الصراع إلى المؤسسات العسكرية".
يتابع المتخصص في الشؤون الأفريقية "من هنا يمكن فهم التحالف الجديد بين تيغراي و"فانو" والقوى الأورومية وغيرها كونه نتيجة، ولو جزئية، لفشل المركز في إنتاج صيغة سياسية تستوعب خصومه الرئيسين. والمفارقة أن التحالف يجمع قوى كانت على طرفي نقيض في الحرب السابقة، فـ"فانو" قاتلت إلى جانب الحكومة ضد تيغراي، ثم تحولت لاحقاً إلى أحد أبرز خصوم المركز، وهذا التحول يكشف عن أن التناقض الرئيس لم يعد فقط بين إثنية وأخرى، وإنما بين مراكز قوة عدة وعلاقتها بالمركز الفيدرالي، لكن هذا التحالف يواجه بدوره السؤال الذي واجهته الدولة الإثيوبية نفسها: هل يكفي الاتفاق على رفض المركز لبناء دولة بديلة؟ فالمصالح بين تيغراي و"فانو" والقوى الأورومية ليست متطابقة في قضايا الأرض والحدود والفيدرالية وتوزيع السلطة، لذلك فإن نجاحها في تنسيق الضغط على الحكومة لا يعني بالضرورة قدرتها على إنتاج مشروع سياسي مشترك، وقد أشارت تقارير حديثة بالفعل إلى استمرار خلافات داخل التحالف وإلى صعوبة تحويله إلى قوة سياسية وعسكرية موحدة.
وهنا يتضح أن أزمة إثيوبيا ليست فقط أزمة مركز قوي، وإنما أيضاً أزمة غياب اتفاق وطني على شكل الدولة التي ينبغي أن يحكمها ذلك المركز. وتزداد المسألة تعقيداً عندما ننتقل من الداخل إلى البيئة الإقليمية، فقد أصبحت سياسة حكومة آبي الخارجية مرتبطة بصورة متزايدة بمسألة الوصول إلى البحر الأحمر والممرات التجارية، في وقت أصبحت فيه إثيوبيا جزءاً من تنافس أوسع على الموانئ والممرات والنفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ومن ثم فإن موقع إثيوبيا جعلها طرفاً مهماً في تنافس القوى الإقليمية على الأمن والاقتصاد البحري.
يخلص قارو "سياسات أديس أبابا خلقت تقاطعات استراتيجية مع مشاريع إقليمية، بعضها اقتصادي وبعضها أمني، وهذه التقاطعات أصبحت جزءاً من حسابات خصوم الحكومة".