Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تدوير الأوراق: كيف تستغل طهران الحوثيين لفك الحصار؟

ما نشهده قد يكون محاولة إيرانية للانتقال من سياسة الرد على الضغط إلى سياسة فرض كلفة على استمراره

التصعيد الإيراني الحوثي أقرب إلى إستراتيجية ضغط متعددة الجبهات (أ ف ب)

ملخص

حينما تريد التفاوض والخروج من أزمة، فإنها تستخدم التصعيد في كل الساحات، ومن جهة أخرى تطلق الخطاب التفاوضي الدبلوماسي عبر أهم رموز المتشددين وليس الإصلاحيين، فلو خرج تصريح جليلي من مسعود بزشكيان أو عباس عراقجي لما كانت له أية دلالة أو قيمة، وهكذا تمهد إيران للتفاوض والخروج من أزمة تزيدها خنقاً.

متى تمهد إيران للتفاوض؟ وكيف نفهم سلوك طهران حينما تريد التفاوض؟ فقد اعتادت إيران وفق نمط سلوكها أن تتبع أسلوبين حينما تريد التفاوض، وتتسم مرحلة التصعيد الجاري في مضيق هرمز بتفعيل هذين الأسلوبين، إضافة إلى إستراتيجية تدوير الأوراق التي تنشّطها حالياً من خلال الحوثيين في اليمن، حيث تفعل كرتاً وتضع الآخر في حال تهدئة، بحسب الظرف والكلفة والمنفعة.

طريق العودة لـ"مذكرة إسلام آباد"

قد يبدو المشهد الراهن بين واشنطن وطهران وكأنه يتجه مرة أخرى نحو مواجهة مفتوحة، خصوصاً مع تصاعد العمليات الإيرانية في محيط مضيق هرمز، وتشديد القيود على حركة الملاحة، بالتوازي مع تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب. وكذلك فإن الخطاب الإيراني نفسه يبدو أكثر هجومية، مع انتقال العمليات من الاكتفاء بالرد على الضربات الأميركية إلى محاولة فرض كلفة مباشرة على الوجود العسكري والمصالح الأميركية.

لكن قراءة هذا التصعيد باعتباره دليلاً على أن إيران أغلقت الباب أمام الدبلوماسية قد تكون متسرعة، فالتغيير الأهم الذي طرأ على السلوك الإيراني لا يتعلق بالتخلي عن التفاوض، وإنما بتغيير وظيفة القوة العسكرية داخل العملية التفاوضية، فإيران تبدو اليوم أكثر استعداداً لاستخدام القوة والضغط على خطوط الملاحة والطاقة، باعتبارهما أدوات لتغيير حسابات واشنطن، وليس بالضرورة لكونهما بديلاً نهائياً عن التفاوض، وبعبارة أخرى فإن ما نشهده قد يكون محاولة إيرانية للانتقال من سياسة الرد على الضغط إلى سياسة فرض كلفة على استمرار الضغط.

من الدفاع إلى الهجوم: التغير العملياتي

تشير التطورات الأخيرة إلى تحول عملياتي في طريقة إدارة إيران للمواجهة، فبدلاً من الاكتفاء بامتصاص الضربات الأميركية والرد عليها بصورة محدودة، ظهرت مؤشرات على استعداد أكبر للمخاطرة، واستهداف المصالح المرتبطة بالقوة الأميركية، بما في ذلك التهديدات المرتبطة بالملاحة في الخليج، وقد انعكس ذلك في الإعلان الإيراني عن منطقة بحرية محظورة خارج مضيق هرمز، مع التهديد بحرمان السفن التي تدخلها، من دون تنسيق مسبق، من الخدمات البحرية والتأمينية وخدمات الدعم الإيرانية، وارتبط هذا التطور بإطلاق النار باتجاه سفينة حربية أميركية، وهو ما عدته بعض الدوائر الإيرانية تعبيراً عن دخول المواجهة مستوى جديداً من المخاطرة، وهذا التحول مهم، لأنه يكشف أن إيران لا تريد أن تكون ساحة المواجهة داخل أراضيها فقط، فإذا كانت الولايات المتحدة تستخدم العقوبات والحصار والضغط على صادرات النفط لتقييد الاقتصاد الإيراني، فإن طهران تحاول نقل جزء من كلفة المواجهة إلى المجال البحري، حيث تتقاطع المصالح الإيرانية مع حركة الطاقة والتجارة العالمية.

المشكلة الأساسية: الخنق الاقتصادي

منذ انهيار "مذكرة تفاهم إسلام آباد" ودخول العلاقة الإيرانية - الأميركية حالاً من الجمود، انتقلت واشنطن بصورة متزايدة إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، بالتوازي مع عمليات عسكرية محددة، وأصبحت وزارة الخزانة الأميركية، ولا سيما مع حملة الضغط التي يقودها سكوت بيسنت، جزءاً أساساً من إدارة المواجهة، وبالنسبة إلى طهران فإن المشكلة لا تكمن فقط في الضربات العسكرية، وإنما في محاولة الجمع بين الحصار الاقتصادي والعقوبات النفطية، والضغط على التجارة الإيرانية وتقييد قدرة إيران على استعادة عائداتها، ولهذا فإن استمرار الوضع الراهن يعني بالنسبة إلى إيران استنزافاً اقتصادياً وعسكرياً متراكماً، ومن هنا يمكن فهم التحول في العقيدة العملياتية الإيرانية، فإذا كانت واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي سيجبر طهران في النهاية على تقديم تنازلات، والعودة لطاولة التفاوض من موقع أضعف، فإن إيران تحاول قلب المعادلة ليصبح استمرار الضغط نفسه مكلفاً للولايات المتحدة.

لماذا الحوثيون جزء من المعادلة؟

لا يمكن فصل التطورات في البحر الأحمر وباب المندب عن المواجهة الإيرانية - الأميركية، فمع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، أصبح البحر الأحمر ممراً أكثر أهمية للطاقة والتجارة، خصوصاً مع محاولة بعض الدول تجاوز الأخطار المرتبطة بالخليج، وبالتالي فإن توسيع نطاق التهديد إلى باب المندب يعني توسيع مساحة الضغط الاقتصادي، وقد شهدت الشهور الأخيرة تصعيداً من جانب الحوثيين، وهو ما يهدد بتحويل البحر الأحمر نفسه إلى جبهة إضافية في المواجهة، وبذلك يصبح الضغط موزعاً بين نقطتين إستراتيجيتين: هرمز في الخليج، وباب المندب في البحر الأحمر.

وهذه ليست مجرد إضافة عسكرية إلى الصراع، بل محاولة لتشكيل معادلة اقتصادية أوسع، فكلما اتسعت رقعة التهديد للملاحة، ارتفعت كلفة التأمين والنقل والطاقة، وأصبح استمرار الحرب والحصار أكثر كلفة على الاقتصاد العالمي والمنطقة، ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد الحوثي يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز الساحة اليمنية نفسها، إذ يزيد الضغط على البيئة الاقتصادية التي تحاول واشنطن من خلالها خنق إيران، وهذا ما يجعل التصعيد الإيراني الحوثي أقرب إلى إستراتيجية ضغط متعددة الجبهات، منها إلى مجرد سلسلة من العمليات المنفصلة، ويوضح كيف تستغل إيران الميليشيات في المنطقة كأوراق تفعّلها حينما تشتد أزمتها، للمساومة على مصالح الدول العربية.

جليلي و"الحديبية"

وسط هذا التصعيد، تبرز دلالة سياسية لافتة في خطاب سعيد جليلي، أحد أكثر الشخصيات تشدداً في الموقف الإيراني من المفاوضات، فجليلي، الذي طالما تعامل مع التفاوض باعتباره مساراً محفوفاً بالأخطار، تحدث أخيراً عن "صلح الحديبية" ومبادرة يمكن أن ترفع ظل الحرب عن البلاد إلى الأبد، وتكمن أهمية تصريحه في أنه حتى داخل الخطاب الأكثر تشدداً، بدأت تظهر فكرة أن تحقيق الهدف لا يتطلب بالضرورة الاستمرار في المواجهة بالشكل نفسه، وأن تغيير الوسيلة لا يعني التخلي عن الهدف، فـ "الحديبية" نفسه نشأ في سياق صراع، لكنه مثّل انتقالاً من وسيلة إلى أخرى، لتحقيق أهداف سياسية أوسع، ولهذا فإن السؤال: كيف تمهد إيران للتفاوض في ظل تصاعد كلفة الحرب والضغط الاقتصادي؟

 الخطاب الإيراني السابق استخدم في مراحل مختلفة رموزاً تاريخية لتبرير خيارات متناقضة، فاُستحضرت قصة الحسن بن علي على لسان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي لتهيئة البيئة السياسية لقبول التفاوض النووي، بينما كان يستحضر قصة الحسين لتعبئة الداخل باتجاه استمرار المقاومة، ومن ثم فإن استدعاء "الحديبية" من جانب شخصية مثل جليلي، وفي هذا التوقيت تحديداً، قد يكون مؤشراً على أن إيران تهيئ تدريجياً خطابها الداخلي لفكرة التفاهم، وتتمسك بـ "مذكرة تفاهم إسلام آباد" باعتبارها الحد الأدنى الذي يمكن البناء عليه، بينما يريد ترمب اتفاقاً جديداً، ولا يرغب في العودة للمذكرة السابقة، التي وضعت إطاراً لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، إضافة إلى ترتيبات اقتصادية ونفطية، وتهيئة الأرضية لمفاوضات لاحقة، وقد أدى الخلاف حول تنفيذها، خصوصاً في ما يتعلق بالممر الملاحي في هرمز والعقوبات النفطية، إلى تفككها تدريجاً.

التصعيد كوسيلة للخروج من الخنق

تصعّد إيران عسكرياً، لكنها في الوقت نفسه تنتج خطاباً سياسياً يفتح الباب لفكرة المبادرة والتفاهم، وتشدد قبضتها على هرمز، لكنها تتمسك بإطار تفاوضي سابق، وتستخدم أدوات الضغط عبر حلفائها في اليمن والعراق ولبنان، بينما تدرك أن استمرار تعطيل الملاحة سيخلق كلفة اقتصادية دولية، أما الإستراتيجية الإيرانية الآن فتقوم على التصعيد بهدف تغيير شروط التفاوض، والهدف المباشر في هذه المرحلة قد لا يكون تحقيق انتصار عسكري على الولايات المتحدة، فهو هدف غير واقعي، وإنما منع تحول الحصار الاقتصادي إلى وضع دائم، وإجبار واشنطن على إعادة حساب كلفة استمرار المواجهة، ولهذا فإن التصعيد الحالي محاولة إيرانية للخروج من الخنق الاقتصادي، عبر رفع مستوى الأخطار الإقليمية، وقد يبدو السلوك الإيراني الراهن أكثر هجومية، كما تروّج، لأنه أصبح تحولاً عملياتياً داخل العقيدة الإيرانية، من الرد الدفاعي إلى الهجوم وفرض الكلفة، لكن هذا لا يعني أن طهران مستعدة لمواجهة الحرب المفتوحة كخيار إستراتيجي نهائي، فلا يمكنها تحمل استنزافها اقتصادياً وعسكرياً، وهي تريد أي مكاسب مالية تعود من "مذكرة إسلام آباد"، حتى تستطيع مواجهة المواطنين الذين يرزحون تحت وضع اقتصادى متدهور، يعانون تداعياته يومياً، مما قد يدفعهم إلى الخروج ضد النظام الإيراني فور انتهاء الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إجمالاً، تصعد إيران كي تعيد واشنطن لـ "مذكرة إسلام آباد"، كما حركت الحوثيين وفق إستراتيجية تشبيك الملفات التي اعتادتها، من أجل رسم بيئة أمنية إقليمية تخدم مصالحها، للسيطرة على الممرات المائية المهمة، وفي الوقت ذاته خدمة للأجندة الإيرانية، فطهران تدرك أن امتلاك القدرة على التأثير في هرمز وباب المندب يمنحها ورقة تفاوضية، تتجاوز الملف النووي وحده، وتدرك أن أي اضطراب واسع في حركة الطاقة يمكن أن يتحول إلى مشكلة سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً إذا انعكس على أسعار النفط والغاز.

كذلك تريد إيران الحصول على كل المكاسب من دون التفاهم في شأن ملفها النووي، عكس الماضي حينما كانت تتفاوض حول النووي من أجل رفع العقوبات، فالمعادلة الإيرانية تقوم على أنه إذا كان الضغط الاقتصادي هو السلاح الأميركي الأساس، فإن تعطيل مسارات الطاقة والملاحة هو سلاح إيران المضاد، لإجبار واشنطن على دفع ثمن هذا الضغط، ومن هنا يأتي تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر، لخدمة المعادلة الإيرانية.

إن التصعيد الإيراني الراهن لا يعني بالضرورة أن طهران اختارت الحرب بديلاً عن التفاوض، بل يمكن قراءته باعتباره أداة ضغط تفاوضية جديدة، هدفها كسر الخنق الاقتصادي ورفع كلفة استمرار سياسة ترمب، ودفع واشنطن في النهاية إلى العودة لإطار "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، ولنفهم كيف تمهد طهران للتفاوض، فحينما تريد التفاوض والخروج من أزمة تستخدم التصعيد في كل الساحات، وتطلق الخطاب التفاوضي الدبلوماسي عبر أهم رموز "المتشددين وليس "الإصلاحيين"، فلو خرج تصريح جليلي من مسعود بزشكيان أو عباس عراقجي، لما كان له أية دلالة أو قيمة، وهكذا تمهد إيران للتفاوض والخروج من أزمة تزيدها خنقاً، والملاحظ أنها بعد إستراتيجية تشبيك الملفات، التي تعتادها وقت السلم، تنتهج إستراتيجية تدوير الأوراق وقت الحرب.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء