Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قضية اليمن أمام مجلس الأمن... جذور المشكلة ما زالت قائمة

استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح ليست انتصار طرف على آخر لكنها جعلت البلد وطناً مشتركاً لا ساحة مفتوحة للجغرافيا الإقليمية

إحدى جلسات مجلس الأمن الدولي (أ ف ب)

ملخص

لم تصل الميليشيات الحوثية إلى صنعاء عبر عملية سياسية أفضت إلى تفويض شعبي أو توافق وطني، وإنما استولت عناصرها على العاصمة خلال الـ21 من سبتمبر 2014 عبر انقلاب مسلح.

أستطيع القول إن قضية اليمن، في صورتها التي ظهرت أمام مجلس الأمن الدولي في الـ15 من سبتمبر (أيلول) الجاري، لم تعد مجرد نزاع داخلي ينتظر تسوية بين أطراف متنازعة على السلطة، كما يجري تصويرها هنا أو هناك، في حين أنها واقعياً تكمن في صراعٍ بين حكومة يمنية شرعية معترف بها إقليمياً ودولياً وبين ميليشيات منقلبة على الدولة بقوة السلاح، بل باتت قضية تتقاطع فيها استعادة الدولة مع أمن البحر الأحمر وباب المندب وحماية الملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.

لقد حذرت الأمم المتحدة من أن الوضع في باب المندب ومحيطه أصبح أكثر تقلباً، تزامناً مع تصاعد القتال على الساحل الغربي وتقدم الميليشيات الحوثية باتجاه المضيق، وما رافق ذلك من تقارير عن السيطرة على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر.

هذه الصورة في محصلتها الراهنة تفرض إعادة قراءة أصل الأزمة، فالممرات الدولية لم تكن لتصبح جزءاً من معادلة الحرب اليمنية لولا انتقال الصراع من محاولة السيطرة على الدولة من قبل الميليشيات الحوثية إلى توظيف الجغرافيا اليمنية في صراع يتجاوز حدودها.

تبرز من هنا حقيقة سياسية وقانونية لا ينبغي في تقديري أن تضيع وسط تفاصيل التصعيد الراهن، إذ لم تصل الميليشيات الحوثية إلى صنعاء عبر عملية سياسية أفضت إلى تفويض شعبي أو توافق وطني، وإنما استولت عناصرها على العاصمة خلال الـ21 من سبتمبر 2014 عبر انقلاب مسلح، ثم حاولت خلال مارس (آذار) 2015 فرض سلطة بديلة كأمر واقع على عدن، التي اتخذها وقتذاك الرئيس عبدربه منصور هادي عاصمة موقتة للجمهورية اليمنية. وتؤكد وثائق مجلس الأمن هذه الوقائع في سياق العقوبات المفروضة على قيادة هذه الميليشيات.

لنتذكر معاً أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 جاء في الـ14 من أبريل (نيسان) 2015 ليطالب الميليشيات الحوثية، بصورة صريحة، بإنهاء العنف والانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، بما فيها صنعاء، وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، والتوقف عن ممارسة الاختصاصات الحصرية للحكومة اليمنية. ولذلك، فإن استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح ليست شعاراً سياسياً مستحدثاً، بل تتصل بجوهر المسار الذي حدده مجلس الأمن منذ بداية الحرب.

لكن مرور أكثر من عقد على صدور القرار 2216 يكشف في تصوري عن فجوة واضحة بين الإطار القانوني الدولي وبين القدرة على تحويله إلى واقع سياسي وميداني. فقد أُقر القرار بـ14 صوتاً مؤيداً مقابل امتناع واحد، وتحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، متضمناً إجراءات تتعلق بالسلاح والعقوبات.

مع ذلك، ظل اليمن يعيش بين هدنة موقتة وتصعيد متجدد من قبل الميليشيات الحوثية، وبين دعوات للحوار ومسارات عسكرية تعيد إنتاج الوقائع على الأرض. والمشكلة هنا في تقديري ليست في مبدأ التسوية السياسية، فهو الطريق الذي تؤكده الأمم المتحدة، وإنما في السؤال الأهم وهو هل يمكن بناء سلام عادل ومستدام في ظل استمرار وجود قوة مسلحة تحتفظ بقدرتها على فرض إرادتها خارج مؤسسات الدولة؟ إن السلام الذي لا يعيد الاعتبار للدولة قد يوقف القتال موقتاً، لكنه لا يعالج البنية التي أنتجت الحرب.

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نقرأ التطورات الأخيرة في ضوء موقع اليمن الجغرافي. فباب المندب ليس مجرد مساحة بحرية تقع على الخريطة اليمنية، بل أحد الممرات الحيوية للتجارة الدولية، ولذلك فإن أي اضطراب مستدام حوله يفتح الباب أمام آثار تتجاوز اليمن والمنطقة. وقد أكدت الأمم المتحدة أن حركة السفن التجارية في البحر الأحمر بدت، حتى وقت الإحاطة، غير متأثرة بصورة كبيرة، لكنها حذرت في الوقت نفسه من ارتفاع الأخطار مع استمرار التوتر في باب المندب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

تتغير هنا طبيعة المسؤولية، فاليمنيون معنيون أولاً باستعادة سيادة دولتهم على أرضهم ومياههم، بينما يصبح المجتمع الدولي غير المهتم بتفاصيل الصراع في اليمن معنياً بحماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، ومنع تحول الممرات الدولية إلى أدوات في صراع إقليمي أوسع.

ولذلك لم يعد ممكناً فصل ما يجري في الجبهات اليمنية عن التداعيات الإقليمية والدولية. فقد تحدثت الإحاطة الأممية عن استمرار المواجهات في مأرب ولحج والجوف وحجة والبيضاء وصعدة وتعز، وعن إطلاق الحكومة اليمنية هجوماً مضاداً بعد تقدم الميليشيات الحوثية خلال الأسبوع السابق.

غير أن الجانب الأكثر قسوة في هذه التطورات لا يظهر في خرائط السيطرة، بل في حياة الناس الذين يدفعون ثمن اتساع رقعة القتال. فقد أفادت الأمم المتحدة بنزوح ما لا يقل عن 125 ألف شخص داخل اليمن منذ بداية سبتمبر الجاري، فيما وثقت مفوضية حقوق الإنسان 40 ضحية مدنية، بينهم ثمانية قتلى و32 جريحاً، يُمثل النساء والأطفال نسبة كبيرة منهم. وهنا تصبح استعادة الدولة أيضاً قضية إنسانية قبل أن تكون معادلة سياسية.

لاحظوا معي من فضلكم أن الإنسان اليمني لا يحتاج إلى دولة باعتبارها فكرة مجردة، وإنما باعتبارها الحماية الأولى من الفوضى والغلبة والخوف والجوع والنزوح. والدولة، في معناها الحقيقي، هي التي تجعل القانون أعلى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الجماعة، والمواطنة أوسع من الانتماء الضيق سواءً كان سلالياً أو مناطقياً. وحين تتحول السلطة إلى امتياز لقوة مسلحة كأمر واقع، تصبح حياة المواطنين رهينة لتوازنات الحرب لا لضمانات القانون.

ولهذا، فإن الحديث عن استعادة الدولة ينبغي في تصوري ألا يُختزل في استعادة المدن أو تغيير خطوط التماس، بل في إعادة بناء المجال العام الذي يستطيع فيه اليمني أن يعيش من دون أن يسأل عن الجهة المسلحة التي تسيطر على منطقته قبل أن يعرف حقوقه كمواطن. من هذه الزاوية، يصبح المسار العسكري جزءاً من معادلة أوسع، لا غاية منفصلة عن بناء السلام والمؤسسات.

في المقابل، فإن الدعوة إلى المسار السياسي تظل ضرورية في نهاية المطاف، بل لا يمكن في تقديري تجاهلها إذا كان الهدف هو إنهاء الحرب بصورة مستدامة. لكن السياسة لا تنجح في مجرد جمع الأطراف حول طاولة واحدة، وإنما تحتاج إلى أرضية مشتركة تعترف بالدولة ومؤسساتها ومرجعيات القانون وقرارات مجلس الأمن الدولي، وتتعامل مع السلاح بوصفه قضية سيادية لا مجرد ورقة تفاوضية. وقد جددت الإحاطة الأممية، شأنها شأن الإحاطات السابقة، الدعوة إلى ضبط النفس والانخراط البناء في الجهود التي يقودها المبعوث الخاص نحو حل سياسي تفاوضي، لكن الغالبية تتغاضى عن سلوكه الذي يساوي بين حكومة شرعية وميليشيات مسلحة (راجع من فضلك مقالة فائتة لي في "اندبندنت عربية" بعنوان "هدف يسعى هانس غروندبرغ إلى تحقيقه في اليمن").

وهذه الدعوة إلى حل سياسي تفاوضي لا تتعارض مع استعادة الدولة إذا كان الأمر سيسير وفق منطق القانون والمرجعيات لا وفق منطق السلاح والغلبة، بل يفترض أن يكون جزءاً منها. فالسلام الذي يضع حداً للعنف ينبغي أن يفتح الطريق أمام احتكار الدولة للسلاح، لا أن يمنح الانقلاب المسلح من قبل الميليشيات الحوثية صيغة دائمة داخل الدولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتزداد أهمية هذه المعادلة لأن مجلس الأمن نفسه لا يتعامل مع الميليشيات الحوثية باعتبارها طرفاً مساوياً للدولة في كل السياقات القانونية. فالجماعة مدرجة في نظام العقوبات المرتبط بالقرار 2216، وتربط الأمم المتحدة بها أعمالاً تهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن، من بينها استهداف مدنيين وبنية تحتية مدنية، وتجنيد الأطفال، وعرقلة المساعدات، وتهديد الملاحة التجارية في البحر الأحمر. وهذا لا يعني أن الحل العسكري وحده كافٍ، ولا يلغي الحاجة إلى عملية سياسية شاملة، لكنه يضع مسألة نزع السلاح من المجال السياسي في موقعها الصحيح. فالتسوية التي لا تنهي ازدواجية السلطة والسلاح قد تنتج هدنة أطول، لكنها لن تستعيد الدولة ولا ستنتج بالضرورة دولة مستقرة.

من هذه الزاوية، المشار إليها، يمكن فهم أهمية ما طرحه الموقف اليمني أمام مجلس الأمن الدولي في شأن باب المندب، فهو أرض يمنية، لكن أمن الممر الملاحي مسؤولية دولية مشتركة. هذه المعادلة لا تتناقض مع السيادة، بل تؤكدها، لأن الدولة التي تستعيد قدرتها على حماية حدودها وممراتها البحرية تصبح شريكاً في حماية الأمن الإقليمي والدولي، لا مجرد ساحة للصراع.

في المقابل، فإن تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة لتهديد الملاحة أو استهداف دول الجوار كما تفعل الميليشيات الحوثية يوسع دائرة الصراع ويزيد كلفته على المواطن اليمني نفسه. وقد أكدت الأمم المتحدة ضرورة استعادة واحترام حقوق وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وفق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

لذلك تبدو قضية اليمن أمام مجلس الأمن اليوم واقفة عند مفترق واضح، احتواء التصعيد من جهة، ومعالجة أصل الأزمة من جهة أخرى إذا ما تغاضينا عن الصورة غير السوية التي دائماً ما يظهر بها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن. ولا يمكن للهدوء أن يصبح سلاماً ما لم يستند إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها وفرض القانون وإدارة مواردها وحدودها وموانئها وممراتها البحرية.

في الواقع إن استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح ليست انتصار طرف على طرف، بقدر ما هي استعادة المعنى الذي يجعل اليمن وطناً مشتركاً لا ساحة مفتوحة أمام السلاح والجغرافيا الإقليمية. وقد أكدت جلسة الـ15 من سبتمبر الجاري أن المجتمع الدولي يريد خفض التصعيد وحماية المدنيين والملاحة وإعادة فتح الطريق أمام التسوية السياسية، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن أن جذور المشكلة ما زالت قائمة. وبين هذين المسارين يبقى التحدي الحقيقي هو بناء سلام عادل ومُستدام لا يجمد الأزمة، وإنما ينهي الأسباب التي جعلت الدولة نفسها موضع صراع.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء