Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تماثيل لنساء سود في بريطانيا... أين اللواتي صنعن التاريخ؟

إقامة تمثال لامرأة سوداء على القاعدة الرابعة في ميدان ترافالغار خطوة مهمة، لأن أشخاصاً عاديين مثلي نادراً ما مُنحوا حضوراً دائماً في الفضاءات المدنية الكبرى

 ستشغل "السيدة بالثوب الأزرق" لتشابالالا سيلف القاعدة الرابعة في ميدان ترافالغار (انستغرام/ لندن.غوف.يوكي)

ملخص

تشهد بريطانيا تحولاً تدريجاً في تماثيلها العامة مع تزايد حضور النساء السود، بعدما ظلت ساحاتها قروناً حكراً إلى حد بعيد على الرجال البيض من النخب. لكن الفجوة لا تزال كبيرة، إذ لا تخلد سوى سبع منحوتات عامة نساء سوداوات معروفات بالاسم، مما يجدد النقاش حول من يستحق مكاناً في الذاكرة العامة للبلاد.

لم تتردد بريطانيا كثيراً يوماً في تحديد من يستحق أن يُخلد في هيئة تمثال، فعلى مدى قرون، ازدانت ساحاتها العامة ومساحاتها الخضراء بتماثيل برونزية لملوك وقادة عسكريين وسياسيين وصناعيين، شخصيات جاءت في غالبيتها الساحقة من أوساط النخبة البيضاء الذكورية.

ووفق أحدث مسح وطني أجرته منظمة "آرت يو كيه"، فإن من بين 2498 منحوتة عامة، تخلّد شخصاً محدداً بالاسم، هناك 2054 لرجل و444 فقط لنساء، ومن بين هؤلاء النساء سبع فقط من البشرة السوداء.

حين كنت طفلة صغيرة في ثمانينيات القرن الماضي، أذكر أنني شاهدت إزاحة الستار أمام مركز التسوق في ميلتون كينز عن "فوكس بوب" Vox Pop، وهي منحوتة برونزية أكبر من الحجم الطبيعي، تجسّد ستة أشخاص عاديين، أنجزها جون كلينتش، المعروف بأعماله الفنية العامة ذات الطابع الشعبي والمرح.

ومن بين الشخصيات التي جسدها كلينتش أمّ سوداء تدفع عربة طفل، امرأة من عامة الناس أدرجها عمداً في رؤيته اللافتة والمستشرفة لمستقبل لبريطانيا الحديثة.

وهكذا نشأتُ وأنا أرى أماً سوداء جزءاً من نسيج مدينتي، قبل أن أمتلك الكلمات التي تتيح لي فهم لماذا كان لذلك أهمية؟

واليوم، وإن لم تصبح المرأة السوداء العادية حاضرة في كل مكان بعد، فقد بدأت أخيراً تحظى بالمكانة التي طال انتظارها.

في عام 2008، عندما أزيح الستار في ستوكويل جنوب لندن عن منحوتة سيسيل نوبريغا "المرأة البرونزية" Bronze Woman، التي تُجسد أُماً أفريقية كاريبية تحمل طفلها، وُصفت على نطاق واسع بأنها أول نصب في إنجلترا لامرأة سوداء، ولم تكن كذلك في الحقيقة، لكننا سنعود لذلك لاحقاً.

 

وبعد نحو عقدين تشهد الساحة تحولاً أكثر أهمية، فالقاعدة الرابعة في ميدان ترافالغار، وهي الموقع الشاغر الذي كان من المقرر أن يحمل تمثالاً آخر من العصر الفيكتوري، للملك وليام الرابع، قبل إلغاء المشروع بسبب نقص التمويل، أصبحت اليوم مساحة تختبر فيها بريطانيا الحديثة، من أو ماذا تريد أن تضع على قاعدة تمثال؟

وعلى مدى العامين المقبلين، ستشغل "السيدة بالثوب الأزرق" (Lady In Blue) واحداً من أكثر المواقع ارتباطاً بالرمزية الإمبراطورية في بريطانيا. والعمل منحوتة برونزية ضخمة مطلية، تجسد امرأة سوداء تمضي بخطى واثقة، من إبداع النحاتة تشابالالا سيلف المولودة في هارلم.

وتصوّر منحوتة سيلف امرأة سوداء شابة من بيئة حضرية حديثة، تمثل المرأة العادية، وهي تخطو إلى الأمام بفستان أزرق لافت وحذاء عالي الكعب، وستقف وسط معالم ارتبطت تاريخياً بسلطة الرجال والقوة العسكرية والإمبراطورية، ذلك الإرث البصري لرجال غزوا وقادوا، أما هي فلا تنتمي إلى أي من هؤلاء، بل تدخل ببساطة إلى المشهد التذكاري الذي كثيراً ما غابت عنه مثيلاتها.

تأتي "السيدة بالثوب الأزرق" ضمن موجة جديدة من المنحوتات التي تجسد نساء سوداوات عاديات، ففي حي "بو" شرق لندن، يبرز على ضفاف نهر لي تمثال يبلغ ارتفاعه تسعة أقدام لامرأة سوداء شابة تتفقد هاتفها، من أعمال النحات البريطاني الأسود توماس جي برايس، وعلى امتداد النهر، خارج متحف "في أند أيه إيست" في الحديقة الأولمبية، ينتصب عمل آخر لبرايس يبلغ ارتفاعه ضعف ذلك التمثال، ويجسد امرأة سوداء متخيلة بملابس عادية، التُقطت هي الأخرى في لحظة يومية مألوفة.

 

قد تبدو هذه خطوات صغيرة، لكنها مهمة، لأن المرأة السوداء العادية نادراً ما حظيت بحضور دائم في الساحات والفضاءات العامة الكبرى، التي تختار من خلالها الأمة الشخصيات التي تستحق أن تبقى في ذاكرتها، لكن هذا التقدم يسلط الضوء أيضاً على غياب آخر، إذ إن بعض النساء السود الحقيقيات، اللواتي أسهمن في تغيير هذا البلد، ما زلن غائبات بصورة لافتة.

سبق أن ذكرتُ أن بريطانيا لا تضم سوى سبع منحوتات عامة لنساء سوداوات، معروفات بالاسم، وإذا احتجتم إلى هذه المعلومة يوماً في مسابقة معلومات عامة في إحدى الحانات، فإليكم الأسماء:

في عام 2016، أزيح الستار أمام مستشفى سانت توماس في جنوب لندن عن نصب لماري سيكول، الممرضة المولودة في جامايكا، والتي خدمت خلال حرب القرم.

وفي الساحة المركزية في كارديف، ينتصب تمثال برونزي للرأس والكتفين بارتفاع أربعة أمتار لبيتي كامبل، أول مديرة مدرسة سوداء في ويلز، وفي حديقة مجتمعية في كينغز كروس، يوجد نصب من الحجر الأحمر لماري وولاستون، وهي امرأة سوداء عاشت في القرن الـ 17، وكانت تشرف على بئر محلي تُنسب إلى مياهه خصائص علاجية، وتُخلد هارييت توبمان، التي هربت من العبودية وأصبحت من أبرز المناضلات من أجل إلغائها، في مكتبة هدرسفيلد.

وفي مانشستر يوجد نصب للناشطة من أجل السلام الدكتورة إيرينما بيل، وفي إدنبرة بارك تُخلد الشاعرة الاسكتلندية جاكي كاي.

وهناك أيضاً مانش ماسيمولا، الشهيدة المسيحية من جنوب أفريقيا التي توفيت في سن الـ15، والتي يقبع تمثالها فوق الباب الغربي الكبير في كنيسة وستمنستر منذ عام 1998، مما يجعلها أول امرأة سوداء معروفة بالاسم، يُقام لها تمثال في بريطانيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، فهل هذا كل شيء؟

أين النُصب التي تخلد سائر النساء السود البارزات، اللواتي أسهمن في تشكيل التاريخ والثقافة والمجتمع البريطاني، بصفتهن رائدات وناشطات وفنانات؟

أين نصب ليليان بادر، إحدى أولى النساء من أصول مختلطة، اللواتي انضممن إلى القوات المسلحة البريطانية؟ ومارغريت بوسبي، أول ناشرة سوداء في بريطانيا؟ وماذا عن كاثلين وراساما، وسارة فوربس بونيتا، وكوني مارك، ومايفيس بيست، ودايان أبوت، ونيكولا آدامز، ودينيز لويس، وناعومي كامبل، والبارونة لورانس؟ والقائمة تطول.

بعد مقتل جورج فلويد واحتجاجات حركة "حياة السود مهمة" عام 2020، أصبحت التماثيل جزءاً من جدل أوسع حول الشخصيات التي صُممت الفضاءات العامة لتخليد تاريخها، ففي بريستول، أسقط محتجون تمثال تاجر الرقيق إدوارد كولستون، الذي عاش في القرن الـ 17، عن قاعدته وألقوه في مياه مرفأ بريستول.

ولفترة، انشغلت البلاد بالجدل حول من لم يعد يستحق أن يبقى على قاعدة تمثال، وبعد ستة أعوام بات السؤال الأهم: من حُرم من مكان على تلك القواعد منذ البداية؟

والآن دخلت الأمم المتحدة أيضاً على خط هذا النقاش، ففي الشهر الماضي دعت إرشادات جديدة صادرة عن "لجنة القضاء على التمييز العنصري"، التابعة لها الدول التي شاركت سابقاً في تجارة الرقيق، إلى استخدام الفضاءات العامة لتكريم إسهامات المنحدرين من أصل أفريقي، بما في ذلك من خلال التماثيل والأعمال الفنية، وهكذا لم تعد مسألة من يُخلد في الفضاء العام مجرد شأن ثقافي، يتعلق بكيفية عرض تاريخ البلاد، بل باتت تُطرح أيضاً بوصفها جزءاً من العدالة التعويضية.

يعيش السود في بريطانيا منذ ما لا يقل عن 2000 عام، وتخليد ذكرى أولئك الذين خدموا هذا البلد، وأسهموا في تغييره، وإثراء ثقافته، ليس أمراً مبالغاً فيه، بل يمكن اعتباره فعلاً وطنياً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات