Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاقتصاد التونسي بين ضرائب مرتفعة واستثمار ضعيف ومديونية ضاغطة

محللون: المحركات الأساسية المعتمدة على القيمة المضافة "معطلة" ما يعمق الاختلالات المالية

تراجع نفقات الاستثمار إلى 3.3% من الناتج مقابل إيرادات ضريبية تتجاوز 26% (رويترز)

ملخص

ارتفعت حصة الدين العام المحلي من 29.7% في عام 2019 إلى 60.8% في عام 2025، وهو تحول كبير، يُضاف إلى ذلك اللجوء المباشر إلى البنك المركزي التونسي.

توقع البنك الدولي أن يتباطأ النمو في تونس إلى 2.3 في المئة في عام 2026، وأن يستقر عند متوسط 2.1 في المئة خلال الفترة 2027-2028، بعدما بلغ 2.7 في المئة في عام 2025 و2.4 في المئة على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026.

ولاحظت الجهة المانحة أن الاقتصاد التونسي ظل حبيساً لمعدلات نمو منخفضة، ويواجه حاجات تمويلية كبيرة. وعلى رغم انخفاض معدل البطالة إلى 14.9 في المئة في الربع الثاني من عام 2026، فإنه يبلغ 21.6 في المئة لدى النساء.

ورد تقرير المؤسسة المانحة ليضاعف انتقادات المتخصصين الذين أشاروا إلى عجز البلاد عن العودة إلى نسق النمو المناسب لمواردها في مستهل الألفية الحالية، حين سجلت نسبة نمو بلغت 6.3 في المئة عام 2007 و6.2 في المئة عام 2004.

وسلط البنك الدولي الضوء على الأمن المائي باعتباره محركاً متزايد الأهمية للنمو، إذ يبلغ نصيب التونسي نحو 380 متراً مكعباً من المياه، وهو مستوى يقل بكثير عن العتبة الدولية لندرة المياه.

"خطة المياه 2050"

وقد تؤدي ندرة المياه إلى خفض الناتج المحلي لتونس بنسبة 6.4 في المئة بحلول عام 2050. ويشير البنك الدولي إلى أن "خطة المياه 2050" التي وضعتها تونس تتطلب تمويلاً يناهز 23 مليار دولار، أي ما يعادل 900 مليون دولار من الاستثمارات سنوياً.

ويعلق الاقتصادي جمال بن جميع قائلاً "غير أن هذا المبلغ يمثل وحده قرابة 60 في المئة من إجمال الاستثمارات العامة السنوية في تونس". وأضاف بن جميع إن "هذه الحاجة التمويلية تفوق بكثير القدرة التمويلية لموازنة الدولة. وبعبارة أخرى، سيتعين على تونس، لتمويل قطاع المياه وحده، توفير موارد سنوية تعادل أكثر من نصف ما تستثمره حالياً في كافة القطاعات العامة مجتمعة. ويبين هذا أن أزمة المياه قد تحولت أيضاً إلى أزمة تتعلق بالقدرة على الاستثمار".

ومن أبرز التحذيرات الواردة في التقرير ما ورد حول اعتماد الدولة بصورة متزايدة على التمويل الداخلي، بعدما أدت الصعوبات التي تواجهها تونس في تعبئة التمويل الخارجي إلى زيادة الاعتماد على المصادر المحلية.

وارتفعت حصة الدين العام المحلي من 29.7 في المئة في عام 2019 إلى 60.8 في المئة في عام 2025، وهو تحول كبير، يُضاف إلى ذلك اللجوء المباشر إلى البنك المركزي التونسي.

الضغوط التضخمية

في عام 2020، وخلال ذروة أزمة "كوفيد-19"، جرى الترخيص بتمويل استثنائي بقيمة 2.8 مليار دينار (965 مليون دولار)، وكان من المفترض أن يكون هذا التمويل استثنائياً، غير أنه عاد للظهور في عامي 2024 و2025 بقيمة 7 مليارات دينار (2.4 مليار دولار).

وفي عام 2026، بلغ التمويل المباشر الذي قدمه البنك المركزي للخزينة 11 مليار دينار (3.8 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 5.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، محذراً من أخطار تتمثل في الضغوط التضخمية ومزاحمة الائتمان الموجه إلى القطاع الخاص.

ومن المتوقع أن تصل حاجة الدولة الإجمالية للتمويل إلى 27.3 مليار دينار (9.4 مليار دولار) في عام 2026، ثم إلى 26.2 مليار دينار (9 مليارات دولار) في عام 2027.

وينتظر أن يتسع العجز في الموازنة ليصل إلى ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مقارنة بـ5.3 في المئة في عام 2025، وأن يظل الدين عند مستويات تفوق 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إذ سيبلغ 84.2 في المئة في عام 2026، و83.1 في المئة في عام 2027، ثم 81.9 في المئة في عام 2028، على رغم الاستراتيجية المعلنة للحد من اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

اقتصادان تونسيان بقصتين مختلفتين

من المعطيات اللافتة ما يحققه قطاع الشركات الموجهة للتصدير كلياً في تونس من فائض يناهز 10 مليارات دينار (3.4 مليار دولار)، أي ما يعادل 5.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل عجز بالقطاع المحلي مقداره 22.6 مليار دينار (7.7 مليار دولار)، وهو ما يعادل 12.1 في المئة من الناتج.

وهكذا، يسهم الفائض المحقق في القطاع الخارجي في تعويض نحو 44 في المئة من العجز المسجل في الاقتصاد المحلي، وهو تفاوت لا يمكن الاستهانة به وفق البنك الدولي.

ويشير البنك الدولي إلى أن شركات "الأوفشور" تتمتع ببيئة عمل مختلفة تماماً، تتسم بإجراءات إدارية أكثر بساطة، وقيود أقل صرامة على حركة رؤوس الأموال والعملات الأجنبية، وسهولة أكبر في الحصول على المدخلات المستوردة، فضلاً عن اندماج أقوى في الأسواق الدولية.

ويُضفي هذا التباين طابعاً ملموساً للغاية على النقاش الدائر حول بيئة الأعمال، إذ ينجح جزء من الاقتصاد التونسي الأكثر انفتاحاً واندماجاً في الأسواق العالمية في تحقيق فائض خارجي كبير، في حين يراكم الاقتصاد المحلي عجزاً يفوق ذلك بأكثر من الضعف.

العجز الخارجي يعود ليشكل عبئاً

تُعد التجارة الخارجية مصدراً آخر من مصادر الهشاشة الاقتصادية، وفي عام 2025، بلغت نسبة العجز التجاري 12.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ11.8 في المئة في عام 2024، إذ شكل قطاع الطاقة وحده 51 في المئة من هذا العجز.

وتفاقم الوضع خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة فاتورة الطاقة بنحو 2.6 مليار دينار (896 مليون دولار)، لتصبح الطاقة مسؤولة الآن عن 53 في المئة من العجز التجاري.

ويأتي هذا التدهور في وقت لا تزال فيه تدفقات رؤوس الأموال غير كافية لتغطية حاجات التمويل الخارجي، إذ لم تصدر تونس أي سندات سيادية مقومة بالعملة الصعبة في الأسواق الدولية منذ عام 2019.

وفي الوقت نفسه، يشير البنك الدولي إلى تسارع في الكتلة النقدية، إذ ينمو المؤشر بنحو 10 في المئة، وذلك في ظل سياق يتسم بزيادة كبيرة في حجم العملة الورقية والمعدنية المتداولة منذ إصلاح نظام الشيكات لعام 2024. ويرى التقرير أن هذا التطور يستدعي متابعة دقيقة.

ويكشف التقرير عن تباين آخر، فقد بلغت الإيرادات الضريبية في تونس 26.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مقارنة بمتوسط يناهز 18 في المئة لدى الدول ذات الدخل المتوسط التي اعتمدها البنك الدولي معياراً للمقارنة.

وهذا يعني أن العبء الضريبي مرتفع، وفي الوقت نفسه، تظل نفقات الاستثمار العام منخفضة، إذ تراجعت من 3.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى 3.3 في المئة في عام 2025.

التحويل المالي وخدمة الدين

ولعل هذا يمثل أحد أبرز تناقضات النموذج الحالي، فالدولة تجبي إيرادات ضخمة، لكن جزءاً كبيراً من مواردها يُستنزف في النفقات الجارية وعمليات التحويل المالي وخدمة الدين، مما يقلص الحيز المتاح للاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الاستثمارية القادرة على دعم النمو المستقبلي.

وأشار الأكاديمي المتخصص في التنمية حسين الرحيلي إلى أزمتين هيكليتين تعكسان هشاشة النموذج الاقتصادي التونسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة، تستنزف خدمة الدين والالتزام بدفع أجور أعوان الدولة الموارد المتاحة، فيما ترتفع المديونية إلى مستويات تقارب 84 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

من جهة أخرى، يتراجع الاستثمار العمومي في المجالات الحيوية، مما ينعكس مباشرة على نسب النمو ويعمق الاختلالات. وأصبحت الإدارة والبيروقراطية معولاً هداماً للاستثمار بدلاً من أن تكون محفزاً له، وهذا الواقع يؤثر سلباً في القدرة التشغيلية، ويؤدي إلى تراجع القيمة المضافة، وارتفاع البطالة إلى نحو 14.8 في المئة.

تصل الأعباء الجبائية والاجتماعية في بعض القطاعات إلى 38 في المئة، مما يثقل كاهل الفاعلين الاقتصاديين ويحد من قدرتهم على التوسع.

أما الحديث عن "تعافٍ" بنسبة 2.3 في المئة، فيُنظر إليه على أنه غير كافٍ، بل إن بلوغ حتى نسبة اثنين في المئة يبقى صعباً في ظل الظروف الحالية.

تضخم يدور حول 5%

الاقتصاد التونسي لا يخلق ثروة حقيقية خارج مواسم الفلاحة الجيدة، ويبقى رهيناً بالتساقطات المطرية، وهذا الاعتماد الموسمي يعني أن المحركات الأساسية المبنية على القيمة المضافة تبقى معطلة في معظم الأحيان، وأن أي تحسن في النمو يبقى ظرفياً وهشاً.

يُضاف إلى ذلك تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وعجز الاقتصاد عن توليد مواطن شغل جديدة بصورة مستدامة، فمواطن الشغل لا تُخلق فعلياً إلا عندما تتجاوز نسب النمو نسب التضخم، ومع تضخم يدور حول خمسة في المئة ونمو لا يتجاوز اثنين في المئة، إلى جانب مديونية مرتفعة، تصبح المعادلة صعبة، فالاقتصاد التونسي لا ينتج فرص عمل كافية، ولا يولد موارد جبائية مستدامة.

وتثير مسألة التهرم السكاني وتراجع طلبات الشغل تساؤلات إضافية حول دقة بعض الإحصاءات المعتمدة، فبعض التقارير الدولية، بما فيها تلك الصادرة عن البنك الدولي، لم تأخذ بالاعتبار أحدث بيانات 2024 المتعلقة بالسكان ومعدلات التهرم، مما قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للواقع الديموغرافي والتشغيل.

في المحصلة، يبدو الاقتصاد التونسي عالقاً في دائرة مغلقة: موارد محصورة تُوجَّه أساساً نحو الأجور وخدمة الدين، واستثمار عمومي ضعيف، وبيروقراطية طاردة، ونمو مرتبط بالمناخ الزراعي أكثر منه بالإنتاج الصناعي أو الخدمي ذي القيمة المضافة العالية.

اقرأ المزيد