Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تستعد الأسر والحكومات لأزمة مالية عالمية مرتقبة؟

يعيش العالم أزمة ديون سيادية صامتة تضغط على الموازنات مع ارتفاع كبير بأسعار السلع

 محللون يؤكدون أن استعداد الحكومات والأفراد والأسر يتطلب منظومة كاملة من الإجراءات المالية والنقدية (رويترز)

ملخص

في إطار تقليل العجز على الحكومات أن تعمل على تنويع مصادر الدخل وزيادة الإيرادات غير النفطية أو غير التقليدية، وعلى الأسر بناء صندوق طوارئ وترشيد الإنفاق، وإعادة هيكلة الموازنة مع تنويع الأصول والاستثمار الآمن.

فيما تتصاعد حدة حال عدم اليقين الاقتصادي في ظل التوترات الجيوسياسية وما خلفته من تداعيات سلبية على سوق النفط وسلاسل الإمداد والتوريد العالمية، واتجاه البنوك المركزية العالمية إلى دورة تشديد نقدي جديدة، تتزايد احتمالات دخول العالم في أزمة اقتصادية جديدة.

وقبل شهر حذر الرئيس التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي محمود محيي الدين من أن نشوب أزمة مالية عالمية جديدة قد يصبح "مسألة وقت"، في ظل مجموعة من الضغوط المتزامنة التي يواجهها الاقتصاد العالمي، على رأسها تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وكلفة الديون واتساع عجز الموازنات، بجانب الاختلالات بين الاقتصادات الكبرى والدول النامية واحتدام الصراعات الجيوسياسية.

وقال إن السيناريو المقبل يختلف عن الأزمات المالية السابقة في نقطة جوهرية، وهي أن أوجاع الاقتصاد الحقيقي والتوترات الاجتماعية سبقت إعلان الأزمة المالية. ويرى أن العالم يعيش أزمة ديون سيادية "صامتة" تضغط على الموازنات العامة، وتحد من قدرة الحكومات على توجيه الإنفاق إلى التعليم والصحة والاستثمار، بما ينعكس في النهاية على معدلات النمو وكلفة المعيشة ومستويات رفاه الطبقة الوسطى.

وربط محيي الدين الأزمة المالية المحتملة بتفاقم أزمة الديون السيادية، محذراً من أن استمرار الضغوط على المالية العامة يمكن أن يقود إلى مرحلة تصبح فيها قدرة الحكومات على الاقتراض وإعادة تمويل التزاماتها محل شك من جانب الأسواق والمقرضين.

حزمة متكاملة من أدوات السياسة النقدية

في ظل هذه المعطيات يتعلق السؤال الأهم في هذا الملف بكيفية استعداد الحكومات والأسر والأفراد للأزمة العالمية المرتقبة، إذ يرى الاقتصادي رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية خالد الشافعي أن استعداد الحكومات والأفراد والأسر للأزمات الاقتصادية العالمية يتطلب منظومة كاملة من الإجراءات المالية والنقدية.

تظهر المؤشرات العالمية الحالية ضغوطاً متزايدة تتجلى في تجاوز الدين العالمي حاجز 350 تريليون دولار - ما يعادل أكثر من 300 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي - إلى جانب تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي ليدور حول 2.5 في المئة إلى 3 في المئة، وفق توقعات صندوق النقد والأمم المتحدة، واستمرار الضغوط التضخمية الناجمة عن اضطرابات أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن وتزايد أسعار الفائدة الحقيقية.

وقال في حديثه لـ"اندبندنت عربية" إن استعداد الدول والحكومات للأزمة الاقتصادية العالمية يتطلب أن تعتمد الحكومات والبنوك المركزية على حزمة متكاملة من أدوات السياسة النقدية والمالية، لإدارة الأخطار وتخفيف حدة الصدمات الخارجية.

إعادة ضبط أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم

على صعيد السياسة النقدية، تلجأ البنوك المركزية أولاً إلى إعادة ضبط أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم ولضمان استقرار العملة الوطنية. وإلى جانب الفائدة، تعمل الدول على دعم وتعزيز الاحتياطات الأجنبية من العملات الصعبة والذهب لتأمين واردات السلع الأساسية (كالقمح والنفظ) لفترات تغطي من ستة إلى تسعة أشهر في الأقل، مما يمنع حدوث أزمات سيولة فجائية.

وتفرض إجراءات الاحتراز الكلي على القطاع المصرفي، من خلال إلزام البنوك بزيادة مخصصات القروض الخطرة ونسبة كفاية رأس المال وفق معايير "بازل 3"، للتأكد من قدرة الجهاز المصرفي على امتصاص القروض المتعثرة من دون الانهيار.

على صعيد السياسة المالية، قال الشافعي إنه على الحكومات أن تتجه إلى إصلاح الهيكل المالي عبر تقليص العجز المالي، إذ تشير البيانات لعام 2026 إلى أن عجز الموازنات في بعض الاقتصاديات الكبرى يتجاوز 5.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ولتحقيق ذلك، تعمل الدول على تنويع مصادر الدخل وزيادة الإيرادات غير النفطية أم غير التقليدية، مع إعادة توجيه الدعم ليكون موجهاً بصورة مباشرة للماضي الأكثر احتياجاً بدلاً من الدعم الكلي الشامل، كما تسعى إلى الحد من التداين الخارجي، والاعتماد على أدوات الدين المحلية طويلة الأجل، إضافة إلى تنويع الشركاء التجاريين وعقد اتفاقات التبادل التجاري بالعملات المحلية لتخفيف الضغط عن الدولار، وتأمين سلاسل الإمداد للسلع التموينية والاستراتيجية.

4 محاور حتى تتجاوز الأسر الأزمة المرتقبة

بالنسبة إلى استعداد الأفراد والأسر للأزمة الاقتصادية، يقول الشافعي إن العنصر البشري يعد خط الدفاع الأول في مواجهة الركود والتضخم، ويتطلب ذلك خطة مالية قائمة على أربعة أركان أساسية: أولاً بناء صندوق الطوارئ، إذ ينصح بدفع ادخار ما يعادل مصاريف ثلاثة إلى ستة أشهر من الاستهلاك الأساس (المأكل والسكن والعلاج والتنقلات) وتجميعها في أصول عالية السيولة وسهلة الوصول، لضمان عدم التعثر في حال فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل.

ثانياً، إدارة وتصفية الديون، إذ تعتبر الديون مرتفعة الفائدة (مثل بطاقات الائتمان والقروض الشخصية) الخطر الأكبر أثناء الأزمات، لذا يوجب التركيز على التخلص من الديون قصيرة الأجل أولاً، وتجنب أخذ أي التزامات مالية أو أقساط جديدة استهلاكية في فترات عدم اليقين.

ثالثاً، ترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة الموازنة: تطبيق نموذج الموازنة العقلاني (مثل تقسيم الدخل بنسبة 50 في المئة للاحتياجات الأساسية، 30 في المئة لرغبات قابلة للتأجيل، و20 في المئة للادخار) مع تقليل المصاريف الترفيهية وتأجيل شراء السلع المعمرة غير الضرورية.

رابعاً، تنويع الأصول والاستثمار الآمن، وللحفاظ على القوة الشرائية للأموال ضد التضخم، يفضل التوزيع المتوازن للمدخرات بين أصول آمنة كالذهب (الذي يمثل ملاذاً آمناً)، الأدوات الاستثمارية ذات العائد الثابت والتراكمي، والأصول العقارية أو الاستثمار في تطوير المهارات الشخصية لضمان تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على راتب أو مصدر واحد فقط.

مخاوف التضخم والركود التضخمي تتوسع

ورأى الاقتصادي محمود شكري أن الأزمة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز تؤثر مباشرة في التضخم العالمي، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق في نقل النفط والغاز، وأي اضطراب في حركة الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والإنتاج وينعكس سريعاً على أسعار النفط، وبالتالي أسعار الغذاء والسلع والخدمات في مختلف الاقتصادات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع استمرار القلق من التضخم والركود التضخمي، وبعد تراجع الآمال في استمرار الانخفاض السريع لمعدلات التضخم، لجأ البنك المركزي الأميركي إلى تشديد السياسة النقدية بعد تثبيت دام لعامين تقريباً. وأمام هذه التطورات، أصبحت الحكومات والبنوك المركزية أمام معادلة حساسة جداً، وهي السيطرة على التضخم مع الإبقاء على معدلات الاستثمار عند الحد الأدنى.

وأشار شكري إلى ضرورة مراقبة أسعار الطاقة وتنويع مصادر الاستيراد وسلاسل الإمداد. وفي الوقت الحالي، تسعى الحكومات إلى تعزيز الإنتاج المحلي في الغذاء والطاقة والصناعة، وهذا من أهم وسائل مواجهة الصدمات الخارجية، خصوصاً في ظل أخطار تعطل طرق التجارة العالمية.

وذكر أن أسعار الفائدة تظل الأداة الأساسية لمواجهة التضخم، وقد تتجه البنوك المركزية إلى رفعها أو إبقائها مرتفعة لفترة أطول إذا استمرت الضغوط السعرية، لا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع قيمة بعض العملات، كما يمكن استخدام إدارة السيولة وعمليات السوق المفتوحة وتعديل نسب الاحتياط والتدخل في سوق الصرف عند الحاجة.

في الوقت ذاته، فإن رفع أسعار الفائدة يزيد من كلفة الاقتراض، مما يؤثر مباشرة في معدلات الاستثمار والنمو ويحد من معدلاته. وشدد على ضرورة التمييز بين التضخم الناتج من الطلب والتضخم الناتج من صدمات الطاقة والإمدادات وضغط أسعار النفط.

كيف يحمي الأفراد مدخراتهم من التضخم المرتفع؟

فى ظل هذه الظروف، يسعى الأفراد إلى حماية مدخراتهم من التضخم، والأهم هو قياس العائد الحقيقي بعد خصم التضخم وليس قيمة المدخرات الاسمية فقط، كما ينبغي الاحتفاظ بسيولة للطوارئ وتقليل الديون مرتفعة الكلفة أو تقليل الاقتراض إلى الحد الأدنى.

وأشار شكري إلى أهمية تنويع المدخرات والاستثمارات سواء مالية أم عقارية، أو حتى التحوط بالمعدن النفيس الذي يشهد حالة من عدم الاستقرار في الوقت الحالي مع تفاقم حدة التوترات. ولفت إلى أنه يمكن بناء محفظة متوازنة تضم ودائع وأدوات دخل ثابت وأذون أو سندات حكومية وذهب، ولكن بنسبة مدروسة، وأسهم شركات قوية وأصول أو صناديق متنوعة من حيث الدخل الثابت والمتزايد على الأجل القصير والمتوسط والبعيد.

ومع ارتفاع أسعار الفائدة تصبح أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية، بينما يوفر الذهب عنصر تنويع وتحوط آمن ومفضل لدى شريحة كبيرة من المستثمرين، كما يمكن الاستثمار في الأسهم بانتقائية خصوصاً في الشركات ذات التدفقات النقدية القوية، والقدرة على تمرير ارتفاع الكلفة إلى المستهلكين، بخاصة بعد تأثر كثير من القطاعات في الأزمة الراهنة.

وتابع أن الموجة التضخمية الحالية تعد اختباراً لقدرة الحكومات والبنوك المركزية والأفراد على إدارة الأخطار، في ظل تكرار صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة.

اقرأ المزيد