Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيادة أسعار المحروقات... قرار يربك سوريا حكومة وشعبا

الخطوة دفعت الموطنين إلى الشارع للتعبير عن رفضهم للإجراء "الجائر" والسلطة وجدت نفسها بين فكي احتواء الاحتجاجات وحل الأزمات

أشعل المتظاهرون الإطارات على تلك الطرق العامة وسط مطالبات بإلغاء القرار أو الاستمرار بالإغلاق (أ ف ب) 

ملخص

انتفض متظاهرون في عدة مدن سورية منذ صدور نشرة الأسعار الجديدة صباح الأحد الـ13 من سبتمبر الماضي، وانطلقت شرارتها في أرياف محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، وهي المحافظات الشرقية التي يضج جوفها باحتياط هائل من النفط والغاز، ومنه ما هو غير مستخرج بعد، وتبعتها مدن سورية في الشمال داخل إدلب وحلب لتصل الاحتجاجات إلى حماة وسط البلاد، تخللها قطع طرقات منها دولية كالأوتوستراد السريع الواصل بين دمشق جنوباً وحلب شمالاً.

فجرت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات غضباً شعبياً واسعاً، بعدما قفزت إلى حدود غير مسبوقة، ودفعت السوريين للجوء إلى الشارع للتعبير عن رفضهم ما يصفونه بالقرار الجائر لما يتركه من انعكاسات اقتصادية وارتدادات معيشة لا يمكن تحملها، لا سيما أن بلدهم لا يزال يعيش مرحلة تعافٍ بعد ما أرخت الحرب بثقلها لعقد ونصف العقد ونشوة التحرير قبل قرابة عامين فحسب.

غضب لا محدود

في غضون ذلك انتفض متظاهرون داخل عدة مدن سورية منذ صدور نشرة الأسعار الجديدة صباح الأحد الـ13 من سبتمبر (أيلول) الماضي، وانطلقت شرارتها في أرياف محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، وهي المحافظات الشرقية التي يضج جوفها باحتياط هائل من النفط والغاز، منه ما هو غير مستخرج بعد، وتبعتها مدن سورية في الشمال داخل إدلب وحلب لتصل الاحتجاجات إلى حماة وسط البلاد، تخللها قطع طرقات منها دولية كالأوتوستراد السريع الواصل بين دمشق جنوباً وحلب شمالاً.

وأشعل المتظاهرون الإطارات على تلك الطرق العامة وسط مطالبات بإلغاء القرار أو الاستمرار بالإغلاق، إذ قال متظاهر في معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي "هذه الزيادة لا تتناسب مع قدراتنا، لقد عدنا إلى البلد بعد التحرير، وعشنا حلم العودة، لقد عانينا كثيراً وتكبدنا مشقة إعادة إعمار بيوتنا بعد دمارها بصورة كاملة من دون أي دعم من الحكومة، واليوم نحاول التعافي لتأتي هذه الضربات فوق رؤوسنا كالصاعقة، أشعر بالندم لعودتي".

وكثيراً ما شكلت إدلب، في الشمال الغربي، معقل الثورة والثوار لإسقاط نظام الأسد (1970 - 2024) والملجأ الآمن للمهجرين من عدة محافظات سورية طوال أعوام صعبة من عمر الصراع. واليوم، تمثل انتفاضة أبنائها رسالة تجاوزت الاحتجاج الشعبي والمطلبي إلى رسالة سياسية، بانتفاض الحاضنة الشعبية للثوار في وجه الحكومة الجديدة.

ويوضح الشاب منذر "نحن مع الدولة الجديدة، ولكن تصرفات وقرارات الحكومة أجبرتنا على الانتفاضة بوجهها، حينما يطالبنا المسؤول بالتقشف يجب عليه أن يقف إلى جانب المواطن العادي في الحافلة وقت ذهابه إلى العمل، وليس أن يسير أمامه وخلفه أسطول من السيارات الفاخرة".

الرجوع عن القرار

وأثار قرار صادر عن لجنة تسعير المشتقات النفطية والمتضمن نشرة أسعار جديدة للمواد البترولية رفضاً من الشارع، بعدما قفز سعر ليتر البنزين الواحد "أوكتان 95" من 152 ليرة إلى 195 ليرة سورية أما بنزين "أوكتان 90" وصل إلى 185 ليرة، في حين المازوت بـ175 ليرة (الدولار يعادل 132 ليرة سورية). ويعزو مراقبون هذه الزيادة إلى أزمة الإمدادات بعد إغلاق مضيق هرمز وارتفاع السعر العالمي، علاوة عن إغلاق مصفاة بانياس لمدة ثلاثة أشهر لإجراء صيانة شاملة لها.

وعزا مدير الإعلام بوزارة الطاقة عبدالحميد السلات هذا الإجراء إلى كونه موقتاً فرضه ارتفاع كلف الشراء العالمية، واعتماد سوريا بصورة واسعة على الواردات، مشيراً إلى أنه يمكن تعديل الزيادة ارتفاعاً أو نقصاناً بحسب تغير الظروف. وقال في بيان خاص "الأسعار لا تعكس كلفة النفط الخام، بل تعكس أيضاً نقص المنتجات المكررة وارتفاع كلف التكرير والنقل والإمداد".

اتساع الفجوة

إزاء هذا التطور الطارئ، أثار قرار زيادة أسعار المحروقات موجة غضب شعبي داخل سوريا، نتيجة انعكاساته المعيشية، تزامناً مع ما يُوصف بحالة البذخ يعيشها أعضاء الحكومة، وبخاصة مواكب السيارات الفاخرة والحفلات والمهرجانات التي تُرهق خزينة الدولة.

وفي معرض تعليقه على ثنائية البذخ والتقشف بين الحكومة والمواطن، لفت الأمين العام للحركة الوطنية السورية، زكريا ملاحفجي في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية" النظر إلى المبالغة في الحراسات والمواكب، وأنه يمكن ترجمتها شعبياً بوصفها مظهراً من مظاهر الانغلاق والوجاهة السلطوية، وتوجه هذه الظاهرة رسالة ضمنية مفادها أن المسؤول يعزل نفسه عن المعاناة اليومية للناس ومخاوفهم المعيشية.

 

 

وتابع المتحدث "أضف إلى ذلك كلف الحراسات والمواكب التي تُدرج غالباً ضمن مخصصات أمنية وإدارية مبهمة، فالكلفة المادية تتوزع على الاستهلاك العالي لأسطول السيارات من المحروقات، ومصاريف الصيانة الدورية، وأجور وأطقم الحراسة، وهي كلف ضخمة تتناقض مع الحاجة إلى التقشف الحكومي وأسعار الوقود المرتفع".

ويعتقد ملاحفجي أن الكلفة السياسية لاستمرار حركة المواكب المترفة والمستهلكة للوقود، بالتوازي مع قرارات رفع أسعار المحروقات على المواطنين، تُسقط مبررات الرفع وتعمق الشعور بالطبقية والفجوة بين السلطة والمجتمع.

"التاهو" وجهاً لوجه

إلى جانب كل ما يحدث برزت سيارة "التاهو" الفاخرة كاسم تتردد أصداؤه ضمن أسطول استيراد سيارات المسؤولين الحكوميين، وهي مركبة دفع رباعي من نوع "شيفروليه" يتجاوز سعرها 70 ألف دولار أميركي.

الحديث عن المرافقات والسيارات الفارهة التي تحيط بالمسؤولين الحكوميين ليس جديداً، بل أخذ يتسع بعد تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب للمقربين من كل وزير داخل وزارته، إلى حد ظهور وزراء بمواكب سيارات فارهة تنقلهم ضمن شوارع المدن.

وكل هذا أثار ردود فعل مستفزة لدى المواطنين الذين يسارعون إلى تصوير هذه المواكب ونشر المقاطع المصورة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، إذ ترى تعليقات السوريين أن الصورة لا تختلف عن تصرفات المسؤولين في العهد القديم. ومقابل ذلك تحدثت مصادر رسمية عن قرارات أصدرتها جهات حكومية لخفض مخصصات السيارات الحكومية وضبط التنقل عبر الآليات العامة.

وفي قضية ذات صلة كشفت وثيقة رسمية مسربة من وزارة الأوقاف تحمل طلباً موجهاً إلى هيئة الإمداد والتوريد العامة بشراء 44 سيارة جديدة موديل 2026، من بينها سيارات "تاهو" مخصصة للوزير بكلفة بلغت قرابة 1,85 مليون دولار، وحملت الوثيقة المسربة توقيع وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري خلال الـ26 من فبراير (شباط) الماضي، وتتضمن تخصيص بعض السيارات للمديرين في الوزارة.

في المقابل، أثار هذا المبلغ لشراء السيارات الفاخرة علامات استفهام حيال إمكانية تأمين هكذا مبلغ ضخم، وسط شح السيولة والقطع الأجنبي، تزامناً مع دأب الحكومة الحديث عن اقتصاد منهار، وبلد خرج من حرب مدمرة، في وقت يقدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار بعد أكثر من 14 عاماً من صراع مسلح داخلي، ألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية.

تقول روعة جواد "أم أيمن" وهي سيدة من دمشق "كيف يَقبل أعضاء الحكومة أن يحصلوا على تلك المركبات الفاخرة في وقت لا يزال جزء من أهلنا في إدلب يقطنون الخيام، وفي ظل حياة معيشية صعبة جداً، إذ لا يزال راتب الموظف الشهري قرابة 100 دولار، لا تكفيه لسداد فاتورة الكهرباء بعد زيادتها 100 ضعف؟".

ضعف التنظيم

في الأثناء، يعزو الباحث في الدراسات السياسية سامر ضاحي الفجوة بين الحكومة والشارع اليوم لتحديات عديدة، في مقدمها غياب وضوح القوى السياسية والمدنية وضعف التنظيم، فالشارع اليوم لا يجد قناة تمثيل ملزمة تنقل صوته إلى مركز القرار. ومجلس الشعب لا يملك سوى أدوات استماع وسؤال وطلب مناقشة للحكومة، ولا يملك قنوات تفريغ وتهدئة مثل الأحزاب، وعلى رغم الحاجة الماسة لأولويات مرتبطة بالوضع المعيشي والاقتصادي لا غنى عن الأولويات السياسية مثل إعداد مسودة قانون الأحزاب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى ضاحي في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية" أن الفجوة في البنى التمثيلية في المجتمعات المحلية تتسع، لذلك من المهم الإسراع بإنجاز تعديلات على قانون الإدارة المحلية، وبخاصة بعد اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الدولة، كما أن المجتمع السوري لم يعتد على المشاركة في تنظيم موارده، لا الوطنية ولا المحلية.

ويردف المتحدث "مدنياً، لا تزال هناك حاجة لتقوية النقابات والمؤسسات المدنية والمنظمات المحلية، لتلعب دوراً أكبر في ترميم فجوة الثقة، ولعب بعض القوى المدنية دورها الأساس في التنظيم والرقابة والحشد والمناصرة، والحاجة الأهم المشاركة في صنع القرار الاقتصادي".

وعاش السوريون في مناطق نفوذ نظام الأسد قبل سقوطه حصاراً اقتصادياً، وصدرت عقوبات استهدفت النظام البائد، ومنها قانون "قيصر"، مما انعكس على حياة الناس داخل المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، مما جعل الإنتاج الصناعي والزراعي يتراجع مع اتساع رقعة الحرب في أنحاء البلاد، وهو ما أنتج 90 في المئة من نسبة السوريين تحت خط الفقر وفق إحصاءات أممية.

وأمر وزير الطاقة، محمد البشير في الـ23 من يونيو (حزيران) الماضي بتشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، والتي تتولى دراسة أسعار المشتقات النفطية والثروات المعدنية والعوامل المرتبطة والمؤثرة في الأسعار العالمية وسعر الصرف، وتحديثها بصورة دورية.

يأتي ذلك وسط اكتشاف الهيئة العامة للرقابة والتفتيش تجاوزات مالية في بعض الحقول النفطية، قُدرت قيمتها بنحو 28 مليون دولار، بينما تصل إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 مساعدات من دول عربية وخليجية، على صورة مساعدات نفطية تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات، تعمل الحكومة على تكريرها بمصفاتي حمص وسط سوريا وبانياس غرباً، وتبيع الحكومة هذه المشتقات النفطية من بنزين ومازوت للسوريين بالسعر العالمي، دون تقديم أي دعم حكومي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير