ملخص
يدفع ارتفاع التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية في إيران مزيداً من العمال وأصحاب المهن إلى القبول بأجور أقل للحفاظ على فرص العمل ومصادر الدخل، في وقت تتسع الفجوة بين الرواتب وكلف المعيشة، وتتنامى ظاهرة "العاملين الفقراء".
في مجتمع ترتفع فيه أسعار السلع والخدمات يومياً بوتيرة متسارعة، وتدفع أعداداً متزايدة من الأشخاص إلى دائرة الفقر والعوز، تصبح القوى العاملة بدورها عرضة للاستغلال، مما يعني أن الأجور لا يقتصر الأمر على عدم زيادتها بما يتناسب مع التضخم، بل إنها تتراجع أيضاً.
وفي مثل هذا المجتمع، تؤدي موجة البطالة من جهة والحاجة الملحة للدخل من جهة أخرى إلى دفع بعض الباحثين عن عمل وأصحاب الأعمال الصغيرة إلى القبول، من أجل تأمين معيشتهم، بالعمل مقابل أجور أقل مما كانوا يتقاضونه في السابق.
وتشير روايات ميدانية إلى أن هذا يحدث حالياً في الأقل في بعض المهن في إيران، فعلى سبيل المثال كان أحد عمال الصيانة يتقاضى في سبتمبر (أيلول) من عام 2025 نحو 7.7 دولار أجرة لتبديل عدد من حنفيات المياه، لكنه ينفذ العمل نفسه حالياً مقابل نحو 5.4 إلى 6.2 دولار، ويقول "لا خيار أمامي، إذا طلبت من الزبون مبلغاً أكبر، فسأخسر حتى هذا الدخل الضئيل، مع أن هذا المبلغ لا يغطي حتى كلفة المواد التي أستخدمها في العمل".
ويظهر تقرير مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي بلغ 89 في المئة، فيما اقترب معدل التضخم السنوي، بحسب التقرير نفسه، من 70 في المئة، وعلى رغم أن هذه المؤسسة الحكومية تعتمد دائماً الحدود الدنيا في تقاريرها الإحصائية، فإن الاستناد إلى بياناتها وحدها يعني أن الأسر الإيرانية دفعت في المتوسط كلفة أعلى بنسبة 89 في المئة لشراء المجموعة نفسها من السلع والخدمات مقارنة بأغسطس عام 2025.
ويأتي ارتفاع معدل التضخم في وقت أغلقت أعداد كبيرة من الشركات والأعمال أبوابها خلال الأشهر الأخيرة، فيما يواجه عدد كبير آخر خطر الانهيار، كما لا يزال معدل البطالة يعكس وضعاً آخذاً في التدهور.
إن اجتماع التضخم والبطالة اللذين يشكلان أساس احتساب مؤشر البؤس، لا يكشف سوى عن جانب من الضغوط التي تتعرض لها القوى العاملة، وفي المقابل تكشف المعطيات الميدانية عن ظاهرة متنامية وأكثر إثارة للقلق، تتمثل في اضطرار بعض العمال والعاملين إلى القبول بأجور مساوية لما كانوا يتقاضونه سابقاً أو حتى أقل منها، خشية فقدان دخلهم المحدود أصلاً.
وحوّلت هذه الأوضاع التنافس على إيجاد فرص العمل لدى بعض شرائح المجتمع إلى تنافس على القبول بالعمل بأجور أقل.
عمال بأجور أدنى من الحد الذي أقره المجلس الأعلى للعمل
بموجب قرار المجلس الأعلى للعمل، حُدد الحد الأدنى لأجور العمال لعام 2026 بأقل من 131 دولاراً شهرياً، ومع إضافة نحو 23 دولاراً بدل سكن، ونحو 17 دولاراً بدل سلع استهلاكية، يصل إجمال المبلغ إلى قرابة 169 دولاراً شهرياً.
ويظل هذا الرقم بعيداً من الكلفة الحالية لسلة المعيشة التي تبلغ نحو 308 دولارات، ومع ذلك، فإن بعض العمال، ولا سيما العاملين في الوظائف غير الرسمية والورش الصغيرة والأعمال اليومية والمهن التي لا توفر عقود عمل أو تأميناً، لا يحصلون حتى على هذا المبلغ، ويحرمون من الحد الأدنى للأجور.
وبعبارة أخرى، فإن الخوف من البطالة، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، بات يؤثر حتى في قدرة العمال على التفاوض للحصول على هذا الأجر، وتفيد روايات بأن بعض العاملين بأجر، عندما يعترضون على تدني رواتبهم أو محدودية ما يتقاضونه، يواجهون رداً صريحاً من صاحب العمل "إذا لم يناسبك هذا المبلغ، فيمكنك الرحيل".
علي واحد من هؤلاء، وهو عامل الخدمات لدى شركة تنشط في توزيع المعدات الطبية، ويتقاضى راتباً شهرياً قدره نحو 138 دولاراً، ويعمل في الشركة من التاسعة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر، ثم يعمل بسيارته الخاصة بعد الظهر عبر تطبيق "سناب" حتى ساعة متأخرة من الليل، أو كما يقول "ما دامت لدي طاقة"، لتعويض النقص في دخله وتأمين نفقات المعيشة.
ولم تنجُ الشركة التي يعمل فيها علي من الأزمة الاقتصادية، إذ استغنت خلال الأشهر الستة الماضية عن أكثر من نصف موظفيها، وكان علي يخشى سابقاً أن يدرج اسمه ضمن قائمة المسرّحين، لكن صاحب العمل طمأنه إلى إمكان مواصلة عمله، ومع ذلك، عندما اشترط مالك المنزل في مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري زيادة الإيجار بنحو 62 دولاراً، وإضافة نحو 3846 دولاراً إلى مبلغ التأمين مقابل تجديد عقد الإيجار، طلب علي من المدير التنفيذي للشركة زيادة راتبه، إلا أن الرد الذي تلقاه كان أن الشركة تمر بأوضاع مالية سيئة وتقف على حافة الإفلاس، ولا تستطيع دفع راتب أعلى له.
وقال له المدير التنفيذي للشركة خلال المحادثة نفسها إنه كان فكر أثناء تسريح الموظفين في إلغاء وظيفة عامل الخدمات أيضاً، لكنه عدل عن ذلك بعدما علم بمشكلاته المالية وظروفه المعيشية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن ترك العمل ليس بهذه السهولة بالنسبة إلى علي، فراتبه البالغ نحو 138 دولاراً، وإن كان لا يكفي لتغطية نفقات معيشته ويضطره إلى العمل في وظيفة ثانية بعد انتهاء دوامه، يظل دخلاً ثابتاً لا يريد المخاطرة بفقدانه في ظل أوضاع سوق العمل الحالية، ومع ذلك، يؤكد أنه لا يشعر بالاستياء من المدير التنفيذي للشركة، وأنه يتفهم ظروفه أيضاً، ويقول "صاحب العمل لدي شخص جيد حقاً، أعلم أنه لو استطاع لرفع راتبي، وأتفهم أن الشركة نفسها تعاني مشكلات مالية، كثير من أصحاب العمل لا يعاملون العمال حتى بهذه اللغة الطيبة وهذا القدر من التعاطف".
ويضيف أن تجارب أشخاص من محيطه تظهر أن بعض أصحاب العمل يردون على الاعتراض على تدني الأجور أو طلب زيادتها بردود جافة "في أماكن كثيرة، إذا قلت إنني لا أستطيع العيش بهذا المبلغ، يقولون لك بكل بساطة ’إذا لم يعجبك فلا تأتِ! سنأتي بشخص آخر‘، فعدد الباحثين عن عمل كبير إلى درجة أن هناك من يوافق على العمل حتى مقابل مبلغ أقل".
العاملون لحسابهم الخاص يتنافسون على تقديم العمل بأجر أقل
لكن تراجع قيمة العمل لا يقتصر على العمال الذين يتقاضون رواتب، ففي الجانب الآخر من السوق، يواجه أصحاب الأعمال الصغيرة والأشخاص الذين لا يعملون لدى أصحاب عمل ويعتمدون مباشرة على مهاراتهم وجهدهم لكسب الدخل شكلاً آخر من المشكلة نفسها.
ويواجه كثير من هؤلاء العاملين لحسابهم الخاص في قطاعات مختلفة ارتفاعاً متواصلاً في كلف إيجار أماكن العمل والأدوات وقطع الغيار والمواد الأولية، في وقت لم يعُد زبائنهم يمتلكون القدرة السابقة على الدفع، ونتيجة لذلك، اضطروا إما إلى الإبقاء على أجورهم من دون تغيير، وإما إلى خفضها.
وفي هذا الجزء من سوق العمل أيضاً، يدور التنافس على الزبون الذي يرجح أن يستفسر عن سعر تنفيذ العمل لدى أكثر من شخص، ثم يختار في النهاية الخيار الأقل كلفة، ولذلك، يعرض من يحتاج إلى دخل فوري سعراً أقل حتى يدخل بعض المال إلى صندوقه، وبهذه الطريقة، باتت أجور كثير من العاملين لحسابهم الخاص تتحرك في اتجاه معاكس لمعدل التضخم.
ويؤكد صاحب ورشة خياطة صغيرة في جنوب طهران أن هذه الحال تنطبق عليه تماماً، إذ لم يتمكن خلال العام الماضي من رفع أجره إطلاقاً، على رغم ارتفاع أسعار كل شيء، بدءاً من إيجار الورشة ووصولاً إلى الأقمشة وأدوات العمل، ويقول "إذا رفعت السعر، فسيهرب الزبون".
ويواجه ميكانيكي في شرق طهران ظروفاً مشابهة، ويوضح أنه تقاضى قبل أيام فقط أجراً مقابل تبديل ناقل حركة يعادل الأجر الذي كان يتقاضاه قبل ستة أشهر، على رغم الارتفاع الحاد في أسعار معظم السلع والخدمات خلال هذه الفترة، ويضيف "العام الماضي، كنت أتقاضى نحو 31 دولاراً لإصلاح محرك سيارة ’برايد‘، لكنني هذا العام قبلت، مع بعض الزبائن الذين يعانون أوضاعاً مالية صعبة، بأقل من 23 دولاراً".
وتظهر مراجعة ميدانية لأسعار بعض الخدمات في طهران أن أجور كثير من الأعمال خلال عام 2026 إما لم تتغير مقارنة بالعام الماضي، وإما ارتفعت بنسبة ضئيلة جداً، ومن الأمثلة على ذلك عامل متخصص في إصلاح محركات المكانس الكهربائية المنزلية، كان يتقاضى حتى العام الماضي نحو 6.2 إلى 8.5 دولار، فيما أصبح أجره هذا العام نحو 6.9 إلى 9.2 دولار.
وبالمثل يقول فني لتركيب مبردات الهواء التبخيرية إنه كان يتقاضى العام الماضي نحو 11.5 إلى 15.4 دولار من الزبون، فيما يراوح أجره حالياً ما بين 13 و16.9 دولار.
أما بالنسبة إلى بعض العاملين لحسابهم الخاص، فالوضع أكثر سوءاً من ذلك، إذ أصبحت أجورهم أقل مما كانت عليه قبل بضعة أشهر أو حتى قبل عام، وهؤلاء يضطرون في الغالب إلى القبول بأجور أدنى من السابق بسبب مواجهتهم أزمة تهدد قدرتهم على الاستمرار.
ومن الممكن أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى نشوء مجتمع لا يعني فيه امتلاك وظيفة وكسب دخل الخروج من دائرة الفقر أو التمتع بمستوى نسبي من الرفاه، بل يصبح الأفراد فيه عرضة للاستغلال بصورة فعلية، وعلى رغم عملهم لساعات طويلة على مدى اليوم، يظلون عاجزين عن تأمين أبسط نفقات الحياة، فيما تتسع ظاهرة العاملين الفقراء.
وكان مركز أبحاث البرلمان أشار سابقاً في تقرير إلى ظهور ظاهرة العاملين الفقراء، ووفقاً للتقرير، شهدت إيران حتى النصف الثاني من العقد الثاني من الألفية تباطؤاً في النمو الاقتصادي وتخلف الحد الأدنى للأجور عن التضخم، ومع ذلك، كان عمل رب الأسرة يضمن نسبياً بقاء الأسرة بعيداً من الفقر، لكن منذ عام 2018، تراجع دور العمل في الحد من الفقر، إلى أن أصبح أثره في نهاية المطاف متقارباً إلى حد كبير بين الأسر الفقيرة وغير الفقيرة.