ملخص
نحو 20 مليون شخص، أي 41% من سكان السودان، واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الأشهر الماضية، مع توقع مزيد من التدهور في موسم الجفاف، ورصد خطر المجاعة في 14 منطقة. وعلى المدى القريب، يمكن أن يكون السيناريو الأساس هو استمرار الضغوط وارتفاع كلفة المعيشة، مع احتمال تفاقمها إذا اتسعت فجوة النقد الأجنبي، أو انخفضت التحويلات والصادرات، أو تعطلت الموانئ والطرق.
تأتي الاحتجاجات التي شهدتها مدينة القضارف في شرق السودان بسياق أوسع من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي فاقمتها الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وأثرت بصورة مباشرة في قدرة الأسر على تأمين حاجاتها الأساسية. فقد أدى تراجع قيمة الجنيه السوداني واضطراب الأسواق ونقص السيولة وارتفاع كلف النقل والإمداد، إلى دفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات متزايدة، بينما تواصل الأسر تقليص إنفاقها على الغذاء والدواء وغيرها من الضروريات.
تزامن ذلك مع اضطراب النظام المصرفي ونقص النقد، مما زاد صعوبة إجراء المعاملات اليومية وخلق حالاً من الهلع لدى التجار، ودفع بعضهم إلى تقليص عمليات البيع خشية الخسائر الناجمة عن تغير الأسعار وسعر الصرف. فقد بلغ الدولار الأميركي في السوق الموازية نحو 8120 جنيهاً سودانياً، مما أدى إلى زيادات متسارعة في الأسعار وزاد الضغوط على الأسر.
وتعكس التحركات في القضارف جانباً من التداعيات المعيشية للحرب، ومن أبرز قنوات انتقال كلفتها إلى الحياة اليومية في وقت تتسع فيه الفجوة بين الدخول المتاحة وكلف الحياة اليومية. وورد أن محتجين أغلقوا طريقاً رئيساً في المدينة بإطارات مشتعلة، ورددوا هتافات احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وتدهور الظروف المعيشية. وتزامن ذلك مع صعود أسعار المواد الغذائية والخضروات، وسط شكاوى من تراجع الأوزان وغياب الرقابة على الأسواق.
ولا تبدو الأحداث محصورة في القضارف، فقد شهدت مدن أخرى خلال الأسابيع الأخيرة تحركات احتجاجية وإضرابات وإغلاقات ذات صلة بالظروف الاقتصادية، وإن اختلفت دوافعها المباشرة. ففي مدن عطبرة وشندي والدويم، أغلق تجار الأسواق أو دخلوا في إضرابات احتجاجاً على الضرائب والرسوم والجبايات، في ظل تراجع القوة الشرائية وارتفاع كلف التشغيل. وتشير هذه التحركات المتفرقة إلى اتساع نطاق الضغوط على النشاط التجاري وسبل كسب الدخل.
معركة أخرى
في السياق، قال رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبدالفتاح البرهان إن الأزمة الاقتصادية تمثل، إلى جانب الحرب مع قوات "الدعم السريع"، "معركة أخرى" سيتجاوزها السودان، رابطاً الضغوط الراهنة بتعدد أوجه الحرب وما وصفه بغلاء الأسعار وشح الموارد. وأكد أن العمليات العسكرية ستستمر إلى حين حسم القتال، متعهداً أن ينهض السودان بعزيمة أبنائه ويحافظ على وحدته ومكتسباته. وجدد رفضه لما وصفه بالأجندات الخارجية، ودعا إلى معالجة القضايا السودانية عبر الحوار الداخلي وصولاً إلى التوافق وبناء الدولة.
من ناحيته، قال وزير المالية جبريل إبراهيم إن الاقتصاد السوداني قادر على الصمود على رغم المشاق التي يواجهها المواطنون، معتبراً أن تقلبات الأسواق ترتبط بمضاربات وحرب اقتصادية وإعلامية تستهدف إضعاف الدولة. وأكد أن الحكومة ماضية في النهج الذي تتبعه، معرباً عن توقعه بانتهاء الحرب وعودة النازحين واللاجئين واستئناف النشاط الإنتاجي.
في المقابل، ركزت القوى المدنية والمجتمعية المعارضة على البعد المعيشي للاحتجاجات، مع اختلاف خطابها عن توصيف السلطات للأزمة. ودعت لجان مقاومة القضارف المواطنين إلى التزام سلمية الاحتجاج وعدم المساس بالممتلكات العامة أو الخاصة، معتبرة أن الخروج إلى الشوارع يعكس الضغوط المتزايدة على الأسر وعجز كثير من المواطنين عن الوفاء باحتياجاتهم اليومية. وحذرت اللجان الأجهزة الأمنية من استخدام العنف أو الملاحقات، ومن التعامل مع الاحتجاجات بمنظور أمني، وحذرت من احتمال إدخال عناصر تخريبية بما قد يوفر مبررات للتدخل. وأكدت أن المطالب، وفقاً لبيانها، تتصل بالحق في الحياة وتحسين الظروف المعيشية، لا بإحداث الفوضى.
وأعلنت منظمة "مناصرة ضحايا دارفور" تأييدها الاحتجاجات السلمية في القضارف، وربطت دوافعها بارتفاع أسعار الغذاء وكلف العلاج والبطالة. وتكشف هذه المواقف المتباينة عن اختلاف واضح في تفسير الأزمة، فالحكومة تقدم الضغوط الاقتصادية باعتبارها امتداداً للصراع وأداة من أدوات الحرب، بينما تركز الجهات المدنية على نتائجها المباشرة على السكان وضرورة الاستجابة للمطالب المعيشية والتخفيف من آثار الحرب على الحياة اليومية.
مستويات تذبذب
دخل الاقتصاد السوداني عامه الرابع من الحرب في ظل انكماش الناتج وتعطل واسع للقطاعات الإنتاجية والخدمية، مع استمرار ضغوط الأسعار وسعر الصرف وتراجع الإيرادات العامة. ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنحو 29.4 في المئة عام 2023 و14 في المئة عام 2024، قبل تسجيل ارتداد محدود عام 2025 بنحو 3.1 في المئة، مدفوعاً بقاعدة المقارنة المنخفضة، وتحسن نسبي في النشاط الزراعي والخدمي، وعودة تدريجية للسكان إلى بعض المراكز الحضرية. كما يشير البنك الدولي إلى أن جهود الدولة لإعادة بسط حضور المؤسسات في المراكز ساهمت في دعم التعافي الأولي، لا سيما مع تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً في أجزاء من الخرطوم والوسط والشمال. وتقدر الإيرادات الحكومية بأقل من 5 في المئة من الناتج خلال عامي 2024 - 2025، بما يحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات وإعادة الإعمار.
وتظل الأزمة الاقتصادية مرتبطة مباشرة بأمن الغذاء، فقد خلصت لجنة مراجعة المجاعة التابعة لـ"مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" IPC في سبتمبر (أيلول) عام 2025 إلى أن الفاشر وكادوقلي كانتا في مرحلة المجاعة، مع استمرار الظروف حتى يناير (كانون الثاني) الماضي، بينما ظلت مناطق أخرى معرضة للخطر. وفي تحليلها الأخير، قالت "مبادرة التصنيف المرحلي" إن نحو 20 مليون شخص، أي 41 في المئة من السكان، واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الأشهر الماضية، مع توقع مزيد من التدهور في موسم الجفاف، ورصد خطر المجاعة في 14 منطقة. ويعكس ذلك استمرار تأثير النزوح، وتعطل الأسواق وسلاسل الإمداد، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع كلف المدخلات والنقل.
ومع ذلك، تظهر المؤشرات قدراً من الاستقرار النسبي في الولايات الأقل تضرراً، واستئنافاً جزئياً للنشاط التجاري والخدماتي، بما يتيح أساساً التعافي المحدود. ويتوقع بنك التنمية الأفريقي نمو الاقتصاد بنحو 2.1 في المئة خلال هذا العام، مع بقاء التضخم والعملة والمالية العامة في مستوى عالٍ من التذبذب. ويظل المسار الاقتصادي مرهوناً بتحسن الأمن، واستعادة الإنتاج والتجارة، وتوسيع الإيرادات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل الإنساني والتنموي، مع استمرار الحاجة إلى إصلاحات مالية ومؤسسية تدريجية.
اختلالات نقدية
تقول المواطنة سهير محمد علي إن الارتفاع المتسارع في أسعار السلع أصبح مرتبطاً، بالتقلبات الحادة في سعر الصرف، موضحة أنها قد تشتري السلعة صباحاً بسعر، ثم يفاجئها التاجر برفعه فور صعود الدولار، حتى عندما تكون البضاعة قد اشتريت بالسعر السابق، بينما لا ينعكس انخفاض العملة الأجنبية بالسرعة نفسها على الأسعار. وترى أن هذا النمط يزيد الضغوط على الأسر، لا سيما أصحاب المرتبات المحدودة، ويجعل التخطيط للنفقات اليومية أكثر صعوبة. ومن جانبه، يقول المواطن مصطفى المنا إن موجة الغلاء امتدت إلى معظم الحاجات الأساسية، في وقت لا تواكب فيه الأجور والدخول حركة الأسعار التي تقفز من يوم إلى آخر. أضاف أن ارتفاع كلف الخبز والمواصلات والسكر وغيرها أصبح يضغط بصورة خاصة على ذوي الدخل المحدود، داعياً إلى تعزيز التدابير التي تساعد على استقرار الأسواق وتيسير حصول المواطنين على السلع والخدمات الأساسية.
ورأى الأستاذ في الدراسات المصرفية صلاح إبراهيم هذه التطورات باعتبارها انعكاساً لاختلالات نقدية وتمويلية أفرزتها الحرب، موضحاً أن الجنيه فقد بدرجة كبيرة قيمته أمام العملات الأجنبية، وأن اتساع الفارق بين أسعار الصرف الرسمية والموازية يزيد من حال الاضطراب، ويؤثر في كلفة الاستيراد والأسعار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير بيانات حديثة إلى أن قفزة سعر الجنيه مقابل الدولار في السوق الموازية، نتيجة للتقلبات الحادة، بينما ظلت الأسعار المصرفية أدنى، بما يعكس التجزؤ النقدي.
وأشار إبراهيم إلى أن انتقال أثر سعر الصرف إلى السلع لا يحدث بصورة متناظرة، إذ قد يرفع التجار الأسعار تحوطاً من تكلفة الاستبدال ومخاطر تراجع الجنيه، بينما يتطلب خفضها استقراراً في السوق وتراجع توقعات التضخم. ولفت إلى أن المعالجة تستلزم، بالتوازي مع تحسين الأمن واستعادة الإنتاج، تعزيز إمدادات النقد الأجنبي، ودعم القطاع المصرفي، وتوسيع الإيرادات العامة، وتحسين انضباط الأسواق، مع جهود مؤسسات الدولة لانتظام الخدمات. وتظل حماية القوة الشرائية رهناً بتقليص الاختلالات النقدية والإنتاجية، وتوفير بيئة مستقرة.
مسار الأزمة
ربما لن يحسم مسار الاقتصاد السوداني بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بتطور الحرب، وقدرة الدولة على حماية مناطق الإنتاج والتجارة، واستعادة دورة النقد الأجنبي. على المدى القريب، يمكن أن يبقى السيناريو الأساس هو استمرار الضغوط وارتفاع كلفة المعيشة، مع احتمال تفاقمها إذا اتسعت فجوة النقد الأجنبي، أو انخفضت التحويلات والصادرات، أو تعطلت الموانئ والطرق. ويقوم أي تحسن محدود على شرط بقاء المناطق الأكثر استقراراً قادرة على الإنتاج والتبادل، مع تحسن نسبي في الزراعة وحركة التجارة.
على المدى المتوسط، يحتمل أن يقوم التصور على انتقال تدريجي من اقتصاد تمويل الحرب إلى اقتصاد تمويل الإنتاج. ويستند ذلك إلى إمكان توجيه الشراكات مع القطاع الخاص نحو الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والطرق والموانئ، بالتوازي مع إعادة الإعمار وتوسيع قاعدة الإيرادات. غير أن هذا المسار مشروط بتحسن أمني يسمح بتدفق رأس المال والسلع، ووجود قواعد مصرفية ومالية أكثر انتظاماً، وقدرة الحكومة على حماية الاستثمار من المخاطر السياسية والتشغيلية.
أما على المدى البعيد، فيمكن أن يتحول السودان إلى اقتصاد إعادة بناء، لا بمجرد انتهاء القتال، وإنما بإعادة توحيد السوق والنظام المصرفي، ودمج الصادرات في المالية العامة، واستقطاب مدخرات السودانيين بالخارج ورؤوس الأموال الخارجية. ويمكن ابتكار صناديق لإعادة الإعمار بضمانات حكومية، ترتبط بعوائد الذهب والزراعة والموانئ، وتمنح حوافز للمغتربين وتمويلاً تشاركياً للمشروعات الصغيرة، لكن نجاح هذا السيناريو مشروط بسلام مستدام، وشفافية مالية، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد.
وبذلك، يتوقع تفاقم الضائقة أولاً قبل أي انفراج، إذ لا يكفي الاستقرار النسبي ما لم يتحول إلى إنتاج وصادرات وإيرادات وفرص عمل. وعليه، فإن معيار التحسن الحقيقي ليس انخفاض الأسعار سريعاً، بل قدرة الاقتصاد على استعادة وظائفه الأساسية، وتمويل الإنتاج، وتوسيع فرص العمل، وتقليص الاعتماد على المساعدات.