Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحوثي في الإعلام: تغطية أم تطبيع أم جريمة أخلاقية؟

هناك فرق كبير بين أن تذهب الصحافة إلى تنظيم مسلح وتسأله عما فعل وأن تستضيف ممثله بصورة دورية وتضعه في المكان ذاته الذي يجلس فيه وزير أو دبلوماسي

عناصر تابعة للحوثيين في صنعاء (رويترز)

 

ملخص

ليس مطلوباً من الصحافة أن تتحول إلى طرف في الحرب، وليس مطلوباً منها أن تخفي خطاب الحوثيين. على العكس، من واجبها أن تنقله وتفككه وتختبر صدقيته وتسأل ممثلي الجماعة عن السجون والمعتقلين والقمع والجبايات والحرب والهجمات على الملاحة والمدن والمنشآت المدنية.

ثمة مفارقة يصعب تجاهلها في التغطية الإعلامية للحرب في اليمن: جماعة الحوثي التي بات نشاطها يتجاوز الحدود اليمنية إلى تهديد الملاحة الدولية واستهداف دول ومنشآت مدنية واقتصادية، والتي تصنفها الولايات المتحدة منذ مارس (آذار) 2025 منظمة إرهابية أجنبية، تجد ممثليها في الوقت نفسه ضيوفاً اعتياديين على شاشات بعض القنوات العربية والدولية، يقدمون مواقفهم كما لو أننا أمام حزب سياسي يخوض خلافاً تقليدياً مع خصومه.

وهنا لا نتحدث عن حق الصحافة في الوصول إلى الحوثيين أو الاستماع إلى روايتهم أو إجراء مقابلات معهم. الصحافة المحترفة أجرت على مدى تاريخها مقابلات مع قادة جماعات مسلحة ومتطرفة، وقد يكون الوصول إلى هذه الجماعات ضرورة لفهم ما يجري وكشف خطابها ومساءلتها. المشكلة تبدأ عندما ينتقل الأمر من المقابلة الصحافية إلى التطبيع الإعلامي، ومن مساءلة الجماعة إلى منح ممثلها مقعد الضيف السياسي الطبيعي.

هناك فرق كبير بين أن تذهب الصحافة إلى تنظيم مسلح وتسأله عما فعل، وأن تستضيف ممثله بصورة دورية وتضعه في المكان ذاته الذي يجلس فيه وزير أو دبلوماسي أو مسؤول حزبي، فيصبح مع تكرار الظهور جزءاً من المشهد السياسي المعتاد.

لا يحدث ذلك عادةً مع ممثلي "القاعدة" أو "داعش" أو "بوكو حرام". وإذا أُجريت مقابلات مع شخصيات تنتمي إلى مثل هذه التنظيمات فإنها تُقدَّم في سياق واضح يعرف المشاهد بطبيعة الجهة التي يتحدث ممثلها، ولا يجري في الغالب التعامل معها باعتبارها مجرد طرف سياسي آخر في خلاف قابل للأخذ والرد.

المفارقة تصبح أكبر إذا تذكرنا أن الحوثيين لم يعودوا جماعة محلية محصورة في جبال صعدة أو طرفاً يمنياً يحمل السلاح في مواجهة خصوم يمنيين. خلال السنوات الماضية، انتقل نشاطهم العسكري إلى خارج الحدود، واستهدفوا منشآت مدنية واقتصادية في المنطقة، ثم انتقلوا إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهاجموا السفن التجارية وعرضوا واحداً من أهم شرايين التجارة العالمية للخطر.

مجلس الأمن نفسه أصدر قرارات تطالب الحوثيين بوقف الهجمات على السفن التجارية، والأمم المتحدة ظلت توثق تلك الهجمات وتداعياتها على الملاحة. بالتالي، نحن لا نتحدث عن خلاف سياسي يمني محدود، وإنما عن جماعة مسلحة أصبح أثر عملياتها يمتد من صنعاء وصعدة إلى البحر الأحمر وخطوط التجارة الدولية.

غير أن خطورة "الحوثية" لا تكمن فقط في مدى وصول صواريخها ومسيراتها، بل في طبيعة المشروع الذي تحمله داخل اليمن. فكل الأسباب التي كانت عبر التاريخ تدفع المجتمعات إلى الثورة على أنظمة الحكم تكاد تكون موجودة داخل بنية هذه الجماعة.

هناك أولاً فكرة الامتياز السلالي التي تجعل النسب جزءاً من مشروعية الحكم ومصدر تفوق سياسي واجتماعي. وهذه ليست مسألة فولكلورية أو تفصيلاً مذهبياً يمكن تجاوزه، وإنما فكرة تصطدم مباشرة بمبدأ المواطنة المتساوية الذي قامت عليه الجمهورية اليمنية. فحين يصبح لبعض الناس حق متقدم في السلطة بسبب النسب، فنحن أمام مشروع يعيد إنتاج الطبقية السياسية والاجتماعية بصيغة دينية.

وهناك البعد الثيوقراطي الذي يخلط الدين بالسلطة، ويضع الزعيم السياسي في مساحة تتجاوز موقع الحاكم الذي يمكن نقده ومحاسبته إلى موقع ذي شرعية دينية خاصة. ومع هذا النوع من السلطة، يصبح الاختلاف السياسي قابلاً للتحول إلى خروج عن الجماعة أو عن الحق الذي تزعم تمثيله.

وهناك الاستبداد، إذ لم يقدم الحوثيون منذ سيطرتهم على صنعاء نموذجاً لدولة تعددية تستطيع الأحزاب والصحافة والمنظمات المدنية العمل داخلها بحرية، بل بنوا سلطة شديدة المركزية تقوم على التعبئة والرقابة والسيطرة الأمنية والقمع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهناك الإقصاء، فالدولة في التصور الحوثي ليست مؤسسة عامة تتسع لجميع اليمنيين، وإنما أداة يُعاد تشكيلها وفقاً لتراتبية الولاء للجماعة ومشروعها.

وهناك الاقتصاد الموازي الذي نما تحت سلطة الحرب والجبايات والموارد التي تُدار خارج معايير الدولة الطبيعية، وتحولت معه الحرب نفسها إلى بيئة تنتج مراكز قوة ومصالح يصعب فصلها عن استمرار الصراع.

ثم هناك العنف، وهو ليس حادثة عرضية في التجربة الحوثية ولا خياراً اضطرت الجماعة إليه في مرحلة معينة. فالسلاح كان منذ البداية وسيلة الصعود الأساسية، ومن خلاله توسعت الجماعة من صعدة إلى عمران ثم صنعاء، ومن خلاله فرضت سلطتها على المؤسسات والمجتمع، ومن خلاله ما زالت تدير علاقتها بخصومها في الداخل والخارج.

عبر التاريخ اندلعت ثورات بسبب واحد من هذه العوامل. قامت ثورات ضد التمييز الطبقي، وأخرى ضد الاستبداد، وأخرى ضد الفساد، وأخرى ضد احتكار السلطة باسم الدين، وأخرى لأن الحاكم أغلق المجال السياسي أمام المجتمع. وفي الحالة الحوثية، اجتمعت عوامل كثيرة من هذا النوع في مشروع واحد.

ولهذا، فإن مناهضة الحوثية ليست موقفاً حزبياً ولا خصومة بين جناحين سياسيين، فضلاً عن أن اختزال الحرب اليمنية في عبارة "أطراف الصراع" يطمس جوهر المشكلة. هناك في أساس هذا الصراع سؤال يتعلق بصورة الدولة التي يريد اليمنيون العيش فيها: دولة تقوم على المواطنة أم سلطة تقوم على الامتياز؟ دولة يحتكم حكامها إلى الناس والدستور أم سلطة تستمد جزءاً من مشروعيتها من النسب والمقدس؟ دولة يتداول فيها اليمنيون السلطة أم جماعة تملك السلاح والعقيدة والسلطة في الوقت ذاته؟

ليس مطلوباً من الصحافة أن تتحول إلى طرف في الحرب، وليس مطلوباً منها أن تخفي خطاب الحوثيين. على العكس، من واجبها أن تنقله وتفككه وتختبر صدقيته وتسأل ممثلي الجماعة عن السجون والمعتقلين والقمع والجبايات والحرب والهجمات على الملاحة والمدن والمنشآت المدنية.

حين تستضيف قناة ممثلاً لجماعة مصنفة إرهابية، ثم تقدمه من دون سياق كافٍ، وتمنحه منبراً طويلاً لتكرار شعاراته من دون مساءلة حقيقية، فإنها لا تكون نقلت الخبر فقط، بل أسهمت، بقصد أو من دونه، في إعادة إنتاج الصورة التي تريدها الجماعة لنفسها: حركة سياسية طبيعية تمتلك رواية مساوية لبقية الروايات.

الحوثيون لا يحتاجون إلى مزيد من المنابر التي تمنحهم صفة الحزب السياسي العادي. ما يحتاج إليه المُشاهد هو صحافة تفهم الفرق بين الاستماع إلى جماعة مسلحة وبين منحها الشرعية، وبين معرفة خطابها وأن تتحول الشاشة إلى منصة لنشر ذلك الخطاب. فالإرهاب لا يصبح سياسة طبيعية بمجرد أن يرتدي ممثله بدلة ويجلس أمام كاميرا، والجماعة لا تتحول إلى حزب مدني لأن المذيع وضع أمام ممثلها ميكروفوناً وكتب تحت اسمه "عضو المكتب السياسي".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء