ملخص
عندما تستعيد الدولة وظيفتها الطبيعية في حماية المجتمع وخدمة مواطنيه، يصبح السلام نتيجة منطقية لذلك، لا مجرد شعار سياسي يتكرر في البيانات بينما يظل المواطن يدفع وحده كلفة الانتظار. ولسائل أن يسأل، أليست لهذا الأمر نهاية؟
أخطر ما تفعله الحروب ليس أنها تخلف الدمار، بل تعيد تشكيل وعي الإنسان فيصبح اعتياد الألم جزءاً من حياته اليومية.
واليمن، خلال الأعوام الأخيرة، لم يكُن مجرد ساحة لصراع سياسي أو عسكري، وإنما كان فضاءً واسعاً لاختبار قدرة المجتمع على البقاء في ظل انهيار مفهوم الدولة.
من هنا تبدو لي قراءة مشروع الحوثية أكبر من مجرد متابعة تطورات ميدانية مشتعلة كما هو حاصل على الأرض أو حسابات عسكرية أو ضجيج في مواقع التواصل الاجتماعي، لأنها ترتبط بطبيعة العلاقة بين السلطة والإنسان وبين الدولة والمجتمع وبين المستقبل وإمكان استعادته.
لاحظوا معي من فضلكم أن الإنسان حين يفقد شعوره بأن الدولة وجدت لحمايته، يبدأ مع الوقت بفقدان ثقته بالمستقبل نفسه، وتصبح معاناته أكثر عمقاً من مجرد الحرمان الاقتصادي أو الخسائر المادية، لأنها تمس معنى وجوده داخل وطن يفترض أنه وطن لجميع مواطنيه بلا إقصاء أو تهميش من أي نوع.
من هذه الزاوية تحديداً، يمكن تفسير سلوك الميليشيات الحوثية المتطرف على الأرض باعتباره تحركاً عسكرياً حقيقياً لاستثماره تالياً كـ"وسيلة لتحسين شروط التفاوض" في أية مفاوضات محتملة مقبلة بغية الوصول إلى حل سياسي، حتى إن بدأت خسائرها في عدد من الجبهات والمحاور تتوالى بصرف النظر عما حدث في المخا وصولاً إلى باب المندب، لأن التجربة الممتدة منذ انقلاب هذه الميليشيات على الدولة بقوة السلاح أثبتت أن المسألة تتجاوز التكتيك إلى طبيعة المشروع ذاته. فالجماعات التي تعرّف نفسها من خلال أيديولوجيا متطرفة عابرة للحدود لا تنظر إلى الإنسان على أنه مواطن يمتلك حقوقاً متساوية، وإنما على أنه جزء من مشروع أكبر يخضع لمعادلاته الخاصة.
وعندما تصبح الهوية الوطنية مسألة ثانوية أمام الارتباط بمراكز نفوذ خارجية، تتغير وظيفة الجغرافيا أيضاً، فلا تعود الأرض وطناً مستقلاً، بل تتحول إلى مساحة تستخدم لتحقيق أهداف لا تنبع من حاجات المجتمع اليمني ولا من أولوياته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا ما يفسر أن اليمن، في تصور الميليشيات الحوثية وسلوكها دال على ذلك، لم يعُد دولة ذات سيادة بقدر ما أصبح حلقة داخل مشروع إقليمي تقوده إيران، وهو تصور ينعكس بصورة مباشرة على حياة الناس. فبدلاً من توجيه الإمكانات المحدودة خلال ما مضى من أعوام لمعالجة الانهيار الاقتصادي واستعادة الخدمات العامة، جرى توظيف البلاد باعتبارها منصة لصراعات تتجاوز حدودها، بما في ذلك تهديد أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والملاحة الدولية، وصولاً إلى استهداف مدن سعودية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وفي هذه اللحظة، وكل لحظة مضت، لا يدفع الثمن الفاعلون السياسيون وحدهم، وإنما يدفعه المواطن البسيط الذي يجد نفسه محاصراً بين الفقر والخوف وتدهور الخدمات فضلاً عن النزوح، بينما تُستهلك موارد وطنه في معارك لا تضيف إلى حياته أمناً ولا كرامة ولا "فرصة حقيقية للخروج من أزمته".
ولعل أكثر ما يكشف عن طبيعة هذا النموذج المتطرف الذي تقدمه الميليشيات الحوثية هو المفارقة القائمة بين حجم المعاناة الإنسانية واتجاه سلطة الأمر الواقع نحو تصدير الأزمات بدلاً من معالجتها. ففي وقت يعيش ملايين اليمنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة هذه الميليشيات أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة، مع استمرار انقطاع الرواتب وتراجع الخدمات الأساسية واتساع رقعة الفقر، نجد أن الحوثية دائماً ما تعمد إلى خلق بؤر توتر جديدة وكأن استمرار "الصراع- الحرب" أصبح شرطاً لاستمرار بقائها. هل لدى أحدكم شك في ذلك الآن؟
تبدو سلطة الأمر الواقع هنا وكأنها لا تستمد مشروعيتها من قدرتها على تحسين حياة المجتمع، بل من قدرتها على إبقائه في حال "تعبئة دائمة" و"صراع حربي" مستمر، فتتحول القضايا الخارجية إلى وسيلة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الداخلية، ويصبح الإنسان آخر الأولويات في معادلة الحكم لدى هذه السلطة.
من هنا أيضاً يمكن فهم كثافة الخطاب الدعائي الذي تلجأ إليه الميليشيات الحوثية بين الحين والآخر كما في الخطابات المتطرفة الأخيرة لعبدالملك الحوثي، بما في ذلك مزاعمها المتكررة في شأن تنفيذ عمليات عسكرية خارجية لا تؤكدها الوقائع بصورة مستقلة. فمثل هذه الخطابات المتطرفة لا تستهدف الخصوم بقدر ما تستهدف "البيئة الداخلية"، في محاولة لإعادة إنتاج صورة القوة كلما اتسعت دوائر السخط الشعبي وتصاعدت الخلافات الاجتماعية والقبلية.
ولذلك فإن الدعاية لدى الميليشيات الحوثية، في هذا السياق المشار إليه أعلاه، لا تعمل بوصفها أداة إعلامية وحسب، بل بوصفها وسيلة لإعادة توجيه اهتمام المجتمع بعيداً من الأسئلة المتعلقة بـ"المعيشة" و"الحقوق" و"العدالة"، وهي الأسئلة التي لا تستطيع أية سلطة أمر واقع تجاهلها إلى ما لا نهاية.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، يتضح أن الصراع في اليمن لم يكُن، في جوهره، نزاعاً تقليدياً حول السلطة أو توزيع النفوذ، بل مواجهة بين تصورين متناقضين لمعنى الدولة. فالدولة الحديثة تنطلق من فكرة المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحتكار المؤسسات الشرعية لاستخدام القوة، بينما يقوم مشروع الميليشيات الحوثية على فكرة سلالية تمنح امتيازاً سياسياً ودينياً لفئة بعينها، بما يجعل السلطة حقاً سابقاً على إرادة المجتمع. ولهذا تبدو محاولات التوفيق بين النموذجين شديدة الصعوبة إن لم تكُن مستحيلة، لأن الخلاف في تصوري لا يتعلق بالأدوات، بل بالأسس التي يقوم عليها كل مشروع.
ولذلك لم يكُن مستغرباً أن تتحول الاتفاقات السياسية المتعاقبة مع الميليشيات الحوثية إلى محطات موقتة أكثر منها حلولاً دائمة. فمنذ انقلاب الميليشيات الحوثية على الدولة في الـ21 من سبتمبر (أيلول) عام 2014 بقوة السلاح، برز نمط متكرر يقوم على القبول بالتسويات من قبلها عندما تفرضها الظروف، ثم تقوم بالتنصل منها عند تغير موازين القوى. ويبرز اتفاق ستوكهولم مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية، إذ نص على أن تقوم الحوثية بتخصيص إيرادات ميناء الحديدة لصرف رواتب الموظفين وفق الآلية المقترحة آنذاك، غير أن التنفيذ ظل بعيداً من الأهداف التي أنشئ الاتفاق من أجلها، مما يعكس أن المشكلة ليست في نصوص الاتفاقات بقدر ما هي في غياب الإرادة الحقيقية من قبل هذه الميليشيات لتحويلها إلى التزام دائم يخدم الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وتبرز هنا مسألة في غاية الأهمية وهي أن السلام لا يمكن أن يعيش في "بيئة" لا تعترف بالدولة باعتبارها غاية نهائية. فحين يُنظر إلى السلام على أنه استراحة موقتة لإعادة ترتيب موازين القوى، يفقد معناه الأخلاقي والسياسي معاً، ويتحول إلى هدنة قابلة للانهيار عند أول فرصة. أما الدولة، في معناها الحديث، فهي ليست مجرد جهاز إداري أو مؤسسة أمنية، وإنما هي عقد اجتماعي يطمئن الإنسان إلى أن حقوقه لا ترتبط بولائه لفئة أو جماعة، بل بصفته مواطناً متساوياً مع غيره أمام القانون.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، فإن القضية الحقيقية لم تعُد تقتصر على إنهاء الحرب واستعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح وحسب، بل أيضاً على "استعادة البيئة" التي تجعل السلام ممكناً وقابلاً للاستمرار.
لاحظوا أن الإنسان لا يبحث عن غياب الرصاص وحده، وإنما يبحث عن العدالة، وعن المدرسة التي تفتح أبوابها، والمستشفى الذي يؤدي وظيفته، والراتب الذي يحفظ كرامته، والمؤسسة التي تحميه من دون تمييز. وكل هذه المعاني لا يمكن أن تتجسد في ظل وجود جماعة مسلحة تحتكر القرار خارج إطار الدولة، لأن السلاح عندما يصبح بديلاً عن القانون، تتحول حياة الناس إلى رهينة لموازين القوى لا لمبادئ العدالة.
وهكذا يتبين أن الطريق إلى مستقبل آمن لا يبدأ في تقديري من التعايش مع واقع فرضته القوة، بل من إعادة الاعتبار للدولة الوطنية بوصفها الإطار الوحيد الذي يساوي بين المواطنين ويصون حقوقهم ويمنحهم أملاً قابلاً للحياة.
في نهاية المطاف، فإن القضية كما أقول دائماً ليست انتصار طرف على آخر، وإنما انتصار "فكرة الدولة" على "منطق الميليشيات"، وانتصار الإنسان على الخوف، وانتصار المستقبل على دوامة الصراع المفتوح. وعندما تستعيد الدولة وظيفتها الطبيعية في حماية المجتمع وخدمة مواطنيه، يصبح السلام نتيجة منطقية لذلك، لا مجرد شعار سياسي يتكرر في البيانات بينما يظل المواطن يدفع وحده كلفة الانتظار. ولسائل أن يسأل، أليست لهذا الأمر نهاية؟