Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصين تحول اعتمادها على النفط المستورد إلى نفوذ في سوق الطاقة

خفضت بكين مشترياتها من الخام في 6 أشهر من حرب إيران بنسبة 23%

تمكنت بكين من التغلب على صدمات الطاقة، حتى إنها أصبحت قوة مهيمنة في سوق النفط (اندبندنت عربية)

ملخص

إلى جانب المخزون النفطي الهائل، استفادت الصين من طاقتها التكريرية الكبيرة، فقد أصبحت الصين ثاني أكبر بلد في العالم من حيث صناعة التكرير وإنتاج مشتقات النفط.

من بين التحليلات التي تناولت الحرب على إيران وأزمة الطاقة العالمية التي نجمت عنها، أن الولايات المتحدة تسعى للهيمنة على سوق النفط العالمية، مثلما فعلت مع نفط فنزويلا، بهدف حصار الصين في مجال الطاقة.

وبغض النظر عما إذا كان ذلك التحليل صحيحاً أم لا، فإن إحدى النتائج الجانبية لحرب إيران، كما لحرب أوكرانيا التي بدأت قبل أربعة أعوام، هي اضطراب أسواق الطاقة، وبخاصة سوق النفط.

إلا أن ما حدث في سوق النفط العالمية خلال الأشهر الأخيرة أظهر كيف حولت الصين، المستورد الأكبر للنفط في العالم، نقطة ضعفها إلى نقطة قوة. وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، تمكنت بكين من التغلب على صدمات الطاقة، حتى إنها أصبحت قوة مهيمنة في سوق النفط العالمية، على رغم أن الاعتقاد السائد تقليدياً هو أن منتجي النفط هم من يتحكمون في السوق، وليس مستورديه.

أما كيف تحولت الصين من مستورد للنفط يعتمد اقتصادها على واردات الطاقة من منتجين آخرين إلى مؤثر مهم في وضع السوق والأسعار، فلم يكن ذلك وليد التوترات الجيوسياسية الأخيرة في العالم، إنما جرى التخطيط له على مدى أعوام طويلة.

عملت الحكومة الصينية على بناء واحد من أكبر مخزونات النفط الاستراتيجية والتجارية، من خلال الشراء في أوقات رخص الأسعار، ووسعت طاقتها التكريرية بصورة مستمرة، إضافة إلى الاستثمار في الفحم وغيره من مصادر الطاقة الأخرى غير النفط.

تحويل الضعف إلى قوة

عدت الصين تاريخياً، نظراً إلى أنها أكبر مستورد للنفط وثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، المحرك الأول لنمو الطلب العالمي على النفط، إذ تراقب كل شركات معلومات الطاقة ومراكز الاستشارات حجم الاستيراد الصيني من النفط كمؤشر إلى توجه السوق العالمية.

وفي وقت كانت الولايات المتحدة تزيد إنتاجها من النفط خلال الأعوام الأخيرة، لتصبح أكبر منتج في العالم عند نحو 13 مليون برميل يومياً، ظلت الصين أكبر مستورد للنفط في العالم لتشغيل اقتصادها الكبير.

لكن أزمة الطاقة التي نتجت من حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس نفط العالم، وغالبه متجه إلى آسيا، بما في ذلك الصين، أثبتت قدرة بكين على التأثير في سوق النفط، وليس التضرر من تطوراته وصدماته.

اتضح ذلك تماماً بالإجراءات التي اتخذتها الصين، وسبق أن اتخذت مثلها على نطاق أقل مع حرب أوكرانيا واضطراب أسواق الطاقة وقتها، ومكنتها من تفادي تعرض اقتصادها لصدمة. ليس ذلك فحسب، بل إن الإجراءات الصينية كانت أكثر تأثيراً في سوق النفط العالمية من كبار المنتجين مثل الولايات المتحدة، على حد تعبير تقرير الصحيفة الأميركية.

إلى جانب حجم المخزون النفطي الهائل والزيادة الكبيرة في طاقة تكرير النفط، أصبحت الصين أخيراً قوة طاغية في مصادر الطاقة الأخرى، إذ هيمنت الصين على صناعة ألواح الطاقة الشمسية وبطاريات تخزين الطاقة والسيارات الكهربائية عالمياً. وهكذا أصبحت الصين في وضع لا يضاهى عالمياً في مجال الطاقة، حتى إنه لم يعد بمقدور كبار منتجي النفط تهديدها بأزمة إمدادات تضر باقتصادها الكبير.

تنقل صحيفة "نيويورك تايمز" عن المسؤول السابق في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية، جوليان غيورتز، قوله عن تحول الصين ضعفها إلى قوة في مجال الطاقة "إذا شعروا (الصينيون) بأنهم في هذا المجال أقل هشاشة مما قدره الآخرون من قبل، فذلك تحول مهم وهائل في مدخلات اتخاذ القرار الصيني في شأن استراتيجيتها العالمية". واعتبر ذلك تلميحاً إلى أن الصين لم تعد تخشى ضغوطاً أميركية أو غيرها في مجال الطاقة إذا قررت غزو تايوان مثلاً.

التأثير في سوق النفط

نتيجة قدرة الصين على تنويع مصادر الطاقة، إلى جانب مخزونها النفطي الهائل وطاقة التكرير الكبيرة، خفضت الصين مشترياتها من النفط في ستة أشهر من حرب إيران بنسبة 23 في المئة. ولم يكن بمقدور الدول الأخرى المستهلكة للطاقة والمعتمدة على واردات النفط من الشرق الأوسط أن تلجأ إلى هذا الخيار، واضطرت إما إلى تقليل الاستهلاك أو شراء الطاقة بكلفة أعلى من مصادر أخرى.

فوجئ المتعاملون في أسواق الطاقة بالتصرف الصيني الذي أربك غالب الحسابات، وأولها أن أسعار النفط لم ترتفع بقوة نتيجة الحرب كما كان الكل يتوقع. يقول المسؤول عن أبحاث النفط في بنك "غولدمان ساكس" الاستثماري الأميركي، دان سترويفن، إنه بنهاية الشهر الماضي كانت أسعار النفط أقل بنحو 10 دولارات للبرميل عما كانت ستصبح عليه إذا استمرت الصين في الاستيراد بالمعدلات الطبيعية.

سبق تقرير صحيفة "نيويورك تايمز" تحليل أوسع لمجلة "إيكونيميست" حول ما بدا من هيمنة صينية على سوق النفط العالمية، من دون أن تكون الصين منتجاً أو مصدراً، بل هي مستورد يستهلك نفطاً أكثر مما ينتج بكثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت التوقعات مع بداية حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وما تلا ذلك من توقف مرور ما يزيد على 14 مليون برميل يومياً من النفط عبر مضيق هرمز، أن ترتفع أسعار النفط في السوق العالمية إلى 150 دولاراً للبرميل، وربما إلى 200 دولار. لكن ذلك لم يحدث، وأقصى ارتفاع لفترة وجيزة خلال الحرب كان قرب 120 دولاراً للبرميل، قبل أن تعود إلى مستويات تراوحت ما بين 80 و90 دولاراً، بل وهبطت في فترات الانفراج في الصراع إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل.

كان العامل الأهم والأكثر تأثيراً في سوق النفط العالمية هو قرار الصين خفض وارداتها النفطية إلى النصف تقريباً، أي بنحو 5.5 مليون برميل يومياً، ما بين فبراير ويونيو (حزيران) الماضيين. وأدى ذلك، بحسب تقدير "إيكونيميست"، إلى خفض أسعار النفط العالمية بنحو 30 دولاراً للبرميل.

إلى جانب تنويع مصادر الطاقة لديها، استفادت الصين من كونها دولة مركزية، بمعنى أن غالب النشاط الاقتصادي فيها بيد الحكومة في بكين، بالتالي يمكنها ضبط استهلاك النفط واستيراده وإعادة تصدير مشتقاته بسهولة، وهذا على عكس الدول المستهلكة الأخرى التي يحكم استهلاكها واستيرادها للطاقة قطاع خاص واسع.

قوة نفطية هائلة بالسلب

ظلت الصين مستورداً صافياً للنفط، بمعنى أن إنتاجها لا يكفي استهلاكها، بالتالي تضطر للاستيراد لتلبية حاجة تشغيل الاقتصاد. لذا بدأت منذ أعوام، وتحديداً قبل ربع قرن، بناء مخزونات نفطية هائلة. صحيح أنها بدأت ذلك بعد الولايات المتحدة، التي بدأت بناء مخزوناتها الاستراتيجية من النفط في سبعينيات القرن الماضي، لكنها ظلت تخزن النفط بكثافة. وفي الوقت نفسه، تتوسع في بناء مصافي التكرير لتلبية حاجات اقتصادها المتنامية من مشتقات البترول وتقليل الاضطرار إلى استيراد المكررات.

على سبيل المثال، في العام الماضي، مع وجود فائض معروض في السوق، بالتالي انخفاض أسعار النفط، اشترت الصين ما يزيد على 200 مليون برميل بأسعار رخيصة، أضافتها إلى مخزونها الذي تجاوز مليار برميل. ومن بين 11.6 مليون برميل يومياً استوردتها الصين في فبراير هذا العام، كان هناك ما لا يقل عن مليون برميل زيادة على حاجة الاستهلاك.

لذا، ما إن توقفت شحنات النفط إلى الصين من الشرق الأوسط في أبريل (نيسان) الماضي، بدأت السحب من تلك المخزونات الهائلة، دون أن يؤثر ذلك كثيراً في احتياطاتها المخزنة التي فاقت 1.3 مليار برميل، بينما المخزونات الأميركية في حدود نصف مليار برميل. وبحسب بيانات شركة "فورتكسا"، انخفضت مخزونات الصين النفطية بحلول يوليو (تموز) الماضي بنحو 70 مليون برميل.

كان غالب ذلك السحب من مخزونات المصافي، التي تستهلكها وتعوضها كل شهر، كما يقول توم ريد من "أرغوس ميديا". وبما أن غالب المصافي مملوكة للدولة، كان ممكناً أن تقرر بكين التوقف عن تخزين نحو مليون برميل يومياً، تضاف إلى 1.5 مليون برميل يومياً التي تسحبها من المخزونات. وهكذا، فإن خفض الصين استيراد النفط بنحو 5.5 مليون برميل يومياً جرى تعويض نصفه تقريباً، أي 2.5 مليون برميل يومياً، من المخزونات المحلية، من دون تأثير كبير في الاحتياطات النفطية المخزنة لدى الصين.

إلى جانب المخزون النفطي الهائل، استفادت الصين من طاقتها التكريرية الكبيرة، فقد أصبحت الصين ثاني أكبر بلد في العالم من حيث صناعة التكرير وإنتاج مشتقات النفط. وإلى جانب تلبية حاجات السوق المحلية، تقوم بتصدير فائض إنتاج المشتقات المكررة إلى دول آسيا المجاورة. وفي مارس (آذار) الماضي، أصدرت الحكومة الصينية تعليماتها إلى جميع المصافي في البلاد بالتوقف عن توقيع عقود جديدة لتصدير المشتقات البترولية، ومحاولة الانتهاء من العقود السابقة بسرعة.

ما بين فبراير وأبريل الماضيين، انخفضت صادرات الصين من المشتقات البترولية بنحو النصف تقريباً إلى 430 ألف برميل يومياً، وأسهم ذلك، إلى جانب تلبية الحاجات المحلية من المشتقات، في توفير قدر من النفط الخام الذي كانت المصافي تستخدمه لتكرير منتجات للتصدير. وحولت الصين ذلك الفائض من نفط المصافي لإنتاج مشتقات، كانت بكين تستوردها من دول الخليج.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز