ملخص
شهدت السواحل التونسية تشديداً كبيراً في عمليات المراقبة ومنع انطلاق القوارب التي تقل مهاجرين غير شرعيين نحو أوروبا، مما أدى إلى تحول شبكات التهريب نحو السواحل الليبية للانطلاق منها.
بعد أعوام ركزت فيها قوارب المهاجرين بوصلتها على جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، باتت جزيرة كريت اليونانية حالياً هدفاً جديداً مع وصول نحو 14 ألف مهاجر من شرق ليبيا إليها منذ بداية العام الحالي.
ويكشف ذلك بحسب متخصصين عن تحولات جذرية في مسارات المهاجرين غير النظاميين، مرتبطة بكثير من العوامل، أبرزها تصاعد الضغط الأمني على الحالمين للوصول إلى أوروبا عبر الطرق التقليدية.
وتتكرر المآسي قبالة جزيرة كريت أو على السواحل الليبية، فيما لجأ المهاجرون في تونس إلى شواطئ جديدة يبحرون منها في خطوات تثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تقف وراء تغيير مسارات الهجرة غير النظامية.
شرق ليبيا
وتُعد طبرق من أكثر النقاط التي يلجأ إليها المهاجرون من أجل الإبحار نحو جزيرة كريت اليونانية مما يضع السلطات في بنغازي أمام تحدٍّ غير مسبوق، لا سيما في ظل انقسام حكومي وأمني في ليبيا يمنع توحيد الجهود والسياسات حيال إدارة ملف الهجرة.
ويرجح الباحث السياسي الليبي، خالد محمد الحجازي، أنه "وفق المعطيات المتاحة، فإن الحديث عن إعادة توزيع جزئية للمسارات أكثر دقة من الحديث عن انتقال كامل، فطريق ليبيا - إيطاليا لا يزال قائماً، في حين يبدو أن طريق شرق ليبيا - كريت أصبح أكثر نشاطاً مقارنةً بالأعوام السابقة".
وتابع الحجازي، "من أبرز دلالات ذلك أن شرق ليبيا قد يكون بصدد التحول إلى نقطة انطلاق أكثر أهمية نحو أوروبا، وتشير تقارير متخصصة إلى ارتفاع أعداد القادمين عبر مسار طبرق - كريت منذ عام 2023، بما قد يعكس تطوراً تدرجاً في نشاط شبكات التهريب على هذا الخط، وإن كان من المبكر الجزم بأنه أصبح مساراً مستقراً أو دائماً، وقد يرتبط هذا التحول بعوامل عدة، من بينها تشديد الرقابة على بعض طرق الهجرة التقليدية، ومحاولة شبكات التهريب استغلال مسارات تخضع لرقابة أقل، إلى جانب الموقع الجغرافي للساحل الشرقي الليبي، خصوصاً مناطق طبرق ودرنة وبنغازي"، وشدد على أن "الصراعات في السودان ومناطق أخرى يمكن أن تكون عاملاً إضافياً في زيادة حركة المهاجرين عبر ليبيا، فيما قد يكون انخفاض كلفة بعض الرحلات وتطور أساليب التهريب قد أسهما في جعل الطريق أكثر قابلية للاستمرار، على رغم أخطاره الكبيرة".
واستدرك الحجازي، "لكن الأهم هو أن هذه التطورات تطرح أسئلة تتجاوز أعداد المهاجرين: كيف تطورت شبكات هذا المسار؟ ومن يقف وراء تنظيمه؟ ولماذا أصبح شرق ليبيا أكثر ارتباطاً بهذا الطريق خلال الأعوام الأخيرة؟ ومن ثم قد يكون ما يحدث أمام كريت مؤشراً إلى إعادة تشكيل تدرجية لخريطة الهجرة في المتوسط، وليس بالضرورة تحولاً نهائياً من لامبيدوزا إلى كريت"، وقال "إذا استمر الاتجاه الحالي فقد تزداد أهمية شرق ليبيا في معادلة الهجرة الأوروبية، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية وسياسية على ليبيا واليونان والاتحاد الأوروبي".
تشدد أكبر في تونس
وتأتي هذه التطورات بعد أعوام من إبرام حكومتي تونس والجزائر خصوصاً اتفاقات مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي من أجل صدّ المهاجرين غير النظاميين الراغبين في الوصول إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.
وفي وقت تسود ليبيا فوضى أمنية وتتصاعد فيه التقارير التي تتحدث عن انتهاكات خفر السواحل في التعامل مع المهاجرين، باتت البلاد نقطة رئيسة لانطلاق المهاجرين نحو السواحل اليونانية.
من جهته، قال الباحث السياسي التونسي، نزار مقني، إن "جزيرة كريت أصبحت بالفعل إحدى أبرز بوابات الدخول إلى أوروبا في العام الحالي، فيما تصف السلطات اليونانية الطريق القادم من شرق ليبيا بأنه أحد المسارات البحرية الأسرع نمواً في المنطقة، ولا تأتي هذه القفزة على طريق كريت بمعزل عن التراجع الذي يشهده طريق وسط المتوسط نحو إيطاليا، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد الواصلين إلى أوروبا بحراً بلغ نحو 60 ألف شخص حتى الـ15 من سبتمبر (أيلول) الجاري، بانخفاض يقارب 40 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي".
وأردف مقني، "في الطريق المركزي نحو إيطاليا تحديداً، تراجع عدد الواصلين، من أكثر من 48 ألفاً إلى أكثر قليلاً من 21 ألفاً، لكن المفارقة أن تراجع أعداد المهاجرين لم يؤد إلى تراجع الخسائر البشرية، إذ ارتفع عدد القتلى والمفقودين على طرق الهجرة البحرية إلى نحو 2300 شخص، مقابل قرابة 2000 شخص في الفترة نفسها من 2025".
وأشار إلى أنه "في قلب هذه المعادلة تبرز تونس، التي كانت خلال الأعوام الماضية إحدى أهم منصات الانطلاق نحو لامبيدوزا، فقد شهدت السواحل التونسية تشديداً كبيراً في عمليات المراقبة ومنع انطلاق القوارب، في إطار التعاون مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي، والدعم الأوروبي لوسائل مراقبة الحدود والتجهيزات البحرية، وكانت النتيجة تراجعاً حاداً في الانطلاقات من تونس".
وبيّن المتحدث ذاته أن "البيانات الإيطالية تُظهر حجم هذا الانخفاض بوضوح، ففي 2025 وصل إلى إيطاليا 4841 مهاجراً فقط انطلاقاً من تونس، مقابل 19460 في 2024، أي بانخفاض نسبته 75.1 في المئة، وبنحو 95 في المئة مقارنة بعام 2023. وفي المقابل، ارتفع عدد الواصلين إلى إيطاليا من ليبيا إلى 58408 أشخاص في 2025، مقابل 42279 في 2024، بزيادة بلغت 38.1 في المئة، وتؤكد هذه الأرقام أن ما يجري في المتوسط ليس مجرد انخفاض عام في الهجرة، وإنما إعادة توزيع لمصادر الانطلاق ومسارات العبور".
وأكد مقني أن "التشديد على السواحل التونسية أدى إلى تقليص قدرة شبكات التهريب على استخدام تونس كنقطة رئيسة باتجاه جزيرة لامبيدوزا، لكن الطلب على الهجرة لم يختف، كذلك لم تختف الشبكات التي تنظمها، وفي المقابل أصبحت ليبيا، وبصورة متزايدة شرق ليبيا، مساحة أكثر أهمية لإعادة تنظيم الرحلات، وفي هذه النقطة تكمن أهمية صعود كريت".
واستطرد قائلاً، "حين تصبح السواحل التونسية أكثر صعوبة أمام القوارب، وحين تتراجع الانطلاقات من بعض مناطق غرب ليبيا، لا تتوقف حركة الهجرة بالضرورة، وإنما تبحث شبكات التهريب عن جغرافيا جديدة تسمح لها بالوصول إلى أوروبا، وفي هذه الحال تبدو السواحل الشرقية لليبيا، لا سيما المناطق القريبة من طبرق، نقطة انطلاق مناسبة نحو الجنوب اليوناني، لذا فإن تغير المسار هو في جانب منه نتيجة مباشرة لتغير البيئة الأمنية التي تعمل فيها هذه الشبكات".
أكثر خطورة
ومع تصاعد عمليات الهجرة نحو كريت بات السؤال الأكثر إلحاحاً: ما سر جاذبية هذا المسار للمهاجرين؟ وهل هو أقل خطورة؟
يجيب مقني إنه "لا تزال لامبيدوزا تستقبل أعداداً كبيرة، لكن الطريق التونسي الذي كان يشكل أحد أهم روافدها شهد تراجعاً هائلاً، وفي الوقت نفسه ارتفعت أهمية الطريق الليبي، خصوصاً من الشرق، ليس فقط باتجاه إيطاليا وإنما أيضاً باتجاه كريت".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وذكر أن "هذه إحدى المفارقات التي تكشفها سياسات ضبط الحدود الأوروبية، إذ إن انخفاض أعداد الواصلين من نقطة معينة لا يعني بالضرورة أن الظاهرة اختفت، بل قد يعني أن جزءاً منها انتقل إلى نقطة أخرى، والأخطر أن الطرق البديلة غالباً ما تكون أكثر خطورة".
وأبرز مقني أن "الطريق بين شرق ليبيا وكريت أطول وأصعب من بعض طرق وسط المتوسط التقليدية، وتستخدم فيه قوارب صغيرة وغير مهيأة لرحلات بحرية طويلة، وقد انعكس ذلك في ارتفاع عدد الوفيات على طرق الهجرة إلى اليونان هذا العام، على رغم تراجع أعداد الواصلين إليها إجمالاً، وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الوفيات في الطرق المؤدية إلى اليونان ارتفعت بنسبة 47 في المئة، ويرتبط ذلك بجزء منه بتزايد استخدام الطريق الأكثر خطورة بين شرق ليبيا وكريت".
عبء على ليبيا
وفي موازاة هذه التطورات في ملف الهجرة، تتصاعد موجة الغضب الشعبي في ليبيا حيال المهاجرين غير النظاميين، فيما لا يزال موقف السلطات في طرابلس وبنغازي غامضاً في هذا الشأن، بينما تشكو أثينا التدفق الهائل للمهاجرين.
ويرى الباحث السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن "المهاجرين لديهم نقاط معينة ينطلقون منها من السواحل الليبية إلى سواحل جنوب أوروبا وهي نقاط تتركز في طرابلس والزاوية وصبراتة وزوارة، وشرقاً هناك نقاط أخرى لكن النقطة الأكثر نشاطاً هي طبرق التي خرجت منها أعداد كبيرة للوصول إلى جزيرة كريت".
وعد العبدلي أن "المهاجرين تحولوا إلى عبء على الليبيين الذين يتساءلون عن سبب إعادة المهاجرين من عرض البحر إلى البلاد. أعداد المهاجرين كبيرة في ليبيا اليوم، لذلك نرى غضباً شعبياً كبيراً حيال هذا الملف إذ يرفض الليبيون توطين المهاجرين".