ملخص
رصدت السلطات الأوروبية خلال الأعوام الماضية تحليق الطائرات المسيرة بانتظام فوق مرافق البنية التحتية الحيوية في جميع أنحاء أوروبا، فقد سجلت هيئة الطيران الألمانية 227 حالة رصد لطائرات مسيرة عام 2025.
باتت أوروبا تشهد بانتظام تحليق طائرات مسيّرة صغيرة تعطل حركة المطارات وتحوم حول بنى تحتية حيوية أخرى، بما في ذلك قواعد الغواصات النووية ومحطات الطاقة النووية ومحطات الغاز الطبيعي المسال.
وفي حين أن بعض هذه الحالات هي جزء من الحرب الهجينة التي تشنها روسيا ضد أوروبا، يقول محللون كثر إنه من المحتمل أن تكون هذه المسيرات من داخل دول أوروبية أو من سفن في بحر الشمال وبحر البلطيق، مما يجعل تحديد الجهة المسؤولة عنها، سواء كانت روسيا أو أي طرف آخر، أمراً صعب المنال.
وتواجه الدول الواقعة على طول الجناح الشرقي لأوروبا واقعاً جديداً آخر، إذ تواجه تهديداً مرتبطاً بما سبق ولكنه مختلف في طبيعته، يتمثل في عبور طائرات مسيرة عسكرية إلى أراضي الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي مقبلة من روسيا وبيلاروسيا، وكذلك من أوكرانيا، وقد وقع أخطر توغل من هذا النوع حتى الآن في سبتمبر (أيلول) 2025، حين عبرت نحو 20 طائرة مسيرة عسكرية روسية المجال الجوي البولندي، مما دفع بولندا إلى تفعيل المادة الرابعة من "معاهدة واشنطن" الخاصة بحلف شمال الأطلسي.
وكل ذلك يتزامن مع مواجهة الجيوش في جميع أنحاء القارة العجوز صعوبة في صياغة استجابة فعالة لمشكلة الطائرات المسيرة الصغيرة التي تحلق فوق البنية التحتية الحيوية.
المسيرات فوق البنية التحتية الحيوية
رصدت السلطات الأوروبية خلال الأعوام الماضية تحليق الطائرات المسيرة بانتظام فوق مرافق البنية التحتية الحيوية في جميع أنحاء أوروبا، فقد سجلت هيئة الطيران الألمانية 227 حالة رصد لطائرات مسيرة في عام 2025.
وتظهر هذه الأرقام ارتفاعاً مطرداً منذ بدء عمليات الرصد والتوثيق خلال عام 2020، فيما تشير التوقعات إلى أن أرقام العام الحالي في طريقها لتجاوز أرقام العام السابق، فيما تعد مثل هذه الحوادث في الغالب شأناً مدنياً، مما يعني أن مسؤولية رصدها وتحديد هويتها والتصدي لها تقع على عاتق السلطات المحلية، مثل قوات الشرطة.
وعادة ما تستحوذ حوادث التحليق بالقرب من المطارات على القدر الأكبر من الاهتمام لثلاثة أسباب، أولها أن الطائرات المسيرة تشكل خطراً جسيماً على الطائرات ولديها القدرة على التسبب في حوادث تسفر عن خسائر بشرية فادحة، وثانيها أن الطائرات المسيرة الموجودة بالقرب من المطارات تتسبب في أضرار اقتصادية كبيرة، إذ اضطر مطار كوبنهاغن في الدنمارك للإغلاق مدة أربع ساعات خلال سبتمبر عام 2025، بينما ألغيت أكثر من 30 رحلة جوية في مدينة ميونيخ الألمانية عقب رصد طائرات مسيرة في مارس (آذار) 2025.
ثم يأتي السبب الثالث وهو أن عمليات إغلاق المطارات تؤثر بصورة ملموسة في المواطنين، وهو ما يفسر سبب كونها أهدافاً شائعة لمثل هذه الحوادث في المقام الأول.
وتثير حالات الرصد فوق مرافق بنية تحتية حيوية أخرى مثل مراكز الطاقة والمنشآت العسكرية قدراً مماثلاً من القلق، إذ يمكن للطائرات المسيرة، أن تساعد جهات معادية في جمع معلومات استخباراتية حول الترتيبات الأمنية في هذه المنشآت، ومن ثم استخدام تلك المعلومات للتحضير لعمليات تخريب أو هجمات مستقبلية.
ومن بين هذه المواقع قد تكون لأنشطة الطائرات المسيرة حول المنشآت العسكرية عواقب وخيمة للغاية، ففي أوائل عام 2025 سجلت وزارة الدفاع الألمانية ست حالات تحليق لمسيرات فوق قاعدة "شفيسينغ" الجوية، وهي قاعدة تابعة للجيش الألماني، حيث كان يجري تدريب جنود أوكرانيين على استخدام أنظمة صواريخ الدفاع الجوي "باتريوت"، ومن المحتمل أن تكون تلك الطائرات المسيرة مزودة بمعدات استخبارات الإشارات القادرة على تحديد مواقع الهواتف المحمولة للجنود.
وبمجرد تحديد تلك الهواتف، ربما تمكنت روسيا من رصد مواقعها مجدداً بعد أشهر على خط المواجهة الأوكراني، ومعها بطاريات صواريخ "باتريوت" الثمينة التي تزداد ندرة، وهو ما يشكل مصدر قلق مباشر لجهود الدفاع الأوكرانية، ولأوروبا بصورة أعم كونه يوضح طبيعة المعلومات التي قد تجمعها روسيا عن القوات المسلحة الأوروبية.
فوق الجناح الشرقي لأوروبا
إلى ذلك واجهت دول الجناح الشرقي لأوروبا أي فنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا وبلغاريا، اختراقات متكررة من مسيرات منذ أن بدأت روسيا حربها ضد أوكرانيا خلال عام 2022، وازدادت حدتها منذ عام 2025.
فبعد أسبوعين فحسب من الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا حلقت طائرة مسيرة من دون أن يجري رصدها لمسافة مئات الكيلومترات فوق رومانيا والمجر، قبل أن تتحطم بالقرب من زغرب في كرواتيا، كذلك سقطت طائرات مسيرة روسية في رومانيا خلال عام 2023، وفي بولندا وليتوانيا عام 2025.
غير أن عدد هذه الحوادث ارتفع بصورة ملحوظة خلال العام الحالي، ففي مايو (أيار) الماضي لجأ السكان في ليتوانيا إلى الملاجئ بعدما أدى إنذار بوجود طائرة مسيرة إلى شل الحركة في العاصمة فيلنيوس، وعلى الجانب الآخر من الحدود في لاتفيا، فقد كل من وزير الدفاع ورئيس الوزراء منصبيهما بسبب رد فعل سياسي على اختراقات الطائرات المسيرة اعتُبر غير كافٍ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعندما عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً في شأن حادثة مدينة غالاتي الرومانية خلال يونيو (حزيران) الماضي، أشار وزير الخارجية الروماني إلى أن تلك الحادثة لم تكن سوى واحدة من أكثر من 40 حالة اختراق للمجال الجوي للبلاد خلال العام الحالي وحده، وهو رقم تزايد بصورة كبيرة منذ ذلك الحين.
في البداية بدت هذه الحوادث عرضية وناجمة عن أعطال في أنظمة التوجيه، أو أخطاء تشغيلية، أو تداخل ناتج عن تدابير مضادة إلكترونية، لكن حادثة سبتمبر 2025، التي دخلت فيها نحو 20 طائرة مسيرة عسكرية إلى بولندا من مواقع مختلفة، أثارت مخاوف من أن بعض هذه الحوادث قد تكون استفزازات متعمدة.
روسيا التهديد الأول
تتهم معظم الدول الأوروبية روسيا بحوادث المسيرات التي تطرقنا إليها، خصوصاً أنه على مدى أعوام نفذت موسكو هجمات استهدفت البنية التحتية العسكرية والمدنية وكذلك الهيئات الحكومية، وتتنوع هذه الهجمات بين ما هو سيبراني وما يتضمن تخريباً مادياً، مثل إشعال حرائق في شحنات جوية في بريطانيا وألمانيا وبولندا، وإلحاق أضرار بكابلات بحرية في بحر البلطيق.
كما ساعدت الاستخبارات الأميركية ألمانيا في إحباط مؤامرة لاغتيال الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع الأسلحة "راينميتال" أرمين بابرجر، وفي الوقت نفسه، واجهت السويد هجمات استهدفت شبكة الاتصالات الخاصة بها.
وقد أشار زعيم المعارضة الألمانية فريدريش ميرتس، إلى احتمال وقوف عملاء روس وراء بعض تلك الطلعات الجوية في الأقل. وصرحت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، بأنها لا تستطيع استبعاد احتمال أن تكون روسيا هي المسؤولة عن الاضطرابات التي شهدها مطار كوبنهاغن. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن حوادث الطائرات المسيرة في أنحاء أوروبا تظهر بوضوح أن روسيا مستعدة لتصعيد هذه الحرب، وأن الأمر لم يكن يقتصر يوماً على بلاده وحدها.
وإضافة إلى ذلك، تتبع صحافيون استقصائيون مسارات رحلات عدة لطائرات مسيرة خلال عام 2025، ليعود مصدرها إلى سفن روسية في بحر الشمال وبحر البلطيق، وفي وقت لاحق خلص تقرير صادر عن "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" هذا العام إلى احتمالية كبيرة بأن روسيا نفذت حملة بمسيرات ضد أوروبا، تركزت بصورة أساس في أواخر عام 2025، وكشف البحث أن مصدر بعض هذه الطائرات المسيرة ربما كان سفناً تابعة لـ"الأسطول الروسي الخفي".