ملخص
تفرض التشريعات القانونية الأميركية على شركات الذكاء الاصطناعي التي تقيم مقار لمراكز البيانات الخاصة بها على الأرض شروطاً عدة، أهمها: استخدام الطاقة النظيفة، وتوفير عدد جيد من الوظائف للسكان المحليين، وتقليل التكاليف والضوضاء، وإظهار الشفافية من خلال توضيح من هم الملاك الحقيقين لهذه المشاريع.
ألم وجود مراكز البيانات على الأرض الأميركية سيتمدد إلى أجل غير معلوم؟ وعلى رغم أن الشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي لديها خطط لمعالجة الموضوع، إلا أن خططها غير واقعية ومفتوحة الأمد!
وحديثاً قال الرئيس دونالد ترمب، في شأن الجدل حول موقف أميركا الرسمي من انتشار مراكز البيانات و"تغولها" على مناطق سكن المواطنين الأميركيين، "إن ردود الفعل السلبية تجاه الذكاء الاصطناعي وانتشار مراكز البيانات لتشغيله ما هي إلا سلسلة من الخدع التي اختلقها اليسار".
وأنها تأتي إلى جانب خدعة "التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية"، وخدعة "تغير المناخ"، و"حق التحول جنسياً للجميع". جاء ذلك في منشور على موقع "تروث" أكد فيه الرئيس أيضاً أن " كل شيء بدأ بهجوم على مراكز بياناتنا، إلى أن أدرك الناس مدى أهميتها، وقيمتها للمجتمعات التي بنيت فيها".
ووفقاً لمقالة نشرت في "فايننشال تايمز"، أكد الصحافيان أليكس روجرز وستيفن موريس أن "قضية مراكز البيانات قد تصدرت حملة انتخابات التجديد النصفي. فقد تراجع عدد من الجمهوريين الذين كانوا يؤيدون الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات عن مواقفهم، بعد أن انقلب عليهم ناخبوهم".
على أرض الواقع
تفرض التشريعات القانونية الأميركية على شركات الذكاء الاصطناعي التي تقيم مقار لمراكز البيانات الخاصة بها على الأرض شروط عدة، أهمها: استخدام الطاقة النظيفة، وتوفير عدد جيد من الوظائف للسكان المحليين، وتقليل التكاليف والضوضاء، وإظهار الشفافية من خلال توضيح من هم الملاك الحقيقين لهذه المشاريع.
على رغم ذلك تقيم شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة مراكز بياناتها بمليارات الدولارات في مناطق سكنية صغيرة لاستغلال ميزة انخفاض أسعار الطاقة، وهي بذلك تعرض تلك المناطق ومن يسكن فيها إلى مشكلات بيئية واقتصادية جمة، فيما يذهب عائد هذه المشاريع في نهاية المطاف إلى شركات عملاقة معنية بهذه المراكز، مثل "غوغل" و"انثروبيك" وغيرهما.
فمراكز البيانات التي تخدم شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة التي تقام في مناطق سكنية وبين بيوت المواطنين تستهلك كميات طاقة هائلة، وتترك بصمة كربونية كبيرة، وتسبب كثيراً من المشكلات.
مما يثير عدداً من الأسئلة وأهمها: من يتحمل أعباء هذه الكلفة، الشركات العملاقة، أم دافع الضرائب، أم الحكومات؟ وهل هناك خطط حقيقية أو مؤشرات بدأت تظهر لمعالجة هذا الموضوع؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الإجابة عن هذه الأسئلة تتلخص في أن الشركات العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي لديها خطط لمعالجة هذا الموضوع، لكنها خطط غير واقعية أو طويلة الأمد، ولذلك فهي لا ترضي المواطنين.
فـ"غوغل" على سبيل المثال، لديها مشروع اسمه "سان كاتشر" وهو خطة لإنشاء مراكز بياناتها في الفضاء. بدورها تحاول "أوراكل" استرضاء معارضي مركز بيانات "ستارغيت" ضمن مشروع "جوبيتر" في نيو مكسيكو بكلفة 165 مليار دولار، عبر الترويج لفكرة الطاقة المتجددة، التي تخدم الشركة وتزود في الوقت ذاته السكان المحليين بالطاقة.
في المقابل، يواجه موقع بناء مركز بيانات أوراكل المقترح أيضاً، احتجاجات محلية ومعارك قضائية بسبب مخاوف تتعلق بتأثيراته البيئية. لذلك وحتى هذه اللحظة توصف جهود هذه الشركات بأنها مجرد تضليل، وبناء عليه يمكن القول إن من يتحمل أعباء وجود مراكز البيانات على الأرض حتى الآن هم دافعوا الضرائب.
ترابط مصالح!
زعم خبراء تقنيات عبر مواقع علمية أميركية أن السبب الرئيس وراء عدم التزام الشركات العملاقة بحقوق المجتمعات المحلية الصغيرة هو "ترابط مصالح هذه الشركات بصورة معقدة، مما يصعب معرفة المسؤول قانونياً وأخلاقياً عن المشكلات التي تنتج من وجود مراكز البيانات".
وفي هذا السياق أكدت مقالة نشرت على موقع "ار اس تك" تحت عنوان "شبكة الشركات المعقدة وراء مركز بيانات الذكاء الاصطناعي الذي تبلغ كلفته 3.2 مليار دولار"، أنه عندما تتشارك شركات كبيرة عدة في مشروع مركز بيانات واحد، فإنه لا يعرف حينها من يتحمل مسؤولية المشكلات المترتبة على وجود ذلك المركز.
مثال
تورد المقالة مثالاً على شبكة الشركات المعقدة وراء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لمشروع مركز بيانات "بحيرة مارينر" في "سومرست بنيويورك"، فتضيف "تمتلك شركة تدعى تيرا وولف وتدير مركز بيانات بحيرة مارينر، على أرض تستأجرها من شركة يملكها رئيسها التنفيذي! وهذا يعني أن المستأجر والمؤجر مرتبطان بالشخص نفسه من الناحية العملية. فيما تمتلك "غوغل" ضمانات لحصة مستقبلية تبلغ 14 في المئة من أسهم المركز ذاته، وقد وافقت "غوغل" على ضمان سداد مدفوعات الإيجار للشركة التي تدير المركز، وهي فلويدستاك، أما شركة أنثروبيك فتعد من بين شركات الذكاء الاصطناعي التي وجد هذا المرفق لتلبية احتياجاتها الحاسوبية أيضاً".
موقع مركز بحيرة مارينر
ضمن هذه الشبكة من العلاقات المعقدة، أقامت شركات عملاقة عدة مشروع مركز بيانات "بحيرة مارينر" في "سومرست نيويورك" عام 2021، وتؤكد مواقع علمية أن الموقع عبارة عن منجم فحم سابق يقع على بحيرة أونتاريو.
ويعد المجمع الذي أقيم في هذا الموقع، الذي بلغت كلفته 3.2 مليار دولار، واحداً من أكبر مشاريع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في نيويورك. وتقول موسوعة أوروبية عن المنطقة التي أقيم فيها هذا المشروع الضخم: "بحيرة مارينر داخل بلدة سومرست في ولاية نيويورك هي منطقة ريفية صغيرة جداً من حيث عدد السكان مقارنة ببقية مدن الولاية".
ولا يتجاوز عدد سكان بلدة سومرست نفسها 5 آلاف نسمة تقريباً، وهي بلدة منخفضة الكثافة السكانية تعتمد على التجمعات الريفية والمزارع والمنازل المتباعدة ولا توجد فيها مدينة كبيرة أو مركز حضري كبير. أما المنطقة المحيطة ببحيرة مارينر فكانت تاريخياً مرتبطة بمحطة توليد الكهرباء القديمة التي كانت توفر وظائف محدودة.
الطاقة النظيفة؟
من الواضح أن بعض الشركات العملاقة تمارس نفوذها لاستغلال بعض التشريعات المتعلقة بالطاقة النظيفة، لتصبح المجتمعات والبلديات المحلية أقل تشدداً في مسألة البصمة الكربونية التي تخلفها هذه المراكز.
وفي هذا السياق أكد محررو موقع "ار سي تك" أن "تقرير المسؤولية الاجتماعية الأصلي للشركات لعام 2024 وصف بحيرة مارينر بأنها تعمل بـ"95 في المئة من الطاقة الخالية من الكربون".
لكن سياسة أحدث للاستدامة، التي وافق عليها المجلس المحلي في أبريل (نيسان) 2026، لم تلتزم بمصطلح "خالية من الكربون" بمفرده، إذ تغير التعبير في إفصاح منفصل لعام 2025 ليتحول إلى مصطلح "الطاقة منخفضة الكربون"؟
وبذلك قدرت نسبة الطاقة الخالية من الكربون في التقرير الجديد بـ91 في المئة، وعلى رغم ذلك يبدو أن الشركات المعنية بمركز البيانات المذكور في بحيرة مارينر، "لا تملك آلية للتحقق من مقدار الكهرباء التي تنتجها الشركات التي تورد لها الطاقة فعلياً".
وبناء عليه فإنه من المرجح أن كلاً من تيرا وولف، وأنثروبيك، و"غوغل"، غير قادرين على التحقق من استقرار أو رفع نسبة الطاقة النظيفة في هذا الموقع.
التشريعات
يؤكد خبراء المواقع العلمية أيضاً أنه "في أوائل يونيو (حزيران) من العام الحالي، أقر المجلس التشريعي لولاية نيويورك قانون تطوير مراكز البيانات المسؤول، وهو قانون شامل يتناول البصمة البيئية واستهلاك الطاقة لمراكز البيانات".
وبناء عليه أقر المجلس "إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي من إدارة حماية البيئة، ووضع قواعد لكفاءة الطاقة، وتحديد معايير الأجور السائدة في مواقع بناء مراكز البيانات، وإلزام البلديات تلقي استثمارات ملموسة من الجهات المعنية بمراكز البيانات، إلى جانب تجميد إصدار تراخيص جديدة لمدة عام واحد للمنشآت التي تستهلك 20 ميغاواط أو أكثر".
ولكن وبعد ثلاثة أشهر من إقرار مشروع القانون، لا يزال القرار معلقاً. وفي يوليو (تموز) الماضي صدر قرار يقضي بتجميد إصدار تراخيص مراكز البيانات فائقة التوسع لمدة عام، وعلى رغم ذلك فإن أياً من هذين القرارين لا يشمل منطقة بحيرة مارينر.
إذ يوقف الأمر التنفيذي إصدار تراخيص جديدة للمنشآت التي تتجاوز قدرتها 50 ميغاواط، فيما مشروع بحيرة مارينر الذي تبلغ قدرته 500 ميغاواط كان قد حصل على التراخيص اللازمة قبل سريان الأمر.
ويعني ذلك كله أن التشريعات الحالية لا تزال غير كافية وغير متمكنة من إلزام الشركات العملاقة تنفيذ وعودها لدافعي الضرائب في تلك المجتمعات الصغيرة.
تضليل في عدد الوظائف؟
خلال اجتماعات مجلس البلدة، طرح السكان أسئلة جوهرية حول المقابل الذي تحصل عليه البلدة فعلياً، في مقابل استضافة أحد أكبر مشاريع بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الولاية.
ووفقاً لعرض تقديمي لمجلس التخطيط عام 2024، ذكر مدير مشروع "تيرا وولف" أن اكتمال المشروع سيوفر فرص عمل لما بين 35 و40 شخصاً في المنشأة. وهو ما يمثل جزءاً ضئيلاً من 165 وظيفة دائمة واستثمار رأسمالي بقيمة 85 مليون دولار وعدت بها الشركات المعنية بالمركز في عام 2019. وقد أقرت حاكمة نيويورك "كاثي هوتشول" التي فرضت حظراً موقتاً على تطوير مراكز البيانات الضخمة بالفجوة بين الوعود الكبيرة وقلة فرص العمل الحقيقية لأهل المنطقة.
وقالت هوتشول للصحافيين "على رغم ضخامة هذه المشاريع ومتطلبات شركات المرافق، فإن مراكز البيانات لا توفر وظائف مستدامة طويلة الأجل". وفي السياق ذاته قالت بيلار توماس، وهي نائبة المستشار القانوني السابقة في وزارة الداخلية، "يجب أن نكون صريحين، فالمشروع يتطلب 600 شخص للعمل فيه لمدة لا تزيد على ستة أشهر أو 12 شهراً. وبعد ذلك، يصبح الأمر مقتصراً على ثلاثة أشخاص ينظفون الزجاج".
وأضافت بيلار "ما لم يكن هناك التزام بتدريب أفراد من المجتمعات المحلية لتولي عمليات تشغيل وصيانة مراكز البيانات هذه، وهو أمر لم أر مركز بيانات واحد يوافق على القيام به حتى الآن، فلن تكون هذه المشاريع مفيدة للسكان المحليين"!
التكاليف والضوضاء
من جهة ثانية، تقول ليا ستوكس عالمة السياسة بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، والمتخصصة في سياسات المرافق والطاقة "عندما يكون هناك حمل طاقة كبير جداً، خصوصاً إذا كان مستمراً على مدار الساعة طوال أيام السنة، ترتفع كلفة النظام بأكمله. إذ تضاف هذه التكاليف، التي تتراوح بين إدارة قيود الشبكة وتشغيل محطات الطاقة الاحتياطية المكلفة خلال فترات ذروة الطلب، إلى فواتير الكهرباء لجميع المشتركين، سواء استفادوا منها أم لا"! ولمعالجة هذه المخاوف، نشرت شركة أنثروبيك في فبراير (شباط) 2026 التزاماً بتغطية زيادات أسعار الكهرباء التي يواجهها المستهلكون من مراكز بياناتها، بما في ذلك تغطية بمقدار 100 في المئة من تكاليف البنية التحتية للشبكة، وتوفير مصادر طاقة جديدة لتلبية احتياجاتها من الطاقة، لكن الشركة لم تعلن تحملها لأي تكاليف أخرى تنتج من وجود هذه المراكز!