Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أعادت الحرب تشكيل معنى الزمن لدى السودانيين؟

يصبح الانتظار نوعاً من أنواع الكلفة اليومية لا مجرد حال موقتة فكل ساعة تأخير قد تعني فرصة عمل ضائعة أو رحلة مؤجلة أو علاجاً لا يصل في موعده

يعيش السودانيون زمناً آخر تحدده نقاط التفتيش ومواعيد فتح الطرق وانقطاع الاتصالات ووصول المساعدات (أ ف ب)

ملخص

يستهلك الزمن أعماراً كاملة، أطفال يكبرون خارج المدارس، وشباب يدخلون سوق العمل في اقتصاد منهك، وأسر تعيش أعواماً من النزوح والانفصال. ولهذا لن يكون السلام مجرد إعلان لوقف إطلاق النار، بل بداية معركة أخرى لإعادة بناء التعليم والصحة والعمل والثقة بين المجتمع والدولة.

لم تعُد الحرب في السودان تسرق من الناس بيوتهم وأعمالهم وأمنهم وحسب، بل تعيد توزيع الزمن نفسه. فبينما تقاس الحروب عادة بالأيام والأشهر والأعوام، يعيش السودانيون زمناً آخر تحدده نقاط التفتيش ومواعيد فتح الطرق وانقطاع الاتصالات ووصول المساعدات وقرارات السلطات وتبدل خطوط السيطرة وانتظار خبر قد يغير مصير أسرة كاملة.

منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023، أصبح الزمن جزءاً من التجربة السياسية للنزاع. فقرار يصدر في مكان بعيد من الممكن أن يجمد حركة مدينة، وتأخر اتفاق أو هدنة ربما يمدد النزوح، وتبدل السيطرة على منطقة قد يعيد رسم مستقبل سكانها. وبالنسبة إلى المدنيين، لم يعُد المستقبل مساحة يمكن التخطيط لها بسهولة، إذ أصبح مرتبطاً بقرارات سياسية وعسكرية لا يملكون أدوات التأثير فيها، فيما تحولت القدرة على الانتظار نفسها إلى مورد غير متاح للجميع بالقدر ذاته.

وفي الحياة اليومية، يتقاطع الوقت السياسي مع الاقتصاد والمجتمع، فساعات العمل تقل أو تختفي، والرحلات التي كانت تستغرق دقائق تمتد إلى ساعات أو أيام، والمدخرات تستهلك خلال فترات انتظار لا يعرف أصحابها نهايتها. وتتغير أولويات الأسر بين تأمين الغذاء ومتابعة التعليم والحصول على العلاج والحفاظ على الروابط العائلية، بينما يتسع الفارق بين من يستطيع شراء الوقت بالمال أو بالنقل أو بالوصول إلى المعلومات، ومن لا يملك سوى الانتظار.

لم تعُد الحرب حدثاً يقع في الزمن، بل أصبحت قوة تعيد تشكيله، حين يصبح الانتظار نوعاً من أنواع الكلفة اليومية، لا مجرد حال موقتة، فكل ساعة تأخير قد تعني فرصة عمل ضائعة، أو رحلة مؤجلة، أو علاجاً لا يصل في موعده، أو قراراً عائلياً يتعذر حسمه. وبذلك، يتوزع عبء الحرب أيضاً بحسب القدرة على التحكم في الوقت وإدارته ومواجهته.

ذاكرة شعبية

في التراث الشعبي السوداني، كان الزمن أكثر من مقياس للساعات والأيام، كان طريقة لفهم الحرب وتحديد موقع الإنسان داخلها. وفي الذاكرة الشفوية، كثيراً ما يُروى الماضي على أنه "زمن" حدث بعينه، زمن الحرب، زمن المجاعة، زمن الرحيل أو زمن الهدنة. وقد يكون اليوم أو العام مرتبطاً بحدث كبير، فيصبح الحدث نفسه ساعة للذاكرة، ويغدو "قبل" الحرب و"بعدها" علامتين لتقسيم حياة كاملة.

ولم يكُن السودانيون دائماً يؤرخون بالأعوام والأرقام، إذ ارتبط الوقت في الروايات الشعبية بعلامات الطبيعة والأحداث الاستثنائية، بالمطر والفيضان والمجاعة وظهور النجوم والكسوف. وتورد دراسات للرواية الشفوية أن ظهور "النجمة أم ضنب" أي "النجمة أم ذيل" استخدم كعلامة زمنية، وأمكن ربط ظهورها بعام 1881، المتزامن مع بداية الثورة المهدية. وهنا يتحول الوقت من رقم إلى ذاكرة، فالناس لا يتذكرون السنة فقط، بل يتذكرون ما حدث "حين ظهر النجم".

وفي أوقات الحرب، اكتسبت مفردات الليل والنهار والانتظار والرحيل والعودة، قبل المعركة وبعدها دلالات أكثر عمقاً. فالليل يكون وقت الخوف والترقب ربما، والنهار وقت الحركة أو القتال، و"انتظار الغد" تعبيراً عن مستقبل مجهول.

وفي الشعر الشفوي، كانت المعركة تحفظ بإيقاعها وأبطالها ولحظتها، ثم تنتقل من جيل إلى آخر. وفي دارفور، امتلكت "الحكامات" سلطة على الذاكرة الجمعية، فقصائدهن لم تكُن تصف الحرب وحسب، بل كانت تتدخل في لحظتها، فتعبئ للقتال أو تدعو إلى إيقافه.

وتكشف "الجلالات" وهي الأناشيد العسكرية التي يترنم بها الجنود خلال التدريب، عن صورة أخرى للزمن، تكرار الإيقاع يوحد خطوات الجماعة، فيتحول الزمن من دقائق متفرقة إلى نبض جماعي، وهي ممارسة ارتبطت تاريخياً بالعمل الجماعي و"النفير"، ثم انتقلت إلى أغاني الحرب و"المارش" العسكري.

ويظهر الوقت في التراث السوداني بوصفه ذاكرة للحرب، وقتاً يُنتظر ويخشى ويروى ويُقاس بالحدث لا بالساعة فقط، لذلك لا تنتهي الحرب بانتهاء المعركة، فقد يبقى وقتها في الحكاية، ويظل "ذلك اليوم" حاضراً بعد عقود.

اختلاف أجيال

منذ أن بدأت الحرب وتغيرت حياة السودانيين، لم يعُد سؤال "متى تنتهي الحرب؟" عن المستقبل وحده، بل عمّن يملك القدرة على تحديد الوقت. متى تتوقف المعارك، ومتى تفتح الطرق، ومتى تصل المساعدات، ومتى تبدأ هدنة وتنتهي؟ وتعثرت مبادرات وهدن متكررة، بينما ظل المسار السياسي معلقاً بين الحسابات العسكرية ومحاولات الوساطة.

وترى الباحثة الاجتماعية فوزية حسين أن جوهر المسألة يكمن في اختلاف علاقة الأجيال بالوقت السياسي، قائلة إن جيل السياسيين ينظر إلى الزمن على أنه مساحة للتفاوض والمساومة وإعادة ترتيب المواقع، أما جيل الشباب الذي دخل الحرب في مقتبل عمره، فيراه زمناً ينتزع من حياته ولا يمكن تعويضه. وبحسب حسين، فإن الشاب الذي أوقف دراسته أو فقد عمله أو نزح مع أسرته لا ينظر إلى المرحلة الانتقالية على أنها مصطلح دستوري، فهو يقيسها بعدد الأعوام التي مضت من عمره.

وتكتسب هذه القراءة وزناً في ضوء الدور الذي أظهره الشباب خلال احتجاجات 2018 وما بعدها، فالأمم المتحدة تشير إلى أن الشباب ظلوا في مقدمة الحراك حتى سقوط نظام عمر البشير عام 2019، ثم واصلوا خلال الحرب العمل من أجل السلام والمشاركة المدنية. كذلك وثقت مبادرات شبابية مستقلة الحرب ورفعت تقارير من مناطق مختلفة، على رغم انقطاع الاتصالات والخطر الأمني.

وتقول الباحثة الاجتماعية "هنا يتباعد تصوران للزمن، زمن النخبة السياسية الذي يمكن تمديده إلى حين تتوافر الظروف، وزمن جيل شاب يرى أن كل تأجيل يعني عاماً إضافياً من عمره خارج الدراسة والعمل والاستقرار. لذلك لا تبدو الهدنة بالنسبة إليه مجرد توقف للنيران، بل استعادة لحقه في امتلاك المستقبل".

وتتابع "بهذا المعنى، يصبح الوقت نفسه ساحة للسلطة، من يملك السلاح يستطيع التأثير في موعد الهدنة، ومن يملك القرار السياسي يستطيع تأجيل الانتقال، بينما يدفع الشباب ثمن الأعوام التي لا يمكن استعادتها".

مسار طويل

وقال المتخصص في العمل الإنساني أبوعبيدة السناري "يظهر أثر الحرب على الوقت في تفاصيل اليوم العادي، فرحلة كانت تستغرق ساعة تتحول ربما إلى مسار طويل بسبب الحواجز وتبدل طرق العبور، والمريض قد يقضي ساعات بحثاً عن مستشفى يعمل، والأسرة النازحة من الممكن أن تنتظر أياماً للحصول على مساعدة أو طعام أو دواء". وأضاف "في المناطق المتأثرة بالقتال، يصبح انتظار تصريح أو فتح طريق جزءاً من حياة السودانيين، فيما يمكن لتأخر قافلة إنسانية أن يعني تأخر الغذاء والدواء عن أشخاص لا يملكون بديلاً". وأشار السناري إلى تقرير "المجلس النرويجي للاجئين" الذي أفاد بأن القيود الإدارية وتغير خطوط المواجهة وانعدام الأمن والطرق المغلقة تؤدي بالفعل إلى إبطاء أو منع وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.

ورأى أن "الوقت في السودان أصبح جزءاً من كلفة الحرب اليومية"، موضحاً أن خسارته لا تظهر في أرقام القتلى والنازحين فقط، فربما تكون في يوم عمل ضائع، أو رحلة علاج مؤجلة، أو موسم زراعي يفوت موعده، أو طفل يخسر يوماً آخر من التعليم. وهذا المعنى تؤكده بيانات الأمم المتحدة، إذ أظهر مسح شمل 3 آلاف أسرة حضرية أن 70 في المئة من الأسر التي لديها أطفال في سن الدراسة أوقفت بعض أطفالها عن الدراسة، بينما انخفض الوصول الكامل إلى الخدمات الصحية إلى نحو 15.5 في المئة.

ويورد السناري أن "في الريف، يصبح الزمن أكثر ارتباطاً بالموسم الزراعي، فالتأخر في الوصول إلى البذور أو الأسواق أو الأراضي قد لا يعني خسارة يوم واحد، بل خسارة دورة زراعية كاملة، مما ينعكس على دخل الأسرة وغذائها خلال الأشهر التالية". ويشرح أن نافذة الزراعة لا تتسع للتأجيل، فتعطل الوصول إلى المدخلات أو الوقود، وتأخر نقل المحاصيل، قد يخفضان الإنتاج ويرفعان الفاقد والأسعار. وفي العمل الإنساني، يعني ضياع الوقت تقلص الوقاية وتعطل الإحالات وتأخر تسجيل الأسر وتوزيع الإمدادات، مما يضاعف حاجاتها الإنسانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أثر عميق

إذا كان ليس بالإمكان تحديد موعد لنهاية الحرب السودانية، فإنه يمكن قراءة مستقبلها من الزمن الذي تستنزفه، فكل شهر إضافي من القتال يترك أثراً أعمق في شكل الدولة والاقتصاد، ويجعل العودة لما قبل الحرب أكثر صعوبة. ومع دخول الحرب عامها الرابع، تجاوز عدد النازحين 14 مليوناً، فيما يواجه نحو 20 مليون سوداني الجوع، وسط تراجع التمويل الإنساني.

ويقول الصحافي محمد مهدي إن "الزمن في الحرب ليس محايداً، فهو يعيد تشكيل شروط السلام. فكلما طال القتال، أصبحت التسوية أكثر تعقيداً، لأن المفاوضين لا يعودون أمام واقع الحرب الأول، بل أمام موازين قوى ومصالح وشبكات نفوذ نشأت خلالها. وفي السودان، يبرز خطر آخر يتمثل في ترسخ الانقسام السياسي والإداري بين مناطق النفوذ، مما قد يجعل إنهاء الحرب أسهل من إعادة توحيد الدولة".

ويرى مهدي أن السودان يدفع اقتصادياً ثمن كل شهر إضافي من الحرب عبر تراجع الإنتاج وتدمير البنية التحتية وفقدان مصادر الدخل، مشيراً إلى أن البنك الدولي كان حذر من أن الاقتصاد قد لا يستعيد مستوى الناتج المحلي قبل الحرب حتى عام 2031، مما يعني أن يوم توقف القتال لن يكون بالضرورة يوم انتهاء الأزمة الاقتصادية.

وقال "يستهلك الزمن أعماراً كاملة، أطفال يكبرون خارج المدارس، وشباب يدخلون سوق العمل في اقتصاد منهك، وأسر تعيش أعواماً من النزوح والانفصال. ولهذا لن يكون السلام مجرد إعلان لوقف إطلاق النار، بل بداية معركة أخرى لإعادة بناء التعليم والصحة والعمل والثقة بين المجتمع والدولة".

وتابع أن "الوسطاء الأفارقة والدوليون يربطون إنهاء الحرب بمسار نحو حكم مدني شامل ومعالجة جذور الصراع. لكن مع كل يوم تأخير، تتغير نقطة الانطلاق. لذلك، فإن نهاية الحرب تفتح الباب نحو ما سيبقى من الدولة والمجتمع والاقتصاد حين تنتهي، وكم من الوقت سيحتاج السودان بعد ذلك ليبدأ استعادة عافيته وبناء دولة مستقرة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير