Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما جدوى الأدب؟

طرح هذا السؤال في كل ثقافات العالم

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك، وفي كل سنة تحقق آلاف العناوين الأدبية مبيعات خيالية (غيتي/ أيستوك)

ملخص

أما قال كوكتو يوماً: "أعرف أن الشعر ضروري، غير أنني لا أدري لأي غرض".

فما جدوى الأدب؟

سؤال الأزل ومن الأزل؟

سؤال يبدو محيراً معرفياً وسيكولوجياً، نسحبه معنا وفينا منذ الأزل من خلال النقد الأدبي ونظرية الأدب وسوسيولوجيا الأدب وفلسفة الفن، ولا يزال يطرح حتى الآن، ما جدوى الأدب، كتابة وقراءة؟

طُرح هذا السؤال في كل ثقافات العالم، يطرحه القارئ وهو يهم بشراء كتاب، ويطرحه كل كاتب على نفسه في لحظة من اللحظات، قد تكون لحظة تشاؤم وقد تكون لحظة تفاؤل وقد تكون لحظة غموض، وربما تكون في خريف العمر أو في أوله أو في منتصفه، وربما تكون بعد الوصول إلى قمة الشهرة، وربما تكون بعد فقدان كل أمل فيها، ومع ذلك في اليوم التالي أو في اللحظة الموالية يعود ذئب الأدب يعوي في رأس القارئ كما في رأس الكاتب.

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك تواصل المطابع يومياً طرح آلاف الروايات وآلاف كتب الشعر بكل اللغات، وتكبر غابة المنافسة بين الكتاب، وتحرك الغيرة بعضهم ضد بعض، وتبدأ مشاريع جديدة.

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك، في كل عام تولد دور نشر جديدة في المدن الكبرى وفي الصغرى، في البلدان الغنية وفي البلدان الفقيرة، وتختفي دور نشر أخرى.

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك، وفي كل عام تحقق آلاف العناوين الأدبية مبيعات خيالية، وفي بعض البلدان هناك اقتصاد الأدب وهو اقتصاد برأسمال متعاظم.

ما جدوى الأدب؟ وفي كل يوم تغلق مكتبة وتفتح أخرى في الجهة الأخرى؟  

ما جدوى الأدب؟ وفي كل يوم يموت كاتب مشهور أو مغمور ويولد كاتب جديد يحلم بأن يصبح نجماً يحقق شهرة ويستقبل استقبال نجوم كرة القدم أو المغنين!

منذ الكتابة على الحجر، مروراً بالكتابة على البردي وسعف النخيل، ووصولاً إلى الكتابة على الورق والشاشة، والكاتب يقاتل كي يوجد من حلال الكتابة وهو يتساءل، ما جدوى الأدب؟

يسخر أحدهم قائلاً "هل الأدب يطعم الخبز أو يداوي الأمراض أو يساعدنا في صناعة طائرة أو قطار أو دراجة هوائية نركبها كي نتوجه للعمل؟"، ويبتسم السائل هذا بسخرية وهو يمر أمام مكتبة بواجهة زجاجية تعرض عشرات العناوين الجديدة.

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك، في كل جامعات العالم هناك كلية للآداب، يدخلها سنوياً آلاف الطلبة، مجبرين أو مخيّرين، وفي كل عام يتخرج فيها مثل ذاك العدد أو أكثر، وككل سنة تُدرّس المعلقات والمتنبي وبشار وبودلير وشكسبير ونجيب محفوظ ونزار قباني ومكسيم غوركي ودوستويفسكي وهمنغواي والمعري والتوحيدي وحنا مينة والطيب صالح وتشيكوف وزولا وفيكتور هوغو ومحمد ديب ومولود معمري وكاتب ياسين والشابي وجلال حيدر والجواهري ورسول حمزاتوف... وفي لحظة من لحظات السنة الجامعية قد يتساءل الطالب أو الطالبة وهو يقرأ معلقة طرفة بن العبد أو امرؤ القيس، ما جدوى الأدب؟ يترك المعلقة ويتعلق بأمر آخر، وفي اليوم التالي يعود للمعلقة وينتظر نهاية السنة معلقاً "ما جدوى الأدب؟"، ليبدأ رحلة أخرى مع كاتب أو كتاب آخر.

كلما قيل "ما جدوى الأدب"؟ تعلن مؤسسة عن إنشاء جائزة باسم كاتب أو باسم مدينة أو باسم رجل أعمال كان عاشقاً للأدب، فتعود شهوة الكتابة عند بعضهم، ويرتفع منسوب "أدرينالين" التنافس.

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك، في بلد كفرنسا هناك أزيد من 3000 جائزة سنوية مخصصة للأدب، وفي ألمانيا مثلها والحال نفسها في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.

ما جدوى الأدب؟ ومع كل دخول أدبي تنزل إلى السوق، في فرنسا وحدها، وفي جنس الرواية وحده، قرابة الـ 1000 عنوان دفعة واحدة.

ما جدوى الأدب؟ ولا تزال كثير من المدن تحتفل ببائعي الكتب القديمة "البوكينسيت"، وتُعدّهم إرثاً حضارياً مهماً ومتميزاً، والناس لا يزالون يسعدون بشراء كتاب معروض على الرصيف، نصف مهترئ، وقد تداولته الأيدي من قبل.

ما جدوى الأدب؟ وكم من كاتب جرّته قصيدة أو رواية إلى السجن أو المنفى أو الملاحقة القضائية.

ما جدوى الأدب؟ ومع ذلك، كثير من الأنظمة الديكتاتورية ترتعد لكتاب، فتحاصره وتمنعه وتحرقه.

ما جدوى الأدب؟ وما السر في تصرف هذا الشاب الكاتب الصاعد الذي يبيع هاتفه أو ساعة يده كي يطبع رواية أو مجموعة شعرية على حسابه!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما جدوى الأدب؟ وفي اليابان بلد التكنولوجيا وثقافة الشاشة والصورة، ومع ذلك تقضي طوابير القراء من هذا الشعب الصارم ليلتها عند باب المكتبة التي ستعرض في اليوم التالي ابتداء من الساعة الثامنة عنواناً جديداً لهاروكي موراكامي، كي يحظوا بنسخة قبل نفاد الطبعة.

ومثل اليابان هناك بلدان أخرى تعيش طفرة تكنولوجية متوحشة كالصين والولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإنجلترا والهند وكوريا الجنوبية وألمانيا… ففي هذه البلدان، وعلى رغم الأنوف المغروسة في الشاشات الذكية، هناك في الجانب الآخر الطوابير على بعض الكتب بمجرد الإعلان عن صدورها؟

ما جدوى الأدب؟ وكثرٌ من المساجين يفكرون في انتظار كتاب للقراءة قبل قفة الطعام، لأن القراءة تجعلهم يعيشون خارج الزنزانة وهم داخلها.

ما جدوى الأدب؟ وكثير من الكتب تعيش معنا وهي النازلة من قرون غابرة وفي كل عام يعاد طبعها بملايين النسخ عبر العالم، وفي كل اللغات، "الإلياذة" و"الكوميديا الإلهية" والأساطير ومسرحيات شكسبير و"الشاهنامه" و"ألف ليلة وليلة"...

أليس سر الأدب في غموضه؟ 

أليست جدوى الأدب في لا جدواه؟

أما قال كوكتو يوماً: "أعرف أن الشعر ضروري، غير أنني لا أدري لأي غرض".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء