ملخص
يرى الكاتب والصحافي صالح البيضاني أن الجديد في المواجهة الحالية مع الحوثيين لا يتمثل في اندلاع القتال بحد ذاته، بل في مجموعة متغيرات عسكرية وسياسية وإقليمية ودولية لم تكن حاضرة بالمستوى نفسه خلال الجولات السابقة، وفي مقدمتها توحيد القرار العسكري وارتفاع مستوى التنسيق بين القوات الحكومية.
منذ الخميس الماضي، اتسعت رقعة المعارك داخل اليمن على نحو لافت، مع امتداد المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين إلى جبهات عدة، من تعز والساحل الغربي إلى مناطق قريبة من باب المندب والجوف ومأرب، وسط تصعيد ميداني متواصل واتساع نطاق العمليات العسكرية.
وعن أوجه الاختلاف بين المواجهة الحالية والجولات السابقة، يقول الكاتب والصحافي والمستشار الإعلامي في سفارة اليمن لدى السعودية صالح البيضاني، خلال مقابلة صوتية مع "اندبندنت عربية" إن الجديد لا يكمن في اندلاع المواجهات بحد ذاتها، فاليمن يعيش الحرب منذ أعوام، وإنما في الظروف التي تجري فيها هذه الجولة، وفي مجموعة من المتغيرات العسكرية والسياسية والإقليمية التي لم تكُن حاضرة بالمستوى نفسه خلال المراحل السابقة.
غرفة عمليات موحدة
ويشير البيضاني في مقدمة هذه المتغيرات إلى وضع القوات الحكومية، موضحاً أن أحد أبرز مواطن الضعف سابقاً كان تعدد مراكز القرار العسكري والتشكيلات واختلاف الأولويات بينها، في حين هناك اليوم مستوى أكبر من توحيد القرار العسكري والعملياتي تحت قيادة مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويلفت إلى وجود غرفة عمليات موحدة ودرجة أعلى من التنسيق بين الجيش الوطني والتشكيلات العسكرية المختلفة، بما يجعلها تتحرك ضمن مسرح عمليات أكثر ترابطاً.
ويضيف أن الحروب لا تحسم فقط بعدد الجنود أو كمية السلاح، وإنما أيضاً بفاعلية القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات والتنسيق بين الجبهات، معتبراً أن هذا الجانب أصبح أكثر وضوحاً في المواجهة الحالية.
المسيّرات تدخل المعركة بصورة أوسع
ويتحدث البيضاني عن تطور مستوى التدريب والتسليح والقدرات العسكرية لدى القوات المسلحة اليمنية، ولا سيما مع دخول الطائرات المسيّرة بصورة أوسع في عمليات الاستطلاع والهجوم واستهداف مواقع الحوثيين وتجمعاتهم.
ويرى أن هذا التطور يمثل تحولاً لافتاً مقارنة بالأعوام الماضية، حين كانت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية من أبرز أدوات الحوثيين داخل ساحة المعركة، بينما أصبحت القوات الحكومية تمتلك حضوراً أكبر في هذا النوع من العمليات.
عودة العامل الجوي
ومن بين المتغيرات أيضاً، بحسب البيضاني، استخدام الطائرات الحربية في استهداف مواقع الحوثيين خلال الأيام الأخيرة، مما يعتبره عاملاً مؤثراً في تغيير حسابات المعركة.
ويقول إن الحوثيين، عندما اتخذوا قرار التصعيد، كانوا يعتقدون بأنهم أمام "جولة سهلة" يمكن خلالها الانفراد ببعض الجبهات وتحقيق مكاسب سريعة، لكن تطورات الميدان جاءت مغايرة لهذه التقديرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تماسك أكبر داخل المعسكر الحكومي
وعلى الصعيد السياسي، يشير البيضاني إلى وجود مستوى أكبر من التماسك داخل معسكر الحكومة الشرعية، مع التفاف حول مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وتقارب في الخطاب السياسي والإعلامي.
ويرى أن تحديد الحوثيين باعتبارهم الخصم المشترك أسهم في تقليص التباينات التي كانت تؤثر سابقاً في أداء القوى المناهضة للجماعة.
وفي المقابل، يتحدث عن وجود انقسامات داخل صفوف الحوثيين لا تظهر إلى العلن بسبب ما وصفه بحال القمع و"القبضة الحديدية" التي تفرضها الجماعة ضمن مناطق سيطرتها.
تحول في الموقفين الإقليمي والدولي
ويعتبر البيضاني أن أحد أبرز المتغيرات يتجاوز الميدان اليمني إلى الموقفين الإقليمي والدولي.
ويوضح أن دولاً كانت في السابق لا تؤيد خيار الحسم العسكري أو مواجهة الحوثيين أصبحت، بحسب تقديره، أكثر اقتناعاً بأن الجماعة لا ترغب في الانضمام الجدي إلى مسار السلام، وأن قرارها يرتبط إلى حد كبير بالمصالح الاستراتيجية لإيران.
ويرى أن هذا يمثل تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى الملف اليمني، مقارنة بمراحل سابقة كان فيها التركيز أكبر على خفض التصعيد ومنع توسع المواجهات.
ضغوط داخل مناطق سيطرة الحوثيين
كذلك يشير البيضاني إلى تغيرات داخل مناطق سيطرة الحوثيين، مع تصاعد حال الاحتقان نتيجة الأوضاع الاقتصادية وما وصفه بالإفقار، فضلاً عن تراجع الحماسة للمشاركة في القتال.
ويقول إن هناك عزوفاً متزايداً عن الدخول في المعارك وحال تململ اجتماعي، إضافة إلى رفض محاولات الزج بأبناء القبائل وطلاب المدارس والجامعات والموظفين الحكوميين في الجبهات.
ويردف أن الشعارات السياسية التي ترفعها الجماعة لم تعُد تلقى الصدى نفسه في الشارع، لافتاً إلى معلومات، بحسب قوله، عن حالات فرار من الجبهات ورفض متزايد لمحاولات التجنيد.
معركة بشروط مختلفة
ويخلص البيضاني إلى أن اجتماع هذه المتغيرات العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن التحول في الموقفين الإقليمي والدولي، يجعل المواجهة الحالية مختلفة عن الجولات السابقة.
ويختم حديثه أن الحوثيين هم من بدأوا جولة التصعيد وخرقوا جهود التهدئة وخفض التوتر، معتبراً أن المعركة الحالية لا تجري بالشروط نفسها التي حكمت المواجهات السابقة، وأن نتائجها قد تكون مختلفة بصورة كبيرة.