Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عشرات القتلى وآبار الذهب تواصل ابتلاع أرواح وأحلام المعدنين السودانيين

انهيار سلسلة من مناجم المعدن النفيس والبحث عن ناجين مستمر

تنتشر مواقع التعدين التقليدية في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والنيل الأزرق وشمال وغرب وجنوب كردفان وشمالها إضافة إلى ولايتي القضارف والجزيرة (رويترز)

ملخص

يعد السودان ‌من أكبر منتجي الذهب في قارة أفريقيا، لكن الغالبية العظمى من الذهب تنتج عبر طرق تعدين بدائية خطرة وفي مناطق غير رسمية أو مناجم مهجورة، ثم ⁠تُهرب لاحقاً خارج البلاد.

في فاجعة جديدة ضمن سلسلة حوادث الموت الجماعي لهثاً وراء بريق المعدن الأصفر النفيس من قبل المعدنين التقليديين عن الذهب في السودان، لقي ما لا يقل عن 82 من المنقبين مصرعهم على إثر انهيار منجم للذهب في ولاية غرب كردفان في السودان، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن عالقين تحت أنقاض المنجم، بأدوات تقليدية بدائية، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا، إذ لا تتوافر أية آليات ثقيلة لإزالة الصخور والتربة.

وذكرت شبكة أطباء السودان أن عمليات الإنقاذ مستمرة على إثر انهيار منجم ذهب في ولاية غرب كردفان بحثاً عن ناجين، وأشار بيان للشبكة إلى أن الحادثة وقعت مساء أمس الثلاثاء في منجم "الزرع" قرب مدينة النهود كبرى مدن الولاية جنوب غربي البلاد، وبحلول صباح اليوم الأربعاء، كان المسعفون انتشلوا 67 جثة، ولفت البيان إلى أن جهود الإنقاذ تواصلت مع زملاء الضحايا من عمال المناجم، باستخدام الأدوات البدائية نفسها التي يستخدمونها في التعدين.

 

عشرات العالقين

وكشف ناجون من عمال المنجم عن أن هناك عشرات المنقبين لا يزالون عالقين ومحاصرين تحت الأرض، مرجحين أن يكونوا قد فارقوا الحياة. ونددت شبكة أطباء السودان بالإهمال الذي عرّض حياة العاملين في التعدين للخطر، وأكدت أن التعدين في مناطق سيطرة قوات "الدعم السريع" مع غياب شروط السلامة ووسائل الحماية والإنقاذ في مناطق التعدين يحول العمل إلى مخاطرة مباشرة بحياة المدنيين، داعية إلى مواصلة عمليات البحث والإنقاذ وتوفير الإمكانات الطبية واللوجستية اللازمة للتعامل مع آثار الكارثة.

وقال أحد الناجين إنه أصيب بكسور لكنه تمكن بمعجزة من الصمود مدة ثلاثة أيام داخل الآبار، حيث أبلغ المتجمهرين بوجود أحياء تحت الأنقاض قبل أن يغمى عليه وينقل إلى المستشفى.

ورسم أحد الشهود صورة قاتمة لواقع عمليات البحث، مبيناً لمنصة "دارفور24" أن هذه العمليات تجري في ظل ظروف مأسوية، فلم يعُد هناك خيار سوى تحويل آبار المنجم إلى مقبرة جماعية بسبب العمق الكبير للآبار وغياب الإمكانات والمعدات الثقيلة اللازمة لانتشال الضحايا.

وأشار شهود عيان إلى أن هناك فرقاً للإنقاذ تبذل الآن جهوداً حثيثة للوصول إلى أي ناجين محتملين أو انتشال جثث من قتل منهم، على رغم التعقيدات والتحديات الكبيرة التي تجابه تلك الفرق وتعوّق سرعة تقدمها في عمليات البحث.

وطالبت الشبكة الجهات المسيطرة على المنطقة بتحمل مسؤولياتها تجاه حماية المدنيين والعاملين، ووقف نشاط التعدين العشوائي لمنع تكرار مثل هذه الحوادث التي تحصد أرواح العاملين في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والسلامة.

ومنذ الأول من مايو (أيار) عام 2025، تسيطر "الدعم السريع" على مدينة النهود، وتفرض إجراءات أمنية مشددة على حركة المواطنين واتصالاتهم، وعلى رغم ذلك شهدت المناطق الغنية بالذهب في محيط المدينة تدفقات كبيرة من مرتادي التعدين التقليدي.

سلسلة مناجم

على الصعيد نفسه أكد "مرصد كردفان" مقتل وفقدان أكثر من 70 شخصاً من المعدنين التقليديين على إثر انهيار سلسلة مناجم تعدين أهلي يطلق عليها منجم "الزرع" بمنطقة فوجا التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان. ووقعت الحادثة بحسب المرصد جراء انهيار مجموعة آبار متلاصقة تمتد مسافة تتجاوز كيلومتراً، وسط غياب تام لعمليات الإنقاذ المتخصصة وصعوبة تدخل الأهالي بوسائل بدائية، نظراً إلى طبيعة الأرض الرملية الهشة، على رغم تأكيدات أحد الناجين بوجود عالقين آخرين لا يزالون على قيد الحياة تحت الأنقاض.

وجدد المرصد مناشدته الإنسانية العاجلة الجهات المتخصصة والمنظمات الإنسانية للتدخل السريع وتوفير الفرق الفنية ومعدات الحفر اللازمة، مع دعوة "الدعم السريع" إلى تسهيل الوصول للمنطقة الواقعة تحت سيطرتها، محذراً من الأخطار المتزايدة التي يواجهها المواطنون في مناجم التعدين الأهلي جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام وسائل السلامة.

وتنتشر مواقع التعدين التقليدية في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والنيل الأزرق وشمال وغرب وجنوب كردفان وشمالها، إضافة إلى ولايتي القضارف والجزيرة، وغالباً ما تنشأ حول أماكن التعدين أسواق ومخيمات عشوائية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والخدمات.

فواجع متكررة

وليست هذه الفاجعة هي الأولى من نوعها، إذ ظلت حوادث انهيار الآبار التقليدية للتنقيب عن الذهب تتكرر في معظم ولايات شمال السودان وشرقه وغربه، كان أقربها انهيار خمس آبار للتنقيب عن الذهب خلال يناير (كانون الثاني) الماضي في ولاية جنوب كردفان، حيث لقي 13 من المعدنين حتفهم تحت الأنقاض، وأُصيب ستة آخرون بكسور وجروح.

ويستوعب قطاع التعدين الأهلي في السودان أكثر من مليوني شخص، وتضاعف هذا العدد بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023، إذ يعمل الملايين في أنحاء البلاد وسط ظروف قاسية، وينتجون ما يزيد على 80 في المئة من كمية الذهب الإجمالية المستخرجة في البلاد، وفق وسائل إعلام سودانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجاوزات في الحفر

على الصعيد الرسمي، عزا مصدر في "الشركة السودانية للموارد المعدنية" التابعة لوزارة المعادن السودانية، أسباب تكرر انهيار الآبار التقليدية إلى تجاوز المنقبين الطرق العلمية في عمليات الحفر، إذ يجب ألا يزيد عمق البئر على 35 متراً. وكشف المصدر عن رفض المنقبين التقليديين المتكرر الرقابة الحكومية، فضلاً عن عدم التزامهم الإرشادات اللازمة للسلامة والبيئة التي تصدرها الشركة والسلطات المحلية، حفاظاً على سلامة أرواحهم، ويصرون على العمل في مناجم مهترئة ومتهالكة تفتقر إلى أبسط متطلبات السلامة والحماية اللازمة للعاملين في مواقع التعدين، بما في ذلك وسائل الحماية والإنقاذ، مما يزيد أخطار انهيار الآبار ووقوع حوادث مميتة.

وكان وزير المعادن نور الدائم طه أقر بأن التعدين التقليدي بصورته الحالية يشكل خطراً على البيئة وحقوق الأجيال المقبلة، مشدداً على أن الوزارة ستواصل إزالة المظاهر السلبية والخلاطات العشوائية في مواقع الإنتاج، وأكد خلال لقائه وفداً أهلياً من ولاية نهر النيل أن الوزارة ماضية في تنظيم قطاع التعدين للحد من الأضرار البيئية الناتجة من الاستخدام العشوائي للمواد الكيماوية ومكافحة تهريب الذهب.

أسباب الانهيارات

من ناحيته عزا مدير الإنقاذ البري في المجلس الأعلى للدفاع المدني المقدم ربيع موسى أسباب تعدد انهيار آبار التنقيب التقليدية إلى الطريقة والتقنية البدائية المستخدمة في الحفر من قبل المنقبين غير المدربين أو المحترفين، إذ يبدأون كالعادة بالحفر رأسياً حتى عمق ثلاثة إلى أربعة أمتار وهذا يجوز، "لكن المشكلة تبدأ بعد ذلك، لأنهم يتبعون في الحفر ما يُعرف بـ’عرق الذهب‘، وهو المسار الذي توجد فيه شواهد الذهب متابعين مجراه أينما كان، ويوجد غالباً في شكل متموج ومتعرج، وهكذا يستمر الحفر وتطول مسافته متتبعين انعطافات مجرى الذهب يميناً ويساراً، وفي مرحلة التعرج هذه، أي المتموجة في كل اتجاه، وبينما يستمرون بمطاردة شعاع الذهب، تتحول البئر بعدها إلى شكل غرف مربعة، وعند هذه المرحلة تبدأ الصخور الصلبة بالظهور، مما يضطرهم إلى استخدام حفار، وهو معروف بشدة الاهتزاز، فيؤدي إلى انهيار أسقف تلك الغرف الواحدة تلو الأخرى متسببة في انهيار البئر".

أطنان من الذهب

بلغ إنتاج الذهب في السودان نحو 70.15 طن خلال عام 2025، متجاوزاً المستهدف المقدر بنحو 62.02 طن، بنسبة إنجاز وصلت إلى 113 في المئة، واستحوذ التعدين التقليدي على النصيب الأكبر من الإنتاج بإجمال 58.38 طن، تلاه إنتاج شركات معالجة المخلفات بنحو 5.68 طن، ثم شركات الامتياز بإنتاج بلغ 5.96 طن، في حين سجل التعدين الصغير نحو 0.14 طن.

وعلى رغم ارتفاع الإنتاج، لا تزال الكميات المصدرة عبر القنوات الرسمية أقل بكثير من إجمال الإنتاج الفعلي، في ظل استمرار تحديات التهريب وتسرب جزء من الإنتاج إلى الأسواق غير المنظمة.

وكان بنك السودان المركزي أعلن أن الكمية المصدرة رسمياً خلال العام الماضي لم تتجاوز 14 طناً، بعائدات بلغت نحو 1.5 مليار دولار، بما يعادل 58 في المئة من إجمال صادرات البلاد.

وأكدت السلطات مراراً أنها تسعى إلى إعادة تنظيم التعدين التقليدي ومحاربة الأنشطة الضارة في مناطق التعدين للحفاظ على حياة المعدنين التقليديين.

ويُعد السودان ‌من أكبر منتجي الذهب في قارة أفريقيا، لكن الغالبية العظمى من الذهب تنتج عبر طرق تعدين بدائية خطرة وفي مناطق غير رسمية أو مناجم مهجورة، ثم ⁠تُهرب لاحقاً خارج البلاد.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات