المسرح الكويتي... عاصفة أخرى تستنكر الغزو العراقي

الكوميديا السياسية تحولت إلى منبر أساسي لشرح معاناة الاحتلال

تفاعل الفن الكويتي مع الغزو العراقي من خلال تجسيد المأساة في عدد من المسرحيات الكوميدية (التواصل الاجتماعي)

الفن "مرآة الشعوب"، وكاتبها المفضّل الذي يعكس الواقع بملامحه الأكثر وضوحا، يسهم الفن في إظهار المستوى المعرفي للشعوب، سواء في السياقات الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية، وذلك استنادا إلى الأحداث والمستجدات التي تتسيد الساحة بقضاياها الشائكة وآرائها الجدلية، يعالج الفن هذه القضايا بطريقته الخاصة، حيث لا يعتمد على التشخيص الدقيق والإمعان في تحليل الأحداث، وإنما يركز على سرد الوقائع بأساليب رمزية مغايرة، تستهدف إثارة المشاعر تجاه مجريات الحياة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

هوليود الخليج
الحروب تغذّي الذاكرة الفنية، والأخيرة تردُّ الجميل بتأريخها لهذه المعارك، هكذا دارت العجلة في الكويت بعد انقضاء حرب الخليج، وتحريرها من الغزو العراقي، وذلك بعد فترة ملتهبة اجتاحت فيها القوات العراقية أراضي دولة الكويت.
الكويت أو هوليود الخليج، تعدُّ واجهةً فنيةً يفاخر بها الخليجيون، فقد أنجبت العشرات من الفنانين الخالدين في الذاكرة الفنية الذين أنتجوا عددا من الأعمال الدرامية الراسخة في أذهان متذوقي الفن الأصيل.
تفاعلَ الفن الكويتي مع الغزو العراقي، وجسّد المأساة في عدد من المسرحيات الكوميدية التي تناولت حرب الخليج في إطار مكثف يستعرض الحالة الشعورية التي تملّكت المواطن الكويتي، الذي فوجئ في الثاني من أغسطس (آب) عام 1990 بقوات عراقية عسكرية تجتاح بلده، ليُصعق فيما بعد ببيانٍ عراقيٍّ يعلن بأنَّ الكويت محافظة من محافظات العراق.
هكذا انبثق مشهدٌ دراميٌ لا يُصدق... تخترق القوات العراقية حدود دولة الكويت، تتوغل الدبابات والمدرعات في اتجاه الأراضي الكويتية، ثم تقوم بفرض تحكمها على كافة المواقع الحيوية.
شكّلت حرب الخليج للفنانين الكويتيين مادةً خصبةً أسهمت في إنتاج مسرحيات خلدت في ذهن المواطن الكويتي، باعتبار أن الفن يعكس طبيعة المجتمع وتاريخه وذكرياته السعيدة والمحزنة في الوقت ذاته.
المسرح الكويتي ينبض مجددا
في السابع والعشرين من فبراير (شباط) عام 1991، تراجعت القوات العراقية في الكويت بعد معارك طاحنة أجبرتهم على الاستسلام، حُررت الكويت، ودبّت الحياة مجددا في شريانها، وتنفّس أهلها الصعداء. بقي المسرح متوقفا، إلى أن بادر الفنان عبد العزيز المسلم بإحياء مسرح الدسمه، فانبثقت مسرحية "فري كويت"، التي تعبّر عن استرداد سيادة الدولة وحريّتها، وتعدّ المسرحية الأولى بعد التحرير التي أعادت نبض الحياة الفنية في الكويت، وجددت الالتزام برسالة الفن الخالدة. 
قدّم الفنان الكويتي عبد العزيز المسلم عددا من المسرحيات للكويت؛ "فري كويت" و"عاصفة الصحراء"، و"عبيد بالتجنيد"، وهي التي بعدها ألغي التجنيد الإلزامي بدولة الكويت، وكذلك أوبريت "صوت السلام"، الذي أدّاه الفنانون محمد عبده وأحلام وذكرى ووديع الصافي وأصالة وآخرون، ووثق إذاعيا حياة الأسرى الكويتيين من خلال "مذكرات أسير".
يقول المسلم "كنت في الكويت أثناء الغزو العراقي الغاشم إبّان الثاني من أغسطس 1990م، وظللت مع أسرتي وسط الصامدين داخل الكويت حتى منَّ الله علينا بنعمة التحرير، ثم خطرت ببالي فكرة تقديم مسرحية تكون بمثابة الشكر والعرفان لكل من شارك في تحرير الكويت، وأفرح أهلها، معتقدا أنه إذ عاد المسرح سوف تدبّ الحياة مجددا بالكويت كونه منبرا ثقافيا فنيا ترفيهيا مؤثرا".
حينما ذهب الفنان الكويتي عبد العزيز المسلم في الأسبوع الأول بعد التحرير لمعاينة مسرح الدسمه، فوجئ بتلف المسرح، وكثرة الأضرار التي تعرّض لها بعد الغزو؛ فالمقاعد مُزّقت بشكل متعمد، وسُرقت مصابيح النور، وجميع معدات المسرح.
يروي المسلم لـ"إندبندنت عربية" قصة إعادة الحياة المسرحية بالكويت، قائلا "توجّهت إلى وزير الإعلام آنذاك الدكتور بدر اليعقوب، وطلبت منه إتاحة مسرح الدسمة؛ لأقوم بمبادرة إعماره وإعادة تشغيله، وعرض مسرحية وطنية بعنوان (الكويت حرة)؛ فتعجب قائلا: من الصعب تصفية المباني الحكومية من الألغام ومخلفات الحرب بينما المسرح تالف بشكل كلي؛ قلت له: امنحني فرصة؛ فوافق وزوّدني بكتاب رسمي بخط يده يفيد بعدم التعرّض"، مشيرا إلى أن أحكام السلطة آنذاك كانت أحكاما عرفية، ولم تبدأ الدولة بتشغيل نظامها لعدم وجود البنية التحتية لأهم مرافقها المؤثرة.
ويضيف "ذهبتُ إلى المسرح وتطوع معي عدد من أهالي الكويت رجالا ونساءً، ومنهم الفنان المرحوم حمد ناصر، وفرقة البدور الكويتية، والشيخ دعيج الخليفة الصباح، ثم بدأنا باستعارة ماكينة كهرباء لتشغيل النور في المكان، وتقييم الأضرار، وصبغ المسرح، بالإضافة إلى إصلاح كافة المرافق وصيانتها إلى أن تم إعمار المسرح، وإعادة تشغيله، وكنت أتحمل مصاريف الاستيراد، إلا أن العمالة الوطنية تكفلت بذلك تطوعا لأجل الكويت".
ويستطرد المسلم "بدأنا بتأليف المسرحية بشكل جماعي بقيادتي، وشارك الشيخ أحمد الفهد وشاعر الكويت الشاهين وغيرهم في تأليف أشعار المسرحية، وكانت الغاية أن نبعث برسالة شكر للعالم بشكل عام وإلى أبناء الكويت بشكل خاص بهدف تعزيز الوحدة الوطنية، وأذكر أن الكهرباء عادت للكويت قبل العرض بعدة أيام، فعمّت الفرحة الجميع، ثم عُرضت المسرحية على امتداد ستة أشهر، وعروض متتالية يوميا، وكانت تذاكر الدخول بسعر رمزي، وذلك هدفه تنظيمي حتى لا يتدافع الناس، ومن أهم اللحظات رؤية الفرحة بعين الجمهور، والتحدي والانتصار بين المتطوعين، والفخر والاعتزاز من قياديي الثقافة في الدولة".
يقول المسلم "(فري كويت) ومسرحية (عاصفة الصحراء) كانتا أعمق كفنِّ مسرحي، وكانتا أولى المسرحيات التي وثّقت حياة الصامدين بالداخل، ومعاناتهم مع الاحتلال طيلة الغزو، وتسليط الضوء على بطولات وتضحيات الشهداء، بالإضافة إلى الأسرى المفقودين من الكويتيين والمقيمين الشرفاء"، ويبرز المسلم نجاح هذه المسرحيات نجاحا شعبيا كبيرا، إلّا أنها لم تأخذ حقها من الانتشار والتركيز الإعلامي، نظرا لعدم جاهزيّة الإعلام الكويتي تلك الفترة، مشيراً إلى ذهول وسائل إعلام ألمانية، ومحطات أجنبية غطّت الحدث، حيث استغربوا كيف نعرض مسرحاً، والسماء سوداء وملبّدة بالغيوم التي نتجت بسبب احتراق آبار النفط، إلا أن الرد الذي يعبّر عن الموقف تلك اللحظة هو أنه لا يوجد مستحيل أمام حب الوطن. 
الفن ينتصر
ويعتبر المسلم الوحدة الوطنية هاجسا مهما للوطن، نظرا لاستهداف الإعلام غير المسؤول، وحمله لأفكار دخيلة على مجتمعاتنا المحبّة للسلام والإنسانية، ويستطرد قائلا "دورنا مهم كفنانين ومثقفين وباحثين ومنتجين لتحمل المسؤولية، والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية، ونشر مكارم الأخلاق، والتصدي لبعض الظواهر غير الأخلاقية، وأعمل حاليا بوظيفة تطوعية كالأمين العام المساعد لتطوير العمل الإنساني والخيري، داخل الكويت وخارجها، فهذا ما أقوم به شخصيا دون أي دعم مادي حكومي، وإنما من منطلق حبي للإنسانية وخدمة المجتمع، وقد وجدت أن الفن الآن أهم من الدبابة والسلاح، وعلينا أن نستثمر بمواردنا البشرية، لتعزيز اللغة العربية، وإنتاج المسلسلات
والأفلام السينمائية".
عاصفة الصحراء
حينما نقرأ عنوانا كهذا قد يتهادى إلى الذهن العملية العسكرية الشهيرة "عاصفة الصحراء"، والتي أطلقتها قوات التحالف في السادس عشر من يناير (كانون الثاني) 1991م، إلا أن مسمى "عاصفة الصحراء" الذي نحن بصدده يحكي عن مسرحية كويتية رصدت مأساة الشعب الكويتي إبّان الغزو العراقي، وعُرضت على مسرح الدسمة، وألّفها حسين الشمري وأخرجها عبد العزيز المسلم، وجاءت المسرحية ببطولة كل من الفنانين: مريم الغضبان، وإبراهيم الصلال، وطارق العلي، وعادل المسلم، وعادل يحيى، وعبد العزيز المسلم، وأنتجها مسرح السلام الكويتي عام 1991م.
ويصف الفنان الكويتي طارق العلي الغزو العراقي في التسعينات بأنه فاجعة للعالم بأكمله، فقد دارت الأحداث الظالمة في أرض سلام وعطاء سمحت لكل ما يأتي إليها بالعيش بتقدير واحترام، ويستطرد قائلا "ما حصل من صدام حسين وجيشه الطاغي باحتلال أرض الكويت، وإيذاء أهلها، وقتل أبنائها ومقيميها وأسرهم جريمة شنيعة، ولا يخفى على أحد أن الكويت من الدول التي أجمع لها العالم بأن تعود لها شرعيّتها؛ وذلك بعد خطاب الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، الذي كان خطابا واسعا وشاملا".
ويواصل العلي حديثه قائلا "حرب الخليج كانت صدمة للأمة العربية والإسلامية، فعندما أردنا أن نتحد؛ كنّا نتمنى أن يكون هذا الاتحاد لأجل تحرير فلسطين والنضال العربي، لكن لم نعتقد أن ذلك سوف يكون عن طريق الكويت؛ فقد ضيَّع صدام حسين المسار، ولكن بعون الله وبدعم الأشقاء العرب والخليجيين وحتى أبناء العراق تمكننا من تحرير الكويت، فلم يجد نظام صدام هذا البلد لقمة سائغة، وإنما كانت سهما في صدره، أدى إلى سقوطه".
ويشير العلي إلى أنه رغم صغر مساحة الكويت إلا أن أفعالها تعمّ العالم كله، سواء كأعمال إنسانية أو تبرعات أو مشاريع تنموية، ودعم لكل من يلجأ إليها، مؤكدا الدور المهم للفن في تجسيد هذه الظروف، حيث عمل بعد التحرير على مسرحيات عديدة منها ما جسَّد الغزو العراقي بطريقة تراجيدية، ومنها ما كان ساخرا.
يقول العلي "مسرحية (عاصفة الصحراء) تناولت الحدث بأسلوب كوميدي يخفف الشدّة على الشعب الكويتي، وكذلك (فري كويت)، وغيرها من المسرحيات التي تشرح للعالم قضيتنا العادلة، وتؤكد الشرعية الكويتية، (عاصفة الصحراء) رغم قالبها الكوميدي إلا أنها تبرز اتحاد أهالي الكويت بكافة طوائفهم واتجاهاتهم وتياراتهم، فعندما كان المواطن الكويتي يلجأ لمنزل ما فإنه يجد الأمان أيّا كانت طائفته فكان دورنا إظهار هذا التكاتف، وتضحيات الشيوخ وشباب المقاومة في الحرب التي استشهد فيها عدد من الشباب والفتيات، وشارك فيها أبناء الأسرة الحاكمة واستشهد الشيخ فهد الأحمد الصباح، لذلك أوصلنا رسالة للعالم مفادها أننا كنا الحجر الذي صدّ هذا الغزو الغاشم".
 
وعن دوره في مسرحية (عاصفة الصحراء)، يذكر العلي أنه أدى دور أحد جنود صدام، مشيرا إلى أن بعض الناس قابلوا ذلك بالكراهية، حيث أن المسرحية عُرضت بعد التحرير بسنة، فكانت قابلية الناس للجنود متدنية، وذلك يرجع إلى الأثر النفسي والاجتماعي الذي سببته الحرب، مؤكدا أهمية الدور الذي لعبته المسرحية في كسر الحاجز النفسي، فهي من أوائل المسرحيات التي أُنتجت بعد التحرير، وتلقّاها الجمهور برحابة صدر وحب رغم أزمته، ورغم وجود بعض أعوان نظام صدام في البلد بالخفاء".
وعن تعاطي الفن الكويتي مع الأزمة، يقول العلي "القيادة السياسية كانت تؤكد على عدم شتم الشعب العراقي أو الشعوب الأخرى حتى وإن كانت قياداتها تتحالف مع نظام صدام، فالشعوب ليس لها دور في ذلك إطلاقا، وهذا ما أعطى لقضيتنا الاحترام والتقدير من العالم؛ فمسرحية (عاصفة الصحراء) أعطت حافزا لبقية المسرحيات الأخرى التي استضاءت بطريقة تعاطيها، حيث أنها لم تشتم أو تعتدي على الشعب العراقي، وإنما انتقدت ما قام به جيش صدام، وناقشت الدور الخليجي والعربي والعالمي في تحرير الكويت".
سيف العرب 
من أهم المسرحيات التي استحضرت حرب الخليج مسرحية "سيف العرب"، التي كتبها الفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا، وأخرجتها رقية الكوت، حيث تستعرض في قالب كوميدي فترة الغزو العراقي للكويت في التسعينيات، واستعادتها، وما واجهه الكويتيون إبان تلك الفترة من تغيرات اجتماعية طارئة.
جسّد الفنان عبد الحسين عبد الرضا شخصية الرئيس العراقي صدام حسين، حيث يظهر بلباسٍ عسكري متحدثاً بلهجة عراقية ساخرة تبرز الشخصية الديكتاتورية التي تقمع الأصوات المناهضة، والمتباهية بإشراك الجماهير في الوقت ذاته.
وقد امتدت مسرحية سيف العرب إلى ثلاث ساعات قام ببطولتها عدد من الفنانين الكويتيين الذين أسهموا في رفع الذائقة الفنية على مستوى الخليج بأعمال نوعية كالفنانة حياة الفهد وخالد العبيد ومريم الصالح وغيرهم.

المزيد من فنون