ملخص
يسعى الجيش من خلال التقدم في غرب شمال كردفان إلى مواصلة التحرك باتجاه دارفور عبر طريق الأربعين القديم، وهو ممر صحراوي وعر يربط دارفور بكردفان، واستخدمت قوات "الدعم السريع" هذا الطريق خلال وجودها في الخرطوم لنقل مقاتلين وعتاد عسكري من دارفور إلى جبهات القتال في العاصمة.
شهد الوضع العملياتي والميداني في السودان أمس الجمعة تصعيداً عسكرياً واسع النطاق ومواجهات عنيفة بين طرفي الحرب، إذ تمكن الجيش من مواصلة زحفه أقصى غرب ولاية شمال كردفان وبسط سيطرته على أربع مناطق جديدة، بالتزامن مع تصديه لهجوم عنيف شنّه تحالف قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية شمال على منطقة الكيلي الاستراتيجية بإقليم النيل الأزرق.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجيش والقوات المساندة له بسطوا سيطرتهم على مناطق تنة، وجبل أبو سنون، وأم صميمة، وأبو قعود، الواقعة شمال وغرب مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، وهي مناطق استراتيجية كانت تتمركز فيها قوات "الدعم السريع" لاستهداف الجيش، وذلك بعد معارك ضارية مع قوات الجماعة.
وبث أفراد من الجيش مقاطع فيديو من داخل تلك المناطق التي سيطروا عليها، وهم يتوعدون بطرد قوات "الدعم السريع" من كافة أراضي البلاد.
وقال الناطق باسم قوات العمل الخاص، محمد ديدان، إن العمليات العسكرية في محور كردفان مستمرة إلى حين إعلان كردفان خالية من هذه الميليشيا، مؤكداً أن طريق الأبيض - الدلنج سيتم فتحه قريباً.
في حين أكدت مصادر في غرفة طوارئ دار حمر تلقيها معلومات تفيد بأن أفراداً من "الدعم السريع" قاموا خلال انسحابهم من المعارك الدائرة مع الجيش في مناطق شمال كردفان بنهب المحال التجارية في سوق بلدة المزروب، قبل أن يواصلوا الفرار غرباً.
وتقع أم صميمة وأبو قعود وجبل أبو سنون في موقع استراتيجي وسط ولايتي شمال وغرب كردفان، على الطريق القومي الرابط بين الأبيض والخوي، وتتيح استعادتها للجيش توسيع نطاق انتشاره والتقدم نحو مدينة الخوي بولاية غرب كردفان.
ومنذ أشهر، يتبادل الجيش وقوات "الدعم السريع" السيطرة على تلك المناطق الاستراتيجية في كردفان، ويسعى الجيش من خلال هذه العمليات إلى بسط سيطرته على الإقليم والتوجه غرباً نحو دارفور.
وتأتي هذه العمليات ضمن هجوم واسع بدأه الجيش الخميس في ولايتي شمال وجنوب كردفان، شمل السيطرة على 11 منطقة في محلية غرب بارا والفرشاية قرب الدلنج، في محاولة لقطع طرق إمداد "الدعم السريع" في إقليم كردفان.
ويسعى الجيش من خلال التقدم في غرب شمال كردفان إلى مواصلة التحرك باتجاه دارفور عبر طريق الأربعين القديم، وهو ممر صحراوي وعر يربط دارفور بكردفان، واستخدمت قوات "الدعم السريع" هذا الطريق خلال وجودها في الخرطوم لنقل مقاتلين وعتاد عسكري من دارفور إلى جبهات القتال في العاصمة.
بيان لـ"الدعم السريع"
من جانبها، أوضحت قوات "الدعم السريع" أنها حققت انتصاراً على الجيش لدى مهاجمته مناطق تابعة لسيطرتها غرب مدينة الأبيض.
وأفاد المتحدث باسم "الدعم السريع" في بيان صحافي بأن قواته حققت انتصاراً كبيراً على الجيش ومسانديه في منطقة أبو قعود، وكبدتهم خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، حيث استولت على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر لا يزال جارياً حصرها.
وأشار البيان إلى مواصلة "الدعم السريع" عملياتها العسكرية، وفق خطى مدروسة وثابتة لتحقيق أهدافها المعلنة بشأن السيطرة على كامل الأراضي السودانية.
اتساع دائرة الانشقاقات
في السياق، أكد القائد الميداني الذي انشق أخيراً من "الدعم السريع"، النور القبة، اكتمال جاهزية القوات التابعة له للتحرك إلى محاور القتال في ولايتي كردفان ودارفور، والعمل إلى جانب الجيش والقوات المساندة له، في خطوة تأتي في إطار مشاركته في العمليات العسكرية خلال المرحلة المقبلة، بحسب قوله.
وقال القبة إنه تمكن منذ انضمامه إلى الجيش من إقناع عدد من القيادات بالانشقاق عن "الدعم السريع" والعودة إلى البلاد، لافتاً إلى أن عدد العائدين أصبح يفوق عدد القوات الموجودة تحت قيادته، في إشارة إلى اتساع دائرة الانشقاقات التي قال إنه ساهم في تشجيعها خلال الفترة الماضية.
موجات نزوح
في حين أدى اتساع نطاق القتال في محاور شمال كردفان إلى موجات نزوح جديدة، إذ وصل أكثر من 5 آلاف نازح إلى مدينة أم درمان، قادمين من منطقة القاعة ومناطق أخرى متاخمة لجبهات القتال، بينها كوكيتي وشرشار والفرشاية غرب مدينة بارا.
ويصل النازحون إلى مناطق الاستقبال في ظروف بالغة الصعوبة، بعدما فقد كثير منهم مصادر رزقهم التي تعتمد أساساً على الزراعة والرعي، في وقت تتزامن فيه موجات النزوح مع موسم الأمطار، مما يزيد احتياجاتهم إلى المأوى والغذاء والخدمات الأساسية.
وتأتي هذه التطورات في إطار الحرب المستمرة بين طرفي النزاع منذ أبريل (نيسان) 2023، والتي امتدت إلى 13 ولاية من أصل 18، وأوقعت عشرات الآلاف من القتلى، بينما تقدر جهات أممية ودولية أعداد النازحين بنحو 13 مليون شخص.
النيل الأزرق
إلى ذلك، شهدت منطقة الكيلي الواقعة جنوب شرقي الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، أمس الجمعة، معارك عنيفة بين الجيش وقوات "الدعم السريع". وبحسب مصادر عسكرية، فإن الأخيرة شنت هجمات متواصلة على مواقع الجيش في هذه المنطقة، إلا أن القوات المرابطة التابعة للجيش تمكنت من صد الهجوم وإفشال مفعوله، فضلاً عن تمكنها من تدمير ثماني مركبات عسكرية وإسقاط مسيرتين انتحاريتين تتبعان للقوات المهاجمة.
وقال محافظ الكرمك، عبد العاطي محمد الفكي، في بيان صحافي، إن "قواتاً من الجيش والقوات المساندة له تمكنت من تنفيذ كمين محكم، عقب محاولة قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية تنفيذ عملية نوعية باتجاه منطقة الكيلي، حيث تم التصدي للمحاولة وإفشال العملية".
وبيّن الفكي أن "الجيش وحلفاءه تمكنوا من تدمير عدد من المركبات القتالية التابعة للقوات المعادية وإلحاق خسائر في صفوفها، بينما فر من تبقى من أفرادها باتجاه الحدود الإثيوبية".
وأكدت قيادة الفرقة الرابعة مشاة أن الجيش والقوات المساندة نفذا عملية عسكرية استباقية محكمة بالاتجاه الجنوبي لمنطقة الكيلي، بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة مكنت القوات من توجيه ضربة مباشرة ومركزة إلى تجمعات العدو.
وأشارت الفرقة في بيان إلى أن العملية الخاطفة أسفرت عن تدمير 10 مركبات قتالية بكامل عتادها، والاستيلاء على سيارتين، وإسقاط مسيرتين، فضلاً عن تكبيد القوات المعادية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
وأوضح البيان أن نتائج العملية أكدت انهيار قوات العدو في المنطقة وتعطل قدراتها الميدانية بصورة كبيرة بعد فقدان عدد من مركباتها القتالية وعتادها، منوهاً إلى أن العملية أكدت أيضاً نجاح الجيش في المبادرة بالفعل الميداني والتعامل الحاسم مع تحركات العدو وفرض واقع عملياتي جديد على المحور، مع استمرار القوات في تنفيذ واجباتها بكل جاهزية وثبات.
وتشهد مناطق جنوب إقليم النيل الأزرق المتاخمة للحدود الإثيوبية تصاعداً في المواجهات منذ يناير (كانون الثاني) بين الجيش وحلفائه من جهة، وتحالف "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية" بقيادة جوزيف من جهة أخرى، إذ تمكن الأخير من السيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان المتاخمتين للحدود الإثيوبية وقاعدتي بكوري وسركم الاستراتيجيتين.
وتسعى "الدعم السريع" وحليفتها إلى توسيع نفوذهما في الإقليم لقطع طرق الإمداد عن الدمازين، المركز الإداري للنيل الأزرق، بينما يحاول الجيش تأمين الشريط الحدودي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عنف قبلي
في سياق متصل، قُتل 26 شخصاً وأصيب 82 آخرون في أعمال عنف اندلعت بسوق أمِيت المشترك في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، بحسب حصيلة أولية أعلنتها قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي "يونيسفا".
وأوضحت "يونيسفا" في بيان أن العنف جاء عقب مقتل رجل من قبيلة دينكا نقوك وآخر من قبيلة المسيرية خلال الشهر الجاري، في واقعتين منفصلتين، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين القبيلتين.
وأكد البيان أن البعثة الأممية تجري اتصالات مع زعماء القبيلتين من أجل التوصل إلى تسوية سلمية، فضلاً عن أنها عززت انتشارها في السوق ومحيطه، بهدف منع سقوط مزيد من الضحايا، داعية قادة المجتمعات المحلية إلى تغليب الحوار وتعزيز التعايش السلمي.
وشهد سوق "مييت"، المعروف أيضاً باسم سوق النعام، الواقع في أقصى جنوب ولاية غرب كردفان بالقرب من منطقة أبيي المتنازع عليها، نمواً كبيراً في النشاط التجاري منذ اندلاع الحرب في البلاد.
وتتألف قوة الأمم المتحدة الأمنية الموقتة لأبيي من نحو 3 آلاف شرطي وجندي، وتتمثل مهمتها الأساسية في حماية المدنيين ودعم الاستقرار في المنطقة.
وتُعد أبيي منطقة متنازعاً عليها بين السودان وجنوب السودان منذ استقلال الأخير عام 2011، وشهدت خلال السنوات الماضية توترات واشتباكات متكررة بين مجتمعات محلية في المنطقة، وسط جهود أممية للتوصل إلى ترتيبات أمنية وحل النزاع حول وضعها النهائي.
البرهان ودحر التمرد
من جهته، أكد قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أن المعركة مستمرة للقضاء على التمرد ودحره، ولن تنتهي إلا بحسمه.
وأوضح البرهان لدى مخاطبته المصلين في أحد مساجد حي بري بالخرطوم قائلاً: "عهدنا مع الشعب السوداني والشهداء بأن هؤلاء القتلة والمجرمين لن يكون لهم موطئ قدم في البلاد"، مجدداً رفضه لأي أجندة خارجية تُفرض على السودانيين.
وشدد على أن مشاكل السودان يجب أن تُحل عبر الحوار السوداني الداخلي، وصولاً إلى التراضي وبناء السودان والانطلاق به إلى الأمام.
وأشار البرهان إلى أن الأزمة الاقتصادية معركة أخرى سيتخطاها السودان إلى جانب المعركة مع قوات "الدعم السريع"، مؤكداً أن المعركة تعددت أوجهها، وأن ما تعيشه البلاد هذه الأيام من أزمة اقتصادية وغلاء في الأسعار وشح في الموارد ما هو إلا جزء من هذه المعركة.
وأضاف: "سنخرج منها منتصرين كما أخرجنا التمرد من الخرطوم وغيرها من المدن". وطمأن قائد الجيش بأن السودان سينهض بعزيمة أبنائه، ليكون أكثر عزيمة وقوة في تجاوز التحديات التي تمر بها البلاد، وبناء البلاد والحفاظ على مكتسباتها ووحدتها.
ويعاني السودان خلال الأسبوعين الأخيرين من أزمة اقتصادية خانقة جراء تدهور سعر الصرف وارتفاع أسعار السلع والخدمات.