Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقتل جورج فلويد يخضع كلاسيكيات أدبية أميركية للمساءلة

"قتل الطائر المحاكي" واحدة من روايات كثيرة تدور أحداثها في إطار التاريخ الأميركي المتصل بالعلاقة العسيرة بين البيض والسود

مشهد من فيلم "قتل الطائر" المحاكي (موقع الفيلم)

يصادف اليوم (11 يوليو - تموز) مرور 60 عاماً على نشر إحدى الروايات المعتبرة بين الأشهر في التراث الأدبي العالمي عموماً وبين الأكثر تأثيراً تعليمياً واجتماعياً في التراث الأدبي الأميركي. ولأنها إحدى المرايا المهمة لتاريخ الولايات المتحدة الحديث الذي لا يُذكر إلا وذكرت معه القضية العنصرية – من العبودية إلى التمييز وهضم الحقوق المدنية – يأتي عيد ميلاد هذه الرواية في سياق بالغ الحساسية.

فهو يتلازم مع عواصف الاحتجاج التي هبّت أواخر مايو (أيار) الماضي وغشَت مختلف أرجاء العالم تحت شعار الحركة المعروفة باسم Black Lives Matter (المترجمة إلى العربية "حياة السود مهمة"). وهي الحركة التي اكتسبت زخماً غير مسبوق بُعيد مقتل الأميركي الأسود جورج فلويد بركبة شرطي أبيض على عنقه. وكانت هذه حلقة أخرى في سلسلة طويلة من أعمال الشرطة القاسية في حق المواطنين السود ومن دون أن يخضع الجناة للمساءلة القانونية دعك من العقاب.

قتل البراءة

الرواية هي "قتل الطائر المحاكي" To Kill A Mockingbird لمؤلفتها الأميركية لي هاربر Lee Harper. والطائر المحاكي يتخذ موطنه في الجنوب الأميركي واكتسب اسمه هذا لقدرته على محاكاة تغريد الطيور الأخرى. وهو – كما ورد على لسان أحد أبطال الرواية – "طائر لا يؤذي أحداً وإنما يُسعد الناس بمختلف أغاريده". ولهذا يمكن القول إن المقصود من عنوان الرواية هو "قتل البراءة" في قصة تتعامل مباشرة مع قضايا التمييز العنصري. وقد كتبتها لي هاربر مستندة بشكل فضفاض إلى ما شاهدته من أحداث معينة في طفولتها بولاية ألاباما العام 1936.

فازت هذه الرواية بجائزة "بوليتزر" في 1961 (العام التالي لنشرها) وبلغ من رواجها أنها لم تنقطع طباعةً منذ ذلك الحين وإلى اليوم، وبيع منها ما يربو على 30 مليون نسخة بما لا يقل عن 40 لغة حول العالم. ومع نجاحها المدوي هذا حولتها هوليوود إلى فيلم شهير بالاسم نفسه في 1962 نال ثمانية ترشيحات لجوائز الأوسكار وفاز بثلاث تشمل أفضل ممثل في دور البطولة لغريغوري بيك. وفي 1990 حُولت إلى مسرحية في مونروفيل (عاصة ألاباما الثقافية) وصارت تُعرض هنا سنوياً بهيئة محلفين يُختار أفرادها من جمهور المشاهدين أنفسهم. وهي تعتبر من أهم كلاسيكيات الأدب الأميركي وجزءاً من المقرّرات المدرسية والأكثر قراءة على الإطلاق، وصنّفها أهل البلاد "الرواية المفضلة" في استطلاع أجري قبل سنتين وشمل عينة من 4.3 مليون شخص. على أن هذه المنزلة الفريدة تقع الآن تحت ضوء جديد سلّطته حركة "حياة السود مهمة" كما سنرى لاحقاً.

أبيض وأسود

تدور أحداث الرواية في بلدة صغيرة متخيّلة بولاية ألاباما خلال فترة الركود الاقتصادي في الثلاثينيات. ونشاهد أحداثها على لسان امرأة تدعى جان لويز وتلقّب "سكاوت" وهي تسترجع وقائع شهدتها وهي بين سنّي السادسة والتاسعة. ويتألف عصب القصة التي ترويها في أن والدها المحامي، أتيكاس فينش، دافع في المحكمة عن شاب أسود اتهمته امرأة بيضاء (بتواطؤ زوجها) بالاعتداء عليها واغتصابها في منزلها. ونعرف، نحن القراء، أنه براء من هذا وأن المدعية حاولت إغواءه، ولما رفض الانصياع لرغبتها انتقمت منه بذلك الاتهام، لعلمها أن المحكمة (البيضاء) ستدينه بلا شك وأنه سيختفي لبقية أيامه في السجن ويختفي معه شعورها بالذنب والمهانة كونه أسود رفض الانصياع لرغبتها وهي البيضاء.

الظاهر والباطن

الجليّ في هذه الرواية هو أن هذه المؤلفة (الشجاعة بفضل سباحتها عكس التيار السائد في زمنها) توخّت الأمانة في نقلها شريحة من الحياة في الجنوب الأميركي بكل ما فيها من اختلال المعايير الأخلاقية الذي صار أبرز مخلّفات تجارة العبيد واعتماد الرخاء المعيشي وسط البيض بأكمله على الأيدي العاملة المسترقّة، ثم ترجم نفسه إلى أحد أبشع أشكال التمييز العرقي. وقد أمْلَت هذه الأمانة على المؤلفة أن تنقل أيضاً المفردات المستخدمة في ذلك العصر في الجنوب الأميركي على شاكلة nigger وnegro وهي مفردات صارت محرّمة اجتماعياً مع تقدم الزمن لما تحويه من مضامين ترتبط بادّعاء أن الأسود أقل مرتبة إنسانية من الأبيض.

فإذا اعتبرنا أن مؤلفة الرواية مجرّد "ساعية بريد" من عصرها وأنها ليست كاتبة الرسالة وإنما ناقلتها لا أكثر، هل يكفي هذا لأن نغضّ البصر عن الرسالة ولغتها ونحتفل في عصرنا الجديد هذا برواية تستخدم اللغة القديمة لمخاطبتنا؟ هذه قضية من الحساسية والأهمية بحيث أن تقريراً لرابطة المكتبات الأميركية وضع هذه الرواية في المرتبة الواحدة والعشرين بين أكثر الكتب المثيرة للانتقادات، بعد موجة من شكاوى الآباء (بين العامين 2000 و2009) إزاء اللغة العنصرية المستخدمة فيها. بل إن ولاية فيرجينيا أُجبرت – لهذا السبب نفسه – على حذفها من قائمة الكتب المدرسية في 2016.

ثم هناك عظم الرواية الظاهر القائل إن بطلها - المحامي الأبيض أتيكاس فينش - مثال السموّ الأخلاقي لقناعته بالظلم الماحق الواقع على إنسان بريء فقط بسبب لونه. فما المشكلة في أن يوافق هذا الأبيض على توظيف مهاراته الدفاعية القانونية كي ينتصر للعدالة في مجتمع ظالم وينقذ رجلاً أسود من مخالبه؟ ما المشكلة في أن يتمتّع رجل بضمير يعلو على المعايير الاجتماعية السائدة في عصره؟ لا مشكلة ربما، غير أن المؤلفة لم تمنح المتهم نفسه غير بضعة أسطر رد بها على أسئلة المحكمة. ولا مشكلة ربما، غير أن الضوء الذي سلّطته الكاتبة على سموّ أخلاق المحامي الأبيض هو القوي الساطع بينما المسلّط على الضحية كان خافتاً إلى درجة أنه أصبح شخصية هامشية بينما أحداث الرواية كلها تدور حوله وخيوطها جميعاً تلتقي في قدره ومصيره.

الجدل حول هذه الرواية تحديداً يمتدّ على مدى 180 درجة مع طرف يقول إنها قدمت ذخيرة هائلة لحركة الحقوق المدنية في الستينيات وأضافت وزناً لقضيتها، بينما يرميها الطرف الآخر بأنها تنتمي إلى عصر الممارسات المخجلة ولا تدينه وبالتالي فهي جزء منه.

وعلى هذا الوتر نفسه فهناك رواية "كوخ العم توم" (1852) لمؤلفتها هارييت بيتشر ستو، المصنّفة في خانة الروايات المعارضة للعبودية وقيل إنها كانت إحدى الأسباب التي مهّدت الطريق إلى الحرب الأهلية الأميركية. ومع ذلك ففي عُرف حركة "حياة السود" فإن هذا نفسه لا يكفي لأنه يقنّن وضع الأبيض كمانح أو مانع للحقوق والحريات بينما الصحيح أن لا يتمتّع بهذا الحق في المقام الأول، وهذا لأن الناس – كل الناس – سواسية ولا يحق لأحد أن يقرر مصير غيره. بعبارة أخرى: العنصرية هي العنصرية سواء خرجت عارية أو لابسة دثار النبل والرحمة.

ذهب مع الريح؟

بالطبع فإن "قتل الطائر المحاكي" واحدة من عدد كبير من الروايات التي تدور أحداثها في إطار التاريخ الأميركي المتصل بالعلاقة العسيرة وشبه المستحيلة بين البيض والسود ومترتّبات العنصرية. وربما كان أسطع مثال للكلاسيكيات الأدبية في هذا الصدد "ذهب مع الريح" المنشورة في 1936 لمؤلفتها مارغريت ميتشيل. وهذه رواية تدور في جورجيا في الجنوب الأميركي أيضاً وتتّخذ من الحرب الأهلية بين الشمال الداعي إلى حرية العبيد والجنوب المتمسك بحقه في الاستعباد خلفية ملازمة لأحداثها.

هذه الرواية هي الوحيدة التي أكملتها ميتشيل والتي بيعت منها 30 مليون نسخة أيضاً بمختلف لغات العالم ونالت مكانة في الوعي الأدبي الأميركي لا سابق له. فقد بلغ سموّ مكانتها حدّ أنها احتلّت المرتبة الثانية بعد الإنجيل في استطلاع أجرته مؤسسة هاريس في 2014 وسط جمهور البلاد عن أهم الكتب في التاريخ. وبالطبع فقد سبقت "قتل الطائر المحاكي" إلى نيل جائزة "بوليتزر" في 1937، ومثلها تحوّلت إلى أحد أشهر أفلام هوليوود بالاسم نفسه في 1939 (بطولة كلارك غيبل وفيفيان لي). ورشّح هذا الفيلم لـ13 جائزة أوسكار نال 8 منها، تشمل أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثلة (فيفيان لي) وأفضل ممثلة في دور مساند (السوداء هاتي مكدانيال). واكتسب الفيلم أهمية إضافية كونه من أوائل الأفلام التي صوّر بألوان "تكنيكولور" التي كانت وراء شهرة هوليوود نفسها في بقية أنحاء الدنيا.

تتناول الرواية إطارها من الحياة في مزارع الجنوب، المرتبطة إلى الأبد بالأيدي العاملة المسترقّة. على أن ميتشيل ظلّت تواجه الاتهام بأنها طبّعت القيم البيضاء التي أحالت الاستعباد جزءاً من ناموس حياة البشر وأسبغت – على سبيل المثال - تعاطفاً كاملاً مع عصابات الـ"كوكلاس كلان" وكأنها تسعى فقط إلى الحفاظ على هوية الجنوب الأميركي الوطنية ولم تؤلِ على نفسها إبادة السود حفاظاً على نقاء العرق الأبيض.

من توين إلى فوكنر

على هذا الطريق تجد الكثير من الأعمال التي لا تعتبر من كلاسيكيات الأدب الأميركي وحده وإنما الأدب العالمي بأكمله. ومن هذه، على سبيل المثال وليس الحصر: "مغامرات هاكلبري فين" (1848) لمارك توين (يسميها البعض "الرواية الأميركية العظيمة") التي تحكي عن رحلة هذا الفتى مع "العبد" جيم على نهر المسيسيبي وتعجّ بأوصاف مهينة مثل nigger في الإشارة إلى السود. وهناك "منزل صغير على سهوب البراري" وهو سلسلة من 8 من كتب الأطفال كتبتها لورا إنغولز وايلدر بين 1870 و1894، واستقت أحداثها من طفولتها في وسط الغرب الأميركي. على أن هذه السلسة تواجه الآن المساءلة – على الرغم من شبه التقديس الذي يحتضنها به المجتمع الأميركي الأبيض - حول تصويرها الأقليات بخاصة الهنود الحمر أهل الأرض الأصليين. وهناك روايات وليام فوكنر على غرار "أبسالوم، أبسالوم" و"الصخب والعنف" وبقية مؤلفاته التي نقلت الحياة في الجنوب الأميركي وأتت له بنوبل الآداب في 1949، وهكذا دواليك.

بل إن إعادة النظر والمحاسبة طالت أفلام والت ديزني الكارتونية، على غرار "كتاب الغابة" حيث تجد أن الوحيد الذي يغنّي بصوت "أسود" هو ملك القرود. وفي فيلم "دمبو" تجد الغربان يتحدثون بأصوات سود، بل إن ديزني أطلق على قائدهم اسم "جيم كرو" العنصريّ الذي يطلق على الرجل الأسود من باب التحقير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المنعطف الأكبر

مما يبدو لنا، يمكن القول إن حركة "حياة السود مهمة" - التي كسرت حاجز الخوف من جائحة الكورنا وأخرجت الناس بالآلاف إلى الشوارع المهجورة في العديد من سائر مدن الولايات المتحدة والعديد من عواصم العالم - فعلت ما عجزت عنه قرون: أن تُجبر أميركا على بلوغ منعطف تاريخيّ تدرك حياله، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن ثمة خللاً عظيماً في نسيجها الاجتماعي بحاجة إلى الإصلاح. وها هي تشهد سقوط التماثيل التي نُصبت للقادة والجنرالات الذين قادوا كونفيدرالية الولايات الجنوبية إلى الحرب الأهلية. وها هي الولايات الجنوبية نفسها تُجبر بقوة الضغط الشعبي على إنزال أعلام الكونفيدرالية الواحد تلو الآخر في وضع جديد يعجز الرئيس ترمب نفسه عن وقف مداه على الرغم ممّا توفر له من سلطان. وإذا كان لـحركة حياة السود أن تفعل هذا بالمؤسسة السياسية، فما بالك بالثقافية؟

التطورات الجديدة المدهشة لن تغيّر طبائع الناس، لأن من نشأ على الكراهية العنصرية يظل كذلك حتى مماته. وكما قال المخرج السينمائي الأسود سبايك لي، فالمشكلة الكبرى هي أن الولايات المتحدة قامت أصلاً على أساسين لا- أخلاقيين، هما الأرض المنهوبة من سكانها الأصليين، والعبودية. وربما أن حركة حياة السود لن تقوى على تغيير "المؤسسة الأميركية" في المستقبل المنظور لأنها لا تملك عصا سحرية تأتي بالمعجزات في لمح البصر وإن انحاز بعض أعمدة الحزب الجمهوري (الناصع البياض) إلى صوت العقل. لكن إنجاز الحركة العظيم حتى الآن يتمثل في التأثير الإيجابي في الإعلام الأميركي، والغربي بالتبعية. وهذه بشارة كبرى لأن تلك الماكينة الإعلامية الجبّارة هي الوحيدة القادرة على تشكيل الرأي العام الغربي. فصرنا نرى خطاباً جديداً ناقداً للنهج القديم المعتاد وحَيِيّاً – للمرة الأولى – من الطريقة الأميركية في معاملة المواطنين الأميركيين السود. ولو بدأ الأمر بإسقاط رموز التمييز العنصري – من تماثيل الكونفيدرالية وإنزال أعلامها – وإخضاع تراث البلاد الأدبي للمساءلة وإعادة النظر في قيمه الأخلاقية، فلكَ أن تتخيّل ما سيأتي لاحقاً.

 

المزيد من ثقافة