Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أجمل من نجلاء" تكشف أثر الاغتراب في حياة المهاجرين

شريف سعيد يستعيد تجربة جيل مصري عايش الغزو العراقي للكويت

الكويت بعد الغزو العراقي (رويترز)

ملخص

لم تكن الرواية المصرية بعيدة عن تجربة سفر المصريين إلى دول الخليج العربي، ولا عن التغيرات التي صاحبت تلك التجربة منذ سبعينيات القرن الماضي. فقد تناولها الراحل علاء الديب في رباعيته الشهيرة "زهرة الليمون"، و"أطفال بلا دموع"، و"قمر على المستنقع"، و"أيام وردية". وكتب عنها إبراهيم عبدالمجيد روايته "البلدة الأخرى" التي أسهمت في تكريس اسمه، وتناولها يوسف القعيد في روايتيه "الحرب في بر مصر" و"مرافقة البلبل في القفص"، وتطرق إليها جمال الغيطاني في "التجليات" و"رسالة البصائر والمصائر"، إلى أعمال أخرى يصعب حصرها.

تأتي رواية "أجمل من نجلاء" للروائي شريف سعيد، الصادرة عن دار الشروق القاهرية (2026)، لتضيف رؤية جديدة إلى الأعمال التي تناولت هجرة المصريين إلى الخليج. فهي تستعيد تجربة جيل عايش الغزو العراقي للكويت، وتكشف أثر الغربة في نفوس المغتربين وتكوينهم الوجداني.

صورة وذاكرة

تبدأ الرواية بمشهد يرويه السارد العليم: تستهل البطلة نجلاء يومها بمشاهدة قناة "فوكس نيوز" الأميركية من مطبخ شقتها الباريسية، قبل ذهابها إلى عملها في إذاعة مونت كارلو الدولية. لكنها تفاجأ بصورة لها وهي طفلة، تجري حافية بملابس المنزل، تظهر خلفيةً لحوار تجريه القناة مع جندي أميركي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991.

لم تكن نجلاء تعلم بوجود الصورة التي التقطها الجندي خلال خدمته مع قوات التحالف الدولي لتحرير الكويت، قبل 35 عاماً، حين كانت تعيش مع عائلتها في قرية نائية قرب الحدود السعودية-العراقية. تُكبّر نجلاء الصورة وتثبتها على الشاشة، مستجيبةً للشجون التي أثارتها.  تواجه نجلاء رواية الجندي الأميركي بالكتابة عما عاشته في تلك الفترة، من زاوية أكثر إنسانية. تستعيد كل شيء وهي تواجه ذاتها في مساحة يتداخل فيها الغموض واليقظة. وتقوم كتابتها على مفارقة، فما ترغب في تدوينه لا تهدف به إلى تثبيت الذكرى، بل إلى محوها والتخلص من عبئها. تقص نجلاء شيئاً من سيرتها على وقع الموسيقى ووطأة الألم، بلا مواربة أو خجل. وهنا يتغير السارد، لتصبح هي مصدر الحكاية، وتقودنا إلى ذاكرة مثقلة بالذكريات والندوب الروحية والجسدية، تبدو كصندوق أسود تصعب قراءة شفراته.

تقنيات غنية

عبر تقنيات كتابية تقترب من السيناريو الوثائقي، تتجلى قدرة الكاتب على رصد أدق تفاصيل الحياة اليومية، حتى تبدو الرواية أشبه بمتحف أنثروبولوجي يضم مفردات بصرية وعلامات صوتية دالة على الفترة التي تستعيدها. وتظهر براعة شريف سعيد في بناء روايته وإفساح المجال أمام أرشيفات وجدانية متنوعة تُطرّز نسيجها السردي، وتكشف وعيه بمفارقات المرحلة. ويحافظ النص على إيقاع متناغم، تسهم فيه لغته الصحافية، فيما تحمل أسماء الشخصيات الرئيسة دلالات واضحة.

ينتقل القارئ بين أزمنة متقاطعة وأماكن عدة: من شقة نجلاء الباريسية، حيث تعيش خذلان قصة حب انطفأت فجأة، إلى حارة حسين شاهين بحي الظاهر في القاهرة، حيث وُلدت.

تتدفق سيرة البطلة في النص الذي تكتبه على خلفية موسيقى يعزفها "هنري"، العجوز الواقف على الرصيف المقابل. يتقمص هنري شخصية الموسيقار الإيطالي إنيو موريكوني، ويبدأ بمحاكاة موسيقى فيلم "سينما باراديسو". ثم تتوالى المعزوفات، فتستثير بكاء نجلاء وشوقها إلى أدفأ أيامها، وتدفعها إلى تقليب ألبوم صور عائلتها بالأبيض والأسود. وتتكرر مع تقليب الصور معزوفات أخرى، غير أن مقطوعة "السلام عليك يا مريم" لفرانز شوبرت تترك الأثر الأعمق في النسيج السردي.

تحتفظ الأصوات والموسيقى بحضور مؤثر في الرواية؛ من هتافات التظاهرات وأصوات الدعاة وقراء القرآن الكريم، إلى مقطوعات الموسيقى التصويرية التي تحفز ذاكرة البطلة. أما صوت أم كلثوم، فيقترن في وعي نجلاء بصورة متكاملة عن الوطن.

مرحلة السادات

تعيد الرواية التذكير بالتغيرات التي شهدتها مصر خلال حكم الرئيس أنور السادات، وتدين تلك الحقبة في أكثر من موضع. تقول الأم "نعل السبعينيات فوق وجوهنا"، تعبيراً عن تغيرات اجتماعية واقتصادية أضعفت الطبقة الوسطى، في ظل صعود ثقافة الاستهلاك، وتبدل القيم، وتراجع دور الدولة في القطاعات الخدمية.

وُلدت نجلاء ثمرةً لقصة حب جمعت والديها، بهاء الوطن سندان وهناء. التقيا في التظاهرات الجامعية، إبّان تصاعد الاحتجاجات الطلابية التي طالبت السادات بخوض حرب أكتوبر 1973. ونمت علاقتهما في أجواء يسارية غاضبة من سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أُعلنت عام 1974، ثم تُوّجت بالزواج خلال احتجاجات الـ18 والـ19 من يناير 1977 على رفع الأسعار. واعتُقل الأب عقب ليلة زواجه مباشرة، قبل أن يُطلق سراحه ويعود إلى عمله موظفاً في الأرشيف. أقام مع زوجته في غرفة داخل بيت العائلة، ثم رُزقا بابنتهما التي اختار لها اسم نجلاء بعدما شاهد الفنانة نجلاء فتحي في فيلم "إسكندرية ليه؟" للمخرج يوسف شاهين، تؤدي دور يهودية مصرية اضطرت إلى مغادرة البلاد.

لكن الأجواء الاحتفالية التي عاشتها الأسرة الصغيرة تتبدد تحت وطأة الأزمة الاقتصادية. تقبل هناء فرصة إعارة للعمل في السعودية لتحسين أوضاع الأسرة، في الفترة التي عُرفت بـ"الصحوة". يقاوم الزوج اليساري الحالم في البداية إغراء السفر ومغادرة مصر، لكنه يقبل التجربة إيماناً بحق أسرته في حياة أفضل. وهناك يجد نفسه مجرد "بعل الست المسافرة"، بعدما فقد دوره بوصفه المُنفق على الأسرة، ومعه أدوات الهيمنة الذكورية التي يمنحها هذا الدور للرجل في مجتمع تقليدي.

عين بريئة

تقدم الرواية صورة مصغرة للمجتمع المصري في مرحلة تسميها "حقبة ما قبل الحجاب"، وتكشف آليات انتشار الفكر السلفي فيه من القاعدة الاجتماعية، مع تنامي حضور الدعاة الدينيين ووصولهم إلى شاشة التلفزيون. ولا تبدو هذه التحولات منفصلة عما كان يجري في السعودية، بل صدى له في بعض جوانبها. لذلك تقارن الرواية بين المجتمعين من خلال عين الطفلة الساردة، وهي عين بريئة متحررة من الأحكام السابقة، فتظهر الشخصيات الخليجية في صورتها الإنسانية، بعيداً من التنميط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد انتقال الأسرة إلى قرية سعودية نائية قرب الحدود العراقية، تنشأ صداقة بين بهاء الوطن وجاره السعودي "أبو عبدالله"، صاحب المنزل الذي تسكنه العائلة. يعرض أبو عبدالله على بهاء العمل معه في متجر يملكه، فيقبل بهاء أملاً في تجاوز البطالة. وتتعرض صداقتهما لاختبار حين يشعر بهاء بالإهانة من جاره بصفته صاحب العمل، لكنهما يستأنفانها لاحقاً وهما يشاهدان مباريات المنتخب المصري في كأس العالم 1990، في لحظة تتوهج فيها مشاعر التضامن العربي.

تفتح نجلاء خطاً سردياً آخر عن حياتها بعد عودة الأسرة إلى مصر ووفاة والدها. تتحدث عن زواج قصير من رجل يعاملها بقسوة ويطفئ سجائره على ظهرها، فيعمّق خوفها من جسدها. فقد تعرضت على امتداد حياتها لأكثر من واقعة تحرش، حتى غدا جسدها عبئاً يلازمها.

في وقت لاحق، تتعرف عبر "فيسبوك" إلى دبلوماسي لامع شاهدته على التلفزيون. يعجبها حديثه فتراسله، وتثير رسائلها فضوله، لتنمو بينهما علاقة سرية في أحد فنادق الزمالك. تحفظ اسمه على هاتفها باسم "كابتن ماجد". وحين ينتقل للعمل في باريس، يدعوها إلى التقدم لوظيفة متاحة في إذاعة مونت كارلو الدولية، كي يتمكنا من مواصلة علاقتهما. لكن قصة الحب تنتهي بعد عودته إلى القاهرة، فيما تقرر نجلاء البقاء في مدينتها الجديدة، مؤكدة لنفسها: "أن كل علاقة في الصندوق الإلكتروني للرسائل، لا بد أن تنتهي في المكان نفسه".

تنتهي الرواية برسالة غير مكتملة تصل إلى نجلاء من هاتف أمها فجراً، قبل انتهاء نوبة عملها في الإذاعة. تحتار في تفسيرها، إلى أن تظهر صور انهيار منزل العائلة على صفحات "فيسبوك" وشاشات التلفزيون. ولا يبقى لها من أمها سوى تلك الرسالة المبتورة، وصورة تُبث مع خبر العثور على زي مجندة أميركية وخوذة داخل خزانة ملابس إحدى العائلات التي كانت تسكن العقار المنهار.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة