Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الموقف الدولي من وصول الحوثي إلى باب المندب؟

تحذيرات يمنية من مقاربات "خبيثة" تهيئ الأجواء لتطبيع الوضع الذي أنتجته الحرب الحوثية

لقطة للسواحل المطلة على مضيق باب المندب (اندبندنت عربية)

ملخص

تمكنت جماعة الحوثي الموالية لإيران من تحقيق اختراق ميداني واسترانيجي واسع بالسيطرة على السواحل الغربية لليمن والوصول المباشر إلى مضيق باب المندب وجزيرة ميون ومدينة المخا، إثر هجمات مكثفة بالصواريخ الباليستية وانسحاب قوات "المقاومة الوطنية"، لتضيف فصلاً جديداً لأزمات خنق ممرات الطاقة العالمية بعد مضيق هرمز. وفي حين أثارت المواقف الدولية المرنة والصامتة -ولا سيما من الولايات المتحدة- انتقادات واسعة من خبراء ودبلوماسيين يمنيين حذروا من محاولات تسويق مقاربات تهدف لتطبيع الواقع الجديد، أكد السفير اليمني بريطانيا ياسين نعمان أن ما جرى يمثل خطة متكاملة من الحرس الثوري الإيراني لإعادة صياغة الخريطة الأمنية بالمنطقة، داعياً الحكومة الشرعية والمجتمع الدولي لمواجهة هذا التهديد الاستراتيجي وعدم الاكتفاء بالخطابات التسكينية حول حماية الملاحة.

يمثل الأربعاء التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري، في حياة اليمن والإقليم نقطة تحول سيكون لها ما بعدها من تداعيات وأحداث، عقب سيطرة جماعة الحوثي الموالية لإيران على سواحل اليمن الغربية المطلة على البحر الأحمر، والوصول المفاجئ إلى مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات الطاقة.

وفي وقت كان العالم منشغلاً يرقب التطورات المتعلقة بمضيق هرمز، الذي عطل إغلاقه مرور نحو ربع الاستهلاك العالمي للطاقة، جاءت أزمة باب المندب لتضيف فصلاً جديداً في مشاهد خنق المضائق التي باتت ورقة طيعة في أيدي القوى المتحكمة بها.

ما الذي جرى؟

لم تكن الاندفاعة الحوثية مطلع سبتمبر الجاري، لتتم بصورة تقليدية أو بنمط هجومي متكرر يُحقَّق هذا الاختراق الاستراتيجي، لولا أنها جرت بإعداد محكم وبطريقة مستميتة من عدة محاور، تتقدمها أنساق بشرية وتغطية نارية كثيفة كانت الصواريخ الباليستية في طليعتها، وهو ما منحهم أفضلية ميدانية ضمنت له التقدم على رغم السقوط الكبير في عدد الضحايا، وفق ما كشف عنه بيان قوات المقاومة الوطنية التي واجهت الهجوم.

وعقب معارك عنيفة، شكل سقوط جبل "دباس" الاستراتيجي في منطقة حيس، إضافة إلى الالتفاف الانتهازي المفاجئ للحوثيين من منطقتي الكدحة ومقبنة، بداية لتهاوي قلاع قوات "المقاومة الوطنية" التابعة للحكومة الشرعية تباعاً قبل انسحابها المثير للجدل، لتتوافد أفواج الحوثي إلى باقي المناطق والجبهات وصولاً إلى مدينة المخا فجر الـ10 من سبتمبر الجاري، وهي البقعة التي كانت تشكل مركز الأمل المتقدم للشرعية، للسيطرة على الساحل، ومنها توالى التقدم إلى ذو باب، وجزيرة ميون التي شهدت انسحاباً مماثلاً للقوات الحكومية وصولاً إلى مضيق باب المندب.

بين القراصنة والحوثي

كانت المواقف الدولية المتعلقة بتطورات الأسبوع اليمني الماضي خافتة، أي لم يصدر عنها رد فعل لافت يضاهي صدى وقع الحدث الكبير الذي يتوقع مراقبون أن يغير صورة الصراع في اليمن وينتج حلولاً جديدة تختلف عن الصراعات السابقة، في مشهد رسم موازين السيطرة والانتشار.

وعدا عن بعض الإدانات الأممية والدولية المحدودة التي تحذر من اتخاذ مضيق باب المندب ورقة ابتزاز للإقليم والعالم، التزمت باقي الدول النأي بنفسها على رغم الإجماع في شأن خطورة ما يجري والإدراك بعدم فصل ما حدث بمعزل عن سياقه الإقليمي، خصوصاً قضية مضيق هرمز، وهو ما يمنح الهجوم الحوثي أهمية تتجاوز حدود الصراع ومساعي توسيع النفوذ على خريطة السيطرة الداخلية، إلى البعد الدولي ومصالح العالم.

يقول الباحث السياسي فارس البيل إن مواقف المجتمع الدولي إزاء تطورات باب المندب تبقى ضعيفة، وأدنى في تعاطيها من حجم الحدث وخلفياته الكبيرة. ومع الإقرار بوجود "بعض الإدانات والبيانات التي صدرت عن مجلس الأمن والدول الكبرى، لكنها لا ترتقي إلى مستوى التطور الذي يتهدد مصالح العالم".

كما لم تحمل، وفقاً للبيل، "تحركاً عاجلاً كان يفترض اتخاذه خصوصاً والمجتمع الدولي ظل يتحدث عن قضية المياه الدولية كأمن إقليمي ودولي لا يمكن التساهل في تجاوز خطوطه الحمراء". ويستدل بما اتخذه المجتمع الدولي إزاء عمليات القراصنة الصوماليين ‏قبل أعوام، عندما "جُمع تحالف من عشرات الدول لمحاربة أفراد غير منظمين، فيما نتحدث اليوم عن أكبر ميليشيات إرهابية في العالم تمتلك ترسانة أسلحة متطورة ومتعددة وكثيفة، وبما تملكه من التحكم في مساحة جغرافية وبقدرتها على التهديد والتعطيل، ‏ومع ذلك تعامل معها المجتمع الدولي ‏بشيء من اللامبالاة".

يفسر البيل التعاطي الدولي الهادئ مع تطورات باب المندب بأنه جاء "تبعاً لمواقف الدول الكبرى وانسحب على باقي مواقف المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، التي أبدت مرونة عالية مع الحوثي ونوعاً من التقبل لوضع ما بعد التاسع من سبتمبر الجاري، بهدف ابتزاز الإقليم، إضافة لأهداف مرحلية أخرى منها ما يتعلق بالانتخابات النصفية هناك لمجرد التطمينات التي سارع الحوثيون إلى إرسالها إلى ترمب فور سيطرتهم على المضيق والسواحل المطلة على البحر الأحمر".

الحرس الثوري يعيد بناء الخريطة

أمام هذه التطورات الدامية أبدى اليمنيون مقاومة شرسة لسيطرة الحوثيين ودفعوا كثيراً من التضحيات مسنودين بموقف سعودي، فيما لا تشكل مصالح اليمن والسعودية فارقاً كبيراً مع باقي المصالح الدولية التي يبدو أنها بدأت تمتص الصدمة، أو تفكر في كيفية التعامل معها كقرار واقع لا يمكن مقاومته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحذر سفير اليمن لدى بريطانيا ياسين نعمان من "خطورة ما أقدمت عليه إيران في باب المندب"، مشدداً على أنه "لا يجب أن يُنظر إليه من خلال الخطاب الناعم الذي يطلقه الحوثي إزاء حرية الملاحة الدولية".

يرى نعمان أن ذلك "مجرد محاولة مخادعة لفرض واقع يقبله المجتمع الدولي، بينما هو على المدى البعيد مكون أساس من خطة لإعادة بناء الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة". وحذر من أنه "إذا سمح العالم بذلك، فإنه يكون قد ساعد الحرس الثوري الإيراني على تغيير خريطة الأمن الاقليمي وآليتها، لتعمل في الاتجاه الذي يبقي المنطقة في حال حرب دائمة".

مقاربات تطبيع الوضع

في شأن فكرة القبول بالتعاطي مع المتغيرات الحاصلة والتعامل مع الحوثي كسلطة أمر واقع، وفق ما يُردد في إعلام بعض الدول، يقول نعمان في مقالته التي نشرها على حسابه عبر موقع "فيسبوك" أنه في حال "سمعت أي خبر يقول إن الدولة العظمى الفلانية، أو الدولة المؤثرة العلانية توسطت لدى إيران والحوثي لعدم تعطيل الملاحة في باب المندب، وأنهما (أي إيران والحوثي) استجابتا لذلك، فاعلم أنك أمام حملة إعلامية منسقة هدفها إنتاج مقاربات تهيئ الأجواء لتطبيع الوضع الذي أنتجته الحرب التي أشعلوها أخيراً وترسيخه كواقع، وأنه لا يوجد ما يجعل العالم ينظر إليه كخطر استراتيجي يهدد الملاحة الدولية".

ودعا السفير اليمني إلى "التنبه إلى ما يحمله التعاطي مع هذه المقاربات الخبيثة، التي تحاول أن تصور المسألة وكأن حلها يكمن في إقناع الحوثي بعدم عرقلة الملاحة الدولية، دون النظر إلى ما يترتب على بقاء هذا الوضع من نشوء معادلات جيوسياسية وعسكرية جديدة يكون فيها لإيران اليد الطولى في هذه المنطقة المهمة، مع ما يشكله ذلك من تهديد للأمن الاقليمي والدولي".

وأضاف أن في سبيل مساعي "تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي سيعمل الحوثي وإيران وأبواقهما الإعلامية على تسويق مثل هذه المقاربات والتسريبات المخادعة، بما ذلك ما تبثه من تسريبات من أن هدف إشعال الحرب هو تحريك عملية السلام، متجاهلين حقيقة أنهم هم الذين عطلوا جهود السلام بما في ذلك تجميد خريطة الطريق عام 2023".

ليست قضية اليمني وحده

وأمام الدعوات الحكومية للمجتمع الدولي "القيام بدوره لحماية مضيق باب المندب بإسناد الحكومة الشرعية"، يرى البيل أنه لا بد للعالم عن أن "يدرك خطورة التطورات الجارية في مضيق باب المندب كقضية تخص الشأن العالمي، لا اليمنيين فقط". يضيف "لدينا أرض ‏عليها السيادة يمكن أن ندافع عنها، لكن لن يستطيع اليمن بمفرده، ولا الحكومة الشرعية وعليها كل الضغوط، أن يخلصا العالم والمجتمع الدولي من هذه الجائحة التي تعد مشكلة إقليمية ودولية".

وحتى وبعضهم يفكر في كيفية التهوين من مسألة سيطرة الحوثيين، يرى نعما أن ‏إيران نفسها "ليست حريصة على أن تقدم الحوثي كبديل للحكم في اليمن، ‏لأنه لا يهمها أن يمتلك السلطة ولا تريد ان تتحمل عبء نظام موالٍ لها، ولكنها تفضل أن يعيش في الهامش ولكنه متحكم فاعل". ويعتقد أن غاية إيران تكمن في أن "يخفف عنها الحوثي من وطأة معركتها مع الولايات المتحدة وبحسن شروط التفاوض ويفرض سيطرتها وتهديداتها في مضيق باب المندب وتحكمها شروطها".

يفسر نعمان موقف الحكومة الشرعية مما يجري بالضعيف، الذي لم يكن واضحاً بل متأخراً. وأمام المواقف الدولية التي أغفلت القضية اليمنية، يرى أنه كان يجب على الحكومة المسارعة إلى "التحقيق ‏‏وسد الثغرات، واتخاذ الإجراءات العسكرية المعالجة لكل ما حدث والانتقال إلى مرحلة المواجهة، لا أن تبرد الجبهات بطريقة غير مبررة". وكذا "الوقوف بحزم أمام أي دولة لا تتعامل وفق مصالح اليمنيين وحكومته الشرعية بإجراءات عدة"، مع الانتقال إلى "مرحلة الفاعلية والحسم الميداني".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات