Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تغريبة الدودوك" رواية عائلة أرمنية نجت من المذبحة

علا عبدالمنعم تتناول مسألة الوافدين إلى مصر وانصهارهم في النسيج الاجتماعي

عائلة أرمنية مصرية (صفحة أرمن مصر - فيسبوك)

ملخص

ترصد رواية "تغريبة الدودوك" للكاتبة المصرية علا عبدالمنعم مصير أسرة أرمنية نزحت إلى مصر عبر 4 أجيال منذ مذابح العثمانيين والحرب العالمية الأولى حتى ثورة يناير 2011، متتبعة أثر التحولات السياسية الكبرى في مصر على أفرادها، وقدرة المجتمع المصري على احتواء الوافدين وصهرهم في نسيجه.

ارتبط مصطلح "التغريبة" في الوجدان الشعبي بالسيرة الهلالية، في وصف رحلة بني هلال من المشرق إلى تونس، ومنها أصبحت الكلمة دالة على ابتعاد الإنسان عن وطنه. وهو معنى ليس بعيداً من دلالتها في المعجم "غرب في الأرض: أمعن فيها فسافر سفراً بعيداً". غير أن هذه التغريبة تكون عادةً لأسباب اضطرارية، كما هو الحال في تغريبة بني هلال بسبب القحط. وهو ما يجري أيضاً في رواية "تغريبة الدودوك" (دار الرواق) للروائية المصرية علا عبدالمنعم. والدودوك، آلة نفخ أرمنية ذات قصبة مزدوجة، تعد جزءاً أصيلاً من التراث الأرمني الثقافي. وتتتبع الرواية سيرة أسرة أرمنية تمصرت، منذ عام 1915 وحتى ثورة الـ25 من يناير 2011، راصدة خلالها أبرز الأحداث السياسية الكبرى التي مرت بها مصر طوال هذه المدة.

مذابح الأرمن

تبدأ التغريبة الأولى بالمذابح التي ارتكبها العثمانيون في حق الأرمن، مما دفع "تالار" وزوجها "آشوت" إلى البحث عن وسيلة للهرب، فجاء إنقاذهما بقرار فردي من قائد إحدى السفن البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى، لينزلا إلى شواطئ بورسعيد المصرية عام 1915، ويسكنا في مخيم "لازاريت".

وهناك يجدان حفاوة كبيرة من المصريين: "لم يكن أهلنا بمفردهم من استقبلونا، رحب بنا المصريون بطريقة مختلفة، فلم يكد يمضي الوقت إلا وموائد طويلة قد صفت على رمال الشاطئ...". وعلى هذه الرمال تفقد "تالار" زوجها إثر إصابته بحمى التيفود، قبل وقت وجيز من ولادتها طفلتهما "أليك". تقرر الأم أن تربي ابنتها في بورسعيد، إلى جوار قبر أبيها. وبعدما وضعت الحرب أوزارها، كان اسم "تالار" ضمن أول فوج معاد إلى سيفيديا عام 1919، بعد أربع سنوات قضتها في المدينة الساحلية المصرية، لكنها ترفض العودة لوطنها، شاعرة بانتمائها إلى المكان الذي احتضنها: "كيف لي أن أغادر أرضاً صارت بحكم الأقدار وطني الذي لم يعد من المقبول مغادرته؟".

منفى إجباري

ثم تضطر الأم وابنتها إلى خوض تغريبة أخرى، بانتقالهما إلى القاهرة. كانت الأم ترغب في إبعاد ابنتها عن "سمير" الذي ربطتها به علاقة حب، وقف أمام اكتمالها اكتشاف أنهما أخوان في الرضاعة. تقول "أليك": "لم أَرَ في القاهرة سوى منفى أجبرت على الانتقال إليه تكفيراً عن ذنب لم أقترفه".

لكن هذه المدينة المقفرة تمنحها ما يطبب جرحها العاطفي، حين تلتقي "حامد"، سليل "شكران أوغلو" ذا الأصول التركية، والمنتمي إلى الطبقة الحاكمة في مصر. لتجد نفسها أمام معركة جديدة، هذه المرة مع سؤال الارتباط بعرق اضطهد أهلها وذبحهم. ويقابل حامد رفض أسرته هذا الارتباط، فيقرر السفر إلى باريس بحثاً عن حياة جديدة بعيداً من العرقيات الضيقة، لكن الحرب العالمية الثانية سرعان ما تشتعل عام 1939، بعد وصولهما إلى فرنسا، فينخرط "حامد" في جماعات المقاومة ضد هتلر، قبل أن يلقى القبض عليه ويعدم على يد الجيش النازي، لتولد "مهرة حامد" من دون أن ترى أباها هي الأخرى.

خلطة كوزموبوليتانية

تعود "أليك" بابنتها "مهرة" من تغريبتها في فرنسا إلى مصر، لتبدأ مسيرة الجيل الثالث مع مهرة، التي عاشت، كما تصف حياتها، "في خلطة كوزموبوليتانية جمعتنا في دائرة واحدة أسهمت في تخفيف العصبية والغيرة التي يتسم بها الرجل الشرقي". عاشت مهرة في كنف أمها وصديقتها الفرنسية عالمة الآثار المصرية وخالها من الرضاعة "سمير"، قبل أن تختار طريقها في احتراف الباليه، وتسافر في بعثة إلى روسيا لدراسته في بداية الستينيات.

وهناك ترتبط بحب الطبيب "حسين"، لكن هذا الحب يقف في طريقه الضابط "عدنان التميمي"، أحد رجال ثورة يوليو، الذي ينجح بحيلته وسلطته وعمله في الاستخبارات في إبعاده من طريقها، لتتزوج مهرة منه وتنجب ابنها الوحيد "نبيل". وهو زواج يجري مرة أخرى بين امرأة تنحدر من أسرة إقطاعية تركية، ورجل من رجال يوليو التي قامت في الأساس لإطاحة هذه الطبقة وإزاحتها عن سدة الحكم.

وهو ما سيحدث أيضاً عندما يتزوج ابنها "نبيل" من "بيرين"، اليهودية الديانة، إرضاءً لوالده "عدنان التميمي"، الذي نشط في العمل التجاري مع والدها في شرم الشيخ بعد توقيع اتفاقية السلام، لكن بعد إنجابها "إبراهيم" تقرر الهرب من مصر، مما يدفع نبيل، ابن مهرة إلى الانتحار إثر هذه الصدمة وفرط تعلقه العاطفي الشديد بها.

لتصنع الرواية التغريبة الأكبر، بتغريبة الطفل "إبراهيم"، الذي يتحول اسمه إلى "أرون" دون أن يعرف أصوله، ولا تعيده إلى أهله سوى الصدفة، حين يقرأ كتاباً في تركيا حكت فيه مهرة سيرتها، ووضعت على غلافه صورة لحفيدها. فيقرر مصارحة أمه والعودة لأهله قبيل ثورة يناير، التي ينخرط فيها بصورة كاملة ويكون أحد مصابيها، حتى ظنت مهرة أن حفيدها سيلفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى، بعدما طاولت إقامته تحت الأجهزة الطبية. فتأخذ مهرة في توصيته بالرسائل التي عليه أن يوصلها إلى الراحلين: "طلبت مني أن أخبر أبي بأنها سامحته، وسامحت أبيه، وسامحت الدنيا، من أجل أن تستطيع العيش انتظاراً إليه، توسلت إلى أن أخبره بأن دمائي التي سالت على الأرض قد أعادت جذري الذي انتزع منها غليظاً من جديد".

فثورة يناير تعيد إلى إبراهيم هويته التي سلبتها منه أمه، ليصبح الدم المسفوك في ميدان الثورة وسيلة أخرى لاستعادة الجذر والانتماء، بعدما ظلت التغريبة تتوارثها الأسرة جيلاً بعد جيل.

حيلة فنية

تلجأ علا إلى حيلة فنية تبرر من خلالها دافع مهرة إلى كتابة هذه السيرة، أولهما سبب طبي، يتمثل في إصابتها بألزهايمر مبكر بعد حادثة انتحار ابنها، وثانيهما رغبتها في الوصول إلى حفيدها الذي أخفته أمه عنهم وهربت به خارج مصر. تقول مهرة: "الحكاؤون يموتون، لكن الحكاية باقية طالما الحياة مستمرة... هكذا أخبرني حسين عندما وجدني وقد فقدت شغفي بالتدوين في سيرتي الذاتية وسيرة عائلتي بوفاة أليك وسمير، وإصرار سلين على العودة لباريس".

ويلحظ داخل الرواية أنها تتوقف دائماً طوال 95 عاماً هي المدة الزمنية التي تغطيها أمام الأحداث السياسية الكبرى التي تأخذ في كثير من الأحيان حيزاً أكبر من الجانب الشخصي في حياة الشخصيات. تبدأ بالحرب العالمية الأولى ومذابح الأرمن، ثم الحرب العالمية الثانية، التي تجعل الزوج "حامد" مشاركاً فيها ضد النازية دفاعاً عن الحق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتوقف الرواية طويلاً عند ثورة يوليو وما تراه من فساد بعض رجالها، وصولاً إلى نكسة 1967، فتغرق في تفاصيل الهزيمة "استفقنا على فاجعة انسحابنا من المعركة منذ اليوم الأول، وأن الجثث والأشلاء التي ملأت طرقات سيناء لم تكن إلا لأولادنا ورجالنا، قتلتهم عشوائية الانسحاب المفاجئ غير المعد له"، وتتناول ما ارتكبه الصهاينة في حق الأسرى المصريين، وعودة الجنود من الجبهة مطأطئ الرؤوس، مرجعة الهزيمة إلى فساد بعض قادة الجيش، وعلى رأسهم زوجها "التميمي"، الذي كان يعمل في الاستخبارات وينتمي إلى الصف الثاني من ضباط الثورة.

استغل سلطته للتنكيل بحبيب مهرة، "حسين"، وسجنه وأبعده عن مصر مع أسرته، حتى لا يتزوج بها، ويدبر حادثة سيارة يقضي على طموحات مهرة في احتراف الباليه ويقعدها في المنزل. ومع انكشاف جرائمه واستغلاله لنفوذه، يسجن التميمي ويحال إلى التقاعد. وتواصل الرواية كشف تأثير سياسة الانفتاح والسلام مع إسرائيل، وما صاحبها من مخاوف لدى المصريين من تغلغل إسرائيل داخل المجتمع المصري وسيطرتها على مقدرات البلاد بوسائل ناعمة، بعدما فشلت في تحقيق ذلك عسكرياً. إلى أن تصل إلى ثورة الـ25 من يناير، انتفاضة ضد الفساد ومطالبة بالحرية.

وهذا الجانب السياسي العام من الرواية لم تقدم من خلاله جديداً للقارئ، فهو أقرب إلى سرد تاريخي جرى تضفيره داخل الرواية، من دون أن تمنحه خصوصيته الفنية أو رؤية مغايرة لما هو معروف عن هذه الأحداث مع أنه شغل الحيز الأكبر منها.

ومن جانب آخر، تؤكد الرواية، عبر الأجيال التي ترصدها، قدرة مصر على تمصير من عاش فيها، مهما اختلفت عرقياتهم، من أرمن وأتراك ويهود، وصهرهم في بوتقتها وجعلهم يداً واحدة في مواجهة الأخطار الخارجية، وتحرص الرواية على عدم تشعب الأحداث فكل جيل ينجب طفلة واحدة تمنح العائلة امتدادها، في مصادفة فنية تبدو مقصودة للسيطرة على مسار الحكاية والحفاظ على تركيزها، بعيداً من تشعب الشخصيات والفروع العائلية.

علا عبدالمنعم (1976–)، روائية وقاصة مصرية، ولدت في مدينة طبرق الليبية، وتخرجت في كلية الصيدلة. صدرت لها رواية "ميراث الأنصاري" عام 2022، و"سوق العايقة" عام 2023، والمجموعة القصصية "استعمال طبيب" عام 2024.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة