Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمم المتحدة في مهرجانها الخطابي السنوي

الانقسام الدولي بلغ ذروته والأزمات الكبرى تجبر الكبار على البحث عن حلول

قد تكون استعادة الثقة بالمنظمة الأممية وبقدرتها على إدارة شؤون العالم أحد أبرز التحديات الأساسية أمام الأمم المتحدة (أ ف ب)

ملخص

انطلاقة الجمعية العامة وظهور ترمب مفتتحاً مهرجانها الخطابي العالمي يحملان دلالة أساسية فحواها أن "الأمم المتحدة تحاول استعادة الثقة بالنظام الدولي، بينما أقوى دولة في العالم تعيد تعريف شروط مشاركتها فيه".

المهرجان الخطابي السنوي الكبير في نيويورك انطلق هذا العام ليستعرض فيه ممثلو 193 دولة عضو في الأمم المتحدة آراءهم وأوضاعهم في احتفال لا يلتقي فيه إلا قلة على رأي واحد وقرار مشترك. تلك هي حال منظمة الأمم المتحدة منذ أن اختلت موازين القوى في العالم، وهو اختلال يعود به المراقبون إلى تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفردّ الولايات المتحدة الأميركية بقيادة العالم ورعاية شؤونه. واتخاذ ذلك الانهيار كمحطة أو معلم بارز سببه أن المنظمة الدولية قامت في نشأتها مع انتهاء الحرب العالمية الثانية على مبادئ ضبط الوضع الدولي ورعاية سلام الأمم، وقد أمكنها العمل في هذا المجال نتيجة للتوازنات التي قامت بعد الحرب وذكريات أطرافها عن مآسي حروبهم التي خرجوا منها مثقلين بالجراح والخسائر والدمار، منتقلين من عالم الأسلحة التقليدية إلى عالم الأسلحة الذرية الذي أضاف معاني جديدة على صيغة توازن القوة لتصبح صيغة توازن رعب دائم يفرض استبعاد اللجوء إلى حروب عالمية شامل كما حصل مرتين خلال قرن واحد.

مع ذلك لم تتمكن المنظمة الدولية الوحيدة من منع اندلاع حروب لامست العالمية. مثال ذلك حرب كوريا ثم حرب فيتنام، لكن الخوف النووي أبقى تلك الحروب وغيرها مضبوطة ضمن حدود معينة ولم تتحول إلى صدام شامل، أو إلى اجتياحات لا تأخذ في الحسبان موازين العالم الجديدة. تمكن أولياء الأمر في المنظمة الدولية من فرض صيغ سلام صمدت طويلاً كما في كوريا مثلاً، كذلك تحولت الأمم المتحدة إلى راعية استقبلت عشرات البلدان المستقلة حديثاً بعد نهاية عهد الاستعمار، ووجدت تلك الدول في الأمم المتحدة مظلة سياسية قانونية دولية ومرجعية اقتصادية واجتماعية أسهمت في حماية وتطوير مجتمعات جديدة فرضت حضورها في عالم صعب من التنافس والمغامرة.

لكن الانقسام الذي فرضته الحرب الباردة، ثم انهيار المعسكر الاشتراكي أحد طرفي تلك الحرب، أعادا إحياء مشكلات بقيت من دون حل، وفتحا الباب أمام أدوار قوى كبرى استسهلت فرض رؤيتها على الآخرين انطلاقاً مما تراه مصلحة لها.

لم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة في محاولات الخروج على ميثاق المنظمة الدولية، قبل وبعد غياب الاتحاد السوفياتي، فالصين حاولت غزو جارتها فيتنام بعد خروج الأميركيين منها، وكان المعسكر الاشتراكي قائماً، وفي وقت لاحق خاضت روسيا حرباً تستمر منذ ما يقارب خمسة أعوام، على وريثة النظام السوفياتي، أوكرانيا.

في الأثناء، وطوال أكثر من 80 عاماً من عمر الأمم المتحدة، عجزت هذه المنظمة عن تطبيق قراراتها بشأن فلسطين، واستمرت هذه القضية السياسية والإنسانية عامل تفجير في منطقة بكاملها، جرت إليها تدخلات مختلفة، منها التدخل الإيراني الذي جعل منها مدخلاً لفرض سياسة توسعية هددت وتهدد المجتمعات العربية في وحدتها واستقلال بلدانها.

وعندما وصلت أمم العالم إلى موعد اجتماعها السنوي الـ81 هذا الشهر، وقد افتتحته في الثامن من سبتمبر (أيلول) الجاري، وبدأت مناقشاتها العامة في الـ22 منه، كانت قضايا عدة متفجرة تحتل مقدمة جدول الأعمال.

وبدا واضحاً أن المنظمة الأممية تدرك خطورة المهام المترتبة عليها. لذلك جاء شعار دورتها هذه لافتاً ومثيراً للاهتمام: "استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد تكون استعادة الثقة بالمنظمة الأممية وبقدرتها على إدارة شؤون العالم أحد أبرز التحديات الأساسية أمام الأمم المتحدة، وهي تواجه أربع أزمات كبرى على الأقل:

الحرب والسلم في أوكرانيا وفي الشرق الأوسط: فلسطين وإسرائيل وقضمها أراضي في لبنان وسوريا، إيران وحربها مع أميركا وإسرائيل واعتداءاتها على دول عربية في الخليج وخارجه، وسعيها إلى التسلح النووي...

في هذه الملفات تقف الأمم المتحدة مرة أخرى أمام اختبار قدرتها على منع الحروب وإيجاد حلول، لا مجرد إدارة النتائج. لقد جعل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شعار "الحرب أم السلام" في مقدمة اختبارات الوضع العالمي الحالي، "في وقت تتعمق أزمة الثقة بالنظام الدولي، وتتعمق الفجوة بين الدول الكبرى والدول النامية حول من يضع قواعد النظام العالمي ومن يملك القدرة على فرضها". لقد جعلت رئاسة الجمعية العامة الراهنة استعادة الثقة وإصلاح التعددية محوراً للدورة 81 مثلما طرحت في الوقت ذاته مسائل تتكرر في كل عام وأبرزها الإصلاح داخل الأمم المتحدة بما في ذلك تطوير صيغة مجلس الأمن الدولي، وتركيبة المؤسسات الدولية، ثم التمويل ومراقبة الصرف والبيروقراطية، وتطوير قدرات المنظمة على "الاستجابة لعالم لم يعد يشبه عالم 1945". وقد دعا غوتيريش في افتتاح أعمال الجمعية إلى إصلاح مجلس الأمن، بما في ذلك وقف غياب تمثيل أفريقي دائم.

تناقش الجمعية العامة أيضاً مسائل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمناخ والتنمية...

إذ لم تعد أجندة الأمم المتحدة أمنية فقط، فالذكاء الاصطناعي وتغير المناخ وعدم المساواة والتنمية وأمن الغذاء، أصبحت جزءاً من الصراع على شكل النظام العالمي المقبل.

ومن دون شك، فإن موضوع الذكاء الاصطناعي بات يحتل مرتبة متقدمة في اهتمامات المجتمعات والحكومات، وهو كان بنداً أساسياً في جدول أعمال المباحثات الأميركية -الصينية بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الصيني الزائر، في واشنطن، شي جيبينغ.

كانت "إطلالة ترمب" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عشية وصول الزعيم الصيني إلى أميركا، مهمة وذات معنى. فالرؤساء الأميركيون عادة ما يفتتحون مناقشات المنظمة الدولية، ومع إطلالة ترمب بدا أن خطابه يوم الـ22 من سبتمبر لم يكن "مجرد خطاب تقليدي، بل كان بمثابة عرض للرؤية الأميركية للنظام العالمي". أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستعتمد على قوتها العسكرية والاقتصادية، ورفض فكرة "الحكومة العالمية"، وانتقد الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، ولكنه أوضح أن الولايات المتحدة تريد إصلاح المنظمة وتخفيف البيروقراطية والإنفاق.

وطبيعي أن تكون إيران في قلب الخطاب: فقد أعاد الرئيس الأميركي التأكيد على رفض امتلاك إيران سلاحاً نووياً، ولوّح بإمكان استخدام القوة، لكنه تحدث أيضاً عن احتمال التوصل إلى اتفاق بعد الانتخابات النصفية الأميركية.

لكن ترمب ذهب أكثر في اتجاه الصدام عندما أعلن رفضه اقتراحاً ايرانياً بفتح إيران مضيق هرمز مقابل التراجع الأميركي عن خطواتها وعقوباتها ضد إيران.

يمكن قراءة المشهد في نيويورك على أنه انعكاس للصراعات الدولية الأبرز، واختصار لرؤى مختلفة للنظام العالمي أبرزها رؤية الأمم المتحدة التي تقترب من الموقف الأوروبي، وقوامها اعتماد القواعد الدولية ومؤسساتها المتعددة الأطراف الملتزمة مبادئ القانون الدولي والتفاوض الجماعي.

وثاني هذه الرؤى الوجهة التي عبّر عنها الرئيس الأميركي وقوامها اعتماد أولوية السيادة الوطنية المستندة إلى القوة الأميركية، واللجوء إلى الصفقات المباشرة في العلاقات الدولية تجنباً لتدخل المؤسسات الدولية في القرار الأميركي إلى أقصى حد.

وليست الولايات المتحدة وحدها من ترغب في سلوك هذا النهج، فلدى روسيا ميل في هذا الاتجاه، والصين لا ينقصها محاولة التفرد عندما تسنح لها الظروف.

لا يعني هذا أن الأمم المتحدة ستنهار أو أن الولايات المتحدة ستصطدم بالأقطاب الآخرين تمهيداً للانسحاب من النظام الدولي، بل إن السؤال المطروح هو هل أن الدورة 81 ستتمكن من توطيد نظام متعدد الأطراف على رغم تزايد فردية وقوة الدول الكبرى في التصرف، وميلها إلى التحرك منفردة في مواجهة مشكلاتها.

والجواب يبدو واضحاً، فانطلاقة الجمعية العامة وظهور ترمب مفتتحاً مهرجانها الخطابي العالمي يحملان دلالة أساسية فحواها أن: "الأمم المتحدة تحاول استعادة الثقة بالنظام الدولي، بينما أقوى دولة في العالم تعيد تعريف شروط مشاركتها فيه".

وفي كل حال، فإن الملفات المشتعلة في العالم ومنها ملف الحروب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية وحرب غزة ولبنان من أكثر الملفات التي ستكشف خلال هذه الدورة مدى قدرة الأمم المتحدة على التأثير الفعلي، والذهاب إلى الإنجاز، وإلّا ستبقى المنظمة الدولية على اختصاصها خلال الأعوام الأخيرة: إصدار البيانات ونشر القرارات والبحث عن الراحة وطول البال.

المزيد من آراء