Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلسطينيون يرون في تاريخ 28 نوفمبر موعدا لإعادة توزيع الحصص السياسية

نصف الشباب يفكرون في مقاطعة الانتخابات وأكثر من 70% يفصحون عن عدم ثقتهم بالأحزاب والقوى القائمة

لم يسبق لأكثر من 50% من المواطنين المسجلين في سجل الناخبين الاقتراع في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية قط نظراً لتوقف العملية الديمقراطية منذ عام 2006 (لجنة الانتخابات المركزية)

ملخص

من دون التحول البنيوي، سيبقى يوم الـ28 من نوفمبر مجرد محطة زمنية إضافية يحمل فيها الصندوق كـ"هودج فارغ" في المناسبات الرسمية، بينما يمشي الشارع في اتجاه آخر بحثاً عن تمثيل حقيقي يعبر عن كرامته وتطلعاته الوطنية. 

تجلس ميرنا حسين (26 سنة)، مهندسة المعمار المقدسية، في أحد مقاهي المدينة الناظرة نحو أسوار القدس القديمة، تقلب صفحة هاتفها المحمول بلا مبالاة ظاهرة، مارة من دون اكتراث عن خبر يؤكد صدور المرسوم الرئاسي الداعي لعقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. لا تحمل الشابة أي قدر من الانفعال أو الفضول تجاه هذا الموعد المكتوب بالخط العريض، فالأمر بالنسبة لها لا يتعدى كونه "ديكوراً سياسياً" يعاد طلاؤه لإرضاء المانحين والدول الكبرى. قصة ميرنا ليست حالة فردية أو عزوفاً عابراً، بل هي تجسيد مكثف للمزاج العام المتشكل لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. كيف لا وتشير استطلاعات الرأي العام ومؤشرات الشارع الفلسطيني إلى انقسام حاد وشكوك عميقة حول جدوى الاستحقاق الانتخابي القادم، وتبين التقديرات أن نحو ثلثي الجمهور (60 إلى 66 في المئة) يساورهم الشك في قدرة أي انتخابات على أن تكون حرة ونزيهة بالشكل المطلق في ظل الظروف السياسية والميدانية الراهنة. وفيما يتوزع الشارع الفلسطيني بين ترقب عاجز وتوقعات جازمة بالإلغاء أو التأجيل مجدداً، هناك ما يحول الأزمة من مجرد خلاف إجرائي على المواعيد والقوانين إلى أزمة تمثيل وشرعية مسدودة الأفق. 

أزمة شرعية

تعتمد الأنظمة الديمقراطية التقليدية على صندوق الاقتراع كأداة رئيسة لمنح الشرعية والتداول السلمي للسلطة، غير أن المشهد الفلسطيني بات يعاني انزياحاً بنيوياً في هذا المفهوم، حيث تحولت العملية الانتخابية في الذهنية الجمعية من أداة للتغيير إلى مجرد "استحقاق شكلي" يهدف لإرضاء المانحين والجهات الدولية لإعادة تصدير المشهد القائم، وفق ناشطين. وتظهر استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PSR) أن أكثر من 65 إلى 70 في المئة من الجمهور الفلسطيني يراكمون قناعة بأن إجراء الانتخابات في الظروف الراهنة لن ينهي الانقسام ولن يحدث قطيعة مع واقع الإدارة الحالية، فيما يؤكد نحو ثلثي الشارع أن البيئة الميدانية والسياسية غير ضامنة لسلامة النتائج أو قبول الأطراف المتصارعة بها، استناداً إلى تجارب سابقة وتجاذبات السلطة التنفيذية. ولم يسبق لأكثر من 50 في المئة من المواطنين المسجلين في سجل الناخبين النهائي الاقتراع في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية قط، نظراً لتوقف العملية الديمقراطية منذ عام 2006. ويرى مراقبون أن هذه الفجوة توضح تراجع "شرعية الصندوق" لحساب "شرعية الأداء والموقف"، فالشارع الفلسطيني لم يعد يبحث عن برامج انتخابية مصاغة بلغة خشبية، بل يمنح ثقته للفاعلين بناء على ما يقدمونه عملياً في إدارة الأزمات الميدانية والصمود الاقتصادي والاجتماعي. مدير عام أحد مركز الدراسات محسن محمد صالح يرى أن إجراء الانتخابات بالطريقة المندفعة نحو إرضاء الضغوط الخارجية أو هندسة المشهد السياسي ليس أكثر من "حبة مسكن لنظام سياسي يعاني من أزمة شرعية بنيوية عميقة"، مشدداً على أن "الصندوق لن يمنح الشرعية ما لم يرافقه إصلاح وطني وتوافق شامل". من جانبه، يشدد الخبير السياسي محمد جبريني على أن "حصر القضية في مجرد إجراء الانتخابات أو تأجيلها يقلل من حجم الأزمة". وأضاف "النظام السياسي يواجه مشكلة أوسع تتصل بتآكل الشرعية وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات والقيادات، لأن الشرعية لا تستمر من دون إنجاز يلمسه الشارع".

تفتيت ديموغرافي

ولا يمكن قراءة أزمة الانتخابات بعيداً من الجغرافيا الفلسطينية المجزأة، التي تحولت بفعل سياسات الاستيطان والحصار والفصل الجغرافي إلى عائق بنيوي يحول دون تحقيق مبدأ "تكافؤ الفرص" بين الناخبين والمرشحين. ولا يسمح، وفقاً للآليات المتوارثة، سوى لـ6 آلاف ناخب مقدسي فقط بالتصويت عبر مراكز البريد التابعة للسلطات الإسرائيلية من أصل أكثر من 350 ألف مواطن فلسطيني يعيشون شرقي القدس، بينما يجبر السكان البقية على التوجه إلى ضواحي المدينة خلف جدار الضم والتوسع، مما يضع الصوت المقدسي تحت التهديد والملاحقة المباشرة. كذلك ويحرم أكثر من 150 ألف مواطن فلسطيني يعيشون في مناطق تقع خلف الجدار أو في تصنيفات المنطقة (ج)، من حرية الحركة والتجمع وتنظيم الحملات الانتخابية بسبب الإغلاقات العسكرية والحواجز الإسرائيلية. وعلى رغم أن نسبة التسجيل في سجل الناخبين الصادر عن لجنة الانتخابات المركزية (CEC) تتجاوز 93 في المئة، فإن القدرة على تنفيذ حملات انتخابية عابرة للجغرافيا وموحدة الرؤية بين الضفة وغزة تظل شبه معدومة في ظل الحصار والتقسيم السياسي والميداني. ووفقاً لتصريحات رسمية من رئيس لجنة الانتخابات المركزية (CEC) رامي الحمدالله، فإن "إجراء الانتخابات في القدس ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو شرط سياسي ووطني شارك في صياغته كل فلسطيني، ومن دون القدس لا يمكن ضمان شمولية التمثيل". وتشير تقارير مؤسسة "الحق" لحقوق الإنسان ومقرها في رام لله، إلى أن القيود الإسرائيلية وتقسيمات الجغرافيا تفرضان حالة من "عدم تكافؤ الفرص" وتضرب النزاهة الإجرائية في مقتل قبل بدء الاقتراع.

شرخ كبير

لا تتوقف الشكوك الحالية عند حدود التنافس بين القوى السياسية التقليدية، بل تمتد لتطاول النظام السياسي برمته، ومؤسساته التي بات ينظر إليها ككيان معزول عن تطلعات المواطن اليومية. وتظهر الاستطلاعات الصادرة عن مؤسسة "أمان" (الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة) أن أكثر من 70 إلى 75 في المئة من المواطنين الفلسطينيين يعتقدون بوجود فساد في مؤسسات الحكم، ويرون أن الهياكل الحالية غير قادرة على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الملحة. وتعيش الأراضي الفلسطينية حالة من غياب الرقابة البرلمانية منذ حل المجلس التشريعي الأخير، مما أدى إلى تركز السلطات وتعميق الفجوة بين السلطة التنفيذية والمواطن. وتشير بيانات مؤسسة "أوراد" (AWRAD) للبحوث إلى أن نحو 58 في المئة من الشارع يعتقدون أن أولوية الإصلاح يجب أن تبدأ من إعادة بناء "منظمة التحرير" الفلسطينية والمؤسسات الجامعة قبل الذهاب لانتخابات تشريعية تعيد استنساخ الواقع. ولم يكن الانقسام السياسي بين "فتح" و"حماس" على إدارة السلطة والبرامج السياسية، مجرد أزمة حكم أو صراع صامت على النفوذ، بل تشكل كأحد أقسى المحركات التي تجهز على مقومات الاقتصاد الفلسطيني على مدار عقدين من الزمان. منذ عام 2007، انزلقت المؤشرات الاقتصادية نحو قيعان غير مسبوقة، لا سيما في قطاع غزة الذي بات يرزح تحت حصار مشدد وتوقف شبه تام للعجلة الإنتاجية، إذ قفزت معدلات البطالة فيه من نحو 34 في المئة عشية الانقسام إلى مستويات كارثية تتراوح بين 70 و80 في المئة في الأعوام الأخيرة، لتبلغ بين صفوف الشباب والخريجين الجدد نسبة تتعدى 85 في المئة. بالتوازي مع ذلك، اتسعت رقعة الفقر لتنهش أكثر من 60 إلى 80 من السكان هناك، مقارنة بـ30 تقريباً في عام 2006. أما في الضفة الغربية، وعلى رغم الهامش الاقتصادي الظاهري، فإن التفكك الإداري والمالي الناجم عن الانقسام، مقترناً بقيود إسرائيل والتقسيم الميداني، رفع معدلات البطالة والفقر وتحديداً بين الخريجين الشباب إلى أكثر من 30 في المئة، وأدى إلى تآكل القدرة الشرائية وانعدام الأمن الغذائي لشرائح واسعة. هذا التردي الممتد على مدار عقدين حول تطلعات الشباب من طموح البناء والمشاركة السياسية إلى مجرد الصراع اليومي لتأمين أسباب البقاء. ويرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن "إعادة إنتاج الشرعية داخل أطر مغلقة أو عبر تعيينات وتوافقات فوقية تفرغ العملية التمثيلية من مضمونها"، مشيراً إلى أن الهروب من الصندوق باسم العقبات الميدانية يضع شرعية المنظومة برمتها في مهب الريح أمام الشارع والفاعلين الدوليين". أما طارق (28 سنة)، وهو ريادي أعمال ومستقل، فيطرح وجهة نظر براغماتية تمردت على فكرة العزوف السلبي قائلاً "أنا مع المشاركة وإعطاء الصوت، لكن ليس للأحزاب التقليدية". وأضاف "الحل هو أن ينظم الشباب أنفسهم في قوائم مستقلة أو يفرضوا تصويتاً عقابياً. صحيح أن هناك قيوداً من الاحتلال وضغوطاً داخلية، لكن المقاطعة السلبية تعفينا من المسؤولية. إذا لم نزاحم داخل المؤسسة، فلن نغير قواعد اللعبة".

اغتراب سياسي

وفق المنطق الديمقراطي، يفترض أن تكون الكتلة الشبابية هي الأكثر حماساً لخوض أول تجربة انتخابية، غير أن الشارع الفلسطيني يشهد ظاهرة معاكسة تتمثل في "الامتناع السياسي الواعي". ويرجع محللون أسباب أزمة الثقة وغياب الشغف لدى الشباب الفلسطينيين إلى صدمة عام 2021، حين شكل قرار إلغاء انتخابات بعد وصول نسبة التسجيل في سجل الناخبين إلى مستويات قياسية، صفعة لوعي الجيل الشاب، ورسخ لديهم قناعة بأن قرارهم مرهون بتوافقات النخبة وسقفها السياسي. كذلك أن الأدبيات الحزبية، كانت ولا تزال، تعتمد على الخطابات القديمة التي لا تلامس ما يواجهه الشباب من معدلات بطالة تتجاوز 40 إلى 50 في المئة بين الخريجين، فضلاً عن انغلاق الهياكل الحزبية أمام تصعيد القيادات الشابة خصوصاً وأن جيلاً كاملاً بعمر 18 إلى 25 سنة نشأ تحت ظلال انقسام عام 2007، وبات يرى الأحزاب أطرافاً في نزاع سلطوي وليست أداة لبناء الدولة، وأن أي انتخابات من دون إنهاء هذا الانقسام ستكون مجرد إعادة توزيع للحصص. فتحول العزوف إلى موقف سياسي نشط وامتنع كثيرون استغلالهم كـ"حطب وقود" لتوفير شرعية شكلية لمنظومة لا تمثلهم. ناهيك بقناعة الشباب بأن الصندوق لن ينهي التحديات الميدانية والسياسية ما لم يقترن ببرنامج وطني شامل. وتشكل الفئة العمرية (بين 18 و35 سنة) أكثر من 50 في المئة من أصحاب حق الاقتراع. في حين تشير دراسات مؤسسة "أوراد" إلى أن 45 إلى 52 من الشباب يفكرون في عدم المشاركة أو المقاطعة إذا جرت الانتخابات الصيغة الحزبية القديمة ذاتها. وبينت المؤسسة أن أكثر من 70 في المئة من الشباب يفصحون عن عدم ثقتهم بالأحزاب والقوى السياسية القائمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هندسة الاغتراب

وفقاً لمراقبين، فإن نفور الشباب الفلسطيني من العملية السياسية يرتبط بطريقة أو بأخرى بأدوات تمارسها السلطات الإسرائيلية لهندسة هذا الاغتراب وتفريغ الصندوق من محتواه. ويشكل الرفض الإسرائيلي المستمر لإجراء الانتخابات داخل القدس أداة لتسقيف العملية السياسية برمتها، وتوفير ذرائع دائمة للتأجيل، مما يولد إحساساً لدى الشباب بأن "الفيتو الإسرائيلي" هو الحاكم الفعلي للتجربة الديمقراطية. كذلك أن استهداف القوائم الشبابية والمستقلة من قبل السلطات الإسرائيلية عبر استدعاء واعتقال المرشحين المستقلين والشباب كلما برزت تحركات خارج العباءة التقليدية، يوحي برسالة ردع ممتدة مفادها بأن المشاركة السياسية المستقلة تعني كلفة أمنية باهظة. ويرى البعض أن الاقتحامات اليومية للمناطق المصنفة (أ) تعري المؤسسات الرسمية أمام المواطن وتظهره مجرداً من الصلاحيات والسيادة الميدانية، مما يدفع الشباب للتساؤل عن جدوى انتخاب برلمان لا يملك حماية أعضائه، كذلك يكرس التهديد بحجز أموال المقاصة (الضرائب) أو فرض الحصار في حال أفرز الصندوق نتائج لا تتوافق مع الاشتراطات السياسية فكرة "الديمقراطية المشروطة" والمسقوفة بشروط إسرائيلية. يتجلى هذا البعد بصورة صارخة في حوار ميرنا (26 سنة) من القدس، حين عبرت عن الواقع المعقد قائلة "نحن في مواجهة مباشرة مع سياسات الاحتلال التي تمحو أي مظهر للتمثيل السياسي الفلسطيني في المدينة". وأضافت "يتعطل حقنا في الرأي والدعاية والتصويت بقرار إسرائيلي، ويجري استخدام قضيتنا كذريعة لتأجيل الانتخابات كلياً"، مردفة "التحدي الحقيقي أن نبني أطراً تمثيلية تعبر عن المقدسيين بعيداً من الشكليات الإجرائية".

شكليات الصندوق

تضع استطلاعات الرأي ومؤشرات الشارع الفلسطيني الجميع أمام حقيقة لا يمكن تخطيها: أزمة الانتخابات الفلسطينية المقررة في الـ28 من نوفمبر القادم ليست مجرد أزمة مواعيد أو مراسيم رئاسية، بل هي انعكاس لأزمة شرعية وبنية سياسية أصبحت بحاجة ماسة لإعادة تعريف وتجديد. إن شكوك ثلثي الشارع، وعزوف الغالبية الشبابية، وتفتيت الجغرافيا بفعل إسرائيل، كلها معطيات تشير إلى أن الاستمرار في التعاطي مع الصندوق كأداة شكلية لتجديد شرعية النخب لن ينتج سوى مزيد من الاغتراب السياسي وفقدان الثقة. إن استعادة الشارع الفلسطيني لثقته بالعملية الديمقراطية تتطلب الانتقال من "الشرعية الإجرائية" إلى شرعية الإنجاز والتوافق الوطني الشامل عبر إصلاح الهياكل السياسية والمؤسسية، وإدماج الجيل الجديد في مراكز صنع القرار، وبناء استراتيجية تمثيل تتجاوز القيود الإسرائيلية وتقسيماتها الميدانية. ومن دون هذا التحول البنيوي، سيبقى يوم الـ28 نوفمبر مجرد محطة زمنية إضافية يحمل فيها الصندوق كـ "هودج فارغ" في المناسبات الرسمية، بينما يمشي الشارع في اتجاه آخر بحثاً عن تمثيل حقيقي يعبر عن كرامته وتطلعاته الوطنية. 

 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير