ملخص
رفضت الهند الكشف عن تكاليف بعض برامج الأسلحة النووية وأضافت قيادة القوات الاستراتيجية إلى قائمة المنظمات الأمنية المستثناة من قانون الحق في الحصول على المعلومات.
طورت الهند ترسانتها النووية منذ أربعينيات القرن الماضي في اتجاهات رئيسة عدة، وهي: مخزون المواد الانشطارية والرؤوس الحربية والعقيدة النووية والطائرات الحربية والصواريخ الباليستية الأرضية والبحرية وصواريخ "كروز". وتواصل الهند تحديث ترسانتها النووية الناشئة، فيما تشغل حالياً تسعة أنظمة نووية مختلفة منها طائرتان وستة صواريخ باليستية أرضية وصاروخ باليستي بحري واحد. كذلك أنتجت الهند ما يكفي من البلوتونيوم العسكري لصنع ما بين 140 و225 رأساً نووياً، وجمعت ما يصل إلى 190 رأساً حربياً حتى الآن.
ونقلاً عن موسوعات علمية وعبر موقع "ساينس دايركت"، فإن بداية البرنامج النووي الهندي تعود لمنتصف الأربعينيات مع تأسيس مؤسسات بحثية بقيادة العالم هومي جهانغير بهابها، ثم ترسخ البرنامج رسمياً بعد الاستقلال عام 1947 بإنشاء لجنة الطاقة الذرية عام 1948، قبل أن يتحول البرنامج تدريجاً من برنامج سلمي إلى برنامج ذي قدرة عسكرية، وذلك بعد صدمة خسارة الحرب مع الصين عام 1962، وفي 1974 أجرت الهند أول اختبار نووي في موقع بوخران المعروف باسم "بوذا المبتسم".
العقيدة النووية
منذ 2003 طرأ تحولان كبيران على العقيدة النووية الهندية، مما جعل هذه العقيدة الأخطر بين الدول النووية في العالم حديثاً. والتحولان هما، أولاً: إدراج الصين ضمن سياسة الردع النووي الهندي، وثانياً: التراجع عن سياسة عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية في بعض الأحيان.
ويعد التفات الهند إلى الخطر الصيني في عام 2021 أهم سبب في التحول الكبير الذي طرأ على العقيدة النووية الهندية، إذ كثيراً ما ركزت العقيدة والاستراتيجية النووية الهندية بصورة كبيرة على باكستان، وتعد الاشتباكات الحدودية الأخيرة بين البلدين تذكيراً بأن التوترات بين الهند وباكستان تشكل إحدى أخطر بؤر التوتر النووي على مستوى العالم. وبينما كانت علاقة الردع الرئيسة للهند تاريخياً مع باكستان، فإن نشرها وتطويرها لصواريخ نووية بعيدة المدى يشير إلى أنها تولي اهتماماً متزايداً لعلاقتها الاستراتيجية المستقبلية مع الصين. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، صرح رئيس أركان الدفاع الهندي آنذاك الجنرال بيبين راوات في مؤتمر صحافي أن الصين أصبحت أكبر تهديد أمني للهند. إضافة إلى ذلك، فإن مدى معظم صواريخ "أغني" الهندية الجديدة يوحي بأن الصين هي هدفها الرئيس.
أما التطور الثاني اللافت الذي طاول العقيدة النووية الهندية فهو التراجع عن سياسة عدم البدء باستخدام الأسلحة النووية إلى حد كبير، وجاء ذلك بعد إعلان عام 2003 الذي أكد أن الهند قد تستخدم سلاحها النووي، رداً على الهجمات الكيماوية أو البيولوجية.
مخزون المواد الانشطارية والرؤوس الحربية
وفي مقالة بعنوان "الأسلحة النووية الهندية"، وهي بقلم كل من: هانز إم. كريستنسن ومات كوردا وإليانا جونز وماكنزي نايت - بويل، نشرت يوم التاسع من سبتمبر (أيلول) 2026، أكد هؤلاء أن "الهند تعد من بين الدول القليلة التي يعتقد أنها تنتج اليورانيوم عالي التخصيب والبلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية، ويفترض أن إنتاج الهند من اليورانيوم عالي التخصيب يتركز بصورة كبيرة على توفير الوقود لأسطولها المتزايد من السفن والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية"، إذ كان مصدر البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية في الهند هو مفاعل "دروفا" لإنتاج البلوتونيوم، الذي تبلغ طاقته 100 ميغاواط حراري، والواقع في مجمع مركز بهابها للأبحاث الذرية بالقرب من مومباي، وحتى عام 2010 كان مصدر البلوتونيوم هو مفاعل "سيروس" في الموقع نفسه. "وبعد أكثر من عقد من التأخير، وصل مفاعل التوليد السريع النموذجي الجديد في الهند، بقدرة 500 ميغاواط حراري، والواقع في مركز إنديرا غاندي للأبحاث الذرية بالقرب من كالباكام، إلى حالة التفاعل النووي الحرجة الأولى في أبريل (نيسان) 2026".
ووفق هؤلاء الخبراء، فإن هذا المفاعل الجديد، الذي يغذى بمخزون من البلوتونيوم المستخدم في المفاعلات، يعمل على تشعيع طبقة من اليورانيوم أو الثوريوم لإنتاج البلوتونيوم-239 واليورانيوم-233. وإذا جرى تشغيله بكفاءة 80 في المئة، فمن الممكن نظرياً أن ينتج مفاعل التوليد السريع النموذجي ما يقدر بنحو 140 كيلوغراماً من البلوتونيوم-239 سنوياً، وهو ما يكفي لصنع ما يصل إلى 35 رأساً نووياً. وفي هذا السياق، قدرت هيئة دولية معنية بالمواد الانشطارية أن الهند وبحلول مطلع عام 2026 أنتجت ما يقارب 730 كيلوغراماً من البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية. وبافتراض استخدام 4 كيلوغرامات من البلوتونيوم لكل رأس حربي، فإن هذه الكمية تكفي نظرياً لإنتاج ما بين 140 و225 رأساً حربياً نووياً.
الطائرات
أكد تقرير المفكرة النووية لنشرة علماء الذرة الأميركيين أن الطائرات المقاتلة القاذفة كانت بمثابة القوة الضاربة النووية الأولى والوحيدة للهند حتى عام 2003، وذلك "بعد نشر صاروخ بريثفي - 2 الباليستي القادر على حمل رؤوس نووية". وعلى رغم التقدم الكبير الذي أحرز منذ ذلك الحين في بناء ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية البرية والبحرية، إلا أنه لا تزال الطائرات تؤدي دوراً بارزاً كقوة ضاربة "مرنة" في الوضع النووي للهند. ويقدر علماء الذرة الأميركيون أن ثلاثة أو أربعة أسراب من طائرات "ميراج 2000 إتش" و"جاكوار آي إس"، موزعة على عدد محدود من القواعد، "مكلفة بمهمات الضربات النووية ضد باكستان والصين".
الصواريخ الباليستية الأرضية
يمتلك الجيش الهندي ستة أنواع من الصواريخ الباليستية الأرضية المتنقلة القادرة على حمل رؤوس نووية، وهي جاهزة للعمليات بصواريخ بريثفي-2 وأغني-1 قصيرة المدى، وأغني-2 متوسطة المدى، وأغني-3 وأغني-4 وأغني-5 متوسطة المدى. ويجري تطوير صاروخ أغني-P متوسط المدى، وهو على وشك النشر. وبينما لم تصدر الحكومة الهندية أي تصريحات حول حجم أو تكوين قواتها الصاروخية الأرضية في المستقبل، فمن المحتمل إيقاف استخدام أنواع الصواريخ غير الضرورية، أو الاكتفاء بنشر صواريخ متوسطة وبعيدة المدى فقط في المستقبل لتوفير خيارات هجومية متنوعة ضد باكستان والصين.
وتخطط الحكومة الهندية لنشر قوة صاروخية متنوعة، وبحلول يوليو (تموز) 2026 وصل عدد صواريخها البرية العاملة القادرة على حمل رؤوس نووية إلى نحو 88 صاروخاً.
صواريخ باليستية بحرية
بعد دخوله الخدمة عام 2010 ولأعوام طويلة، كانت القدرة النووية البحرية الوحيدة للهند هي صاروخ دانوش الباليستي، وهو نسخة معدلة من صاروخ بريثفي-2 الباليستي قصير المدى. أما الغواصة الهندية الأولى المصنعة محلياً والمزودة بصواريخ باليستية تعمل بالطاقة النووية، وهي الغواصة "آي إن إس أريانت"، فقد دخلت الخدمة في أغسطس (آب) 2016، لكنها أمضت معظم عام 2017 والنصف الأول من عام 2018 في عمليات إصلاح، بعد أن تعطل نظام الدفع الخاص بها، بسبب أضرار ناجمة عن المياه. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أعلن رئيس الوزراء مودي أن الغواصة "آي إن إس أريانت" قد أكملت أول دورية ردع لها. واستخدمت الغواصة كمنصة إطلاق تجريبية في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، عندما أطلقت صاروخاً باليستياً لم يكشف عن اسمه بعد، وذلك في "إطلاق تدريبي"، كما وصفته وزارة الدفاع الهندية. يذكر أن الغواصة النووية الهندية الثانية "أريغات" لم تبدأ تجاربها البحرية إلا في مطلع عام 2022، فيما دخلت الخدمة فعلياً في أغسطس 2024. وتشير صور الأقمار الاصطناعية إلى أن كلاً من "أريهانت" و"أريغات" تمتلكان أربعة أنابيب صواريخ، وأنهما متطابقتان في الحجم والأبعاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صواريخ "كروز"
على غرار دول نووية عدة، تحرز الهند تقدماً ملاحظاً في تطوير أنواع متعددة من صواريخ "كروز"، فيما لم يتأكد حمل أي من صواريخ كروز الهندية لرؤوس نووية. ويشبه صاروخ كروز "نيربهاي"، وهو أول صاروخ كروز هندي صنع محلياً، صاروخ "توماهوك" الأميركي أو صاروخ "بابور" الباكستاني. وتصف وزارة الدفاع الهندية صاروخ "نيربهاي" بأنه "أول صاروخ كروز هندي طويل المدى أقل من سرعة الصوت، مصمم ومطور محلياً، ويبلغ مداه 1000 كيلومتر، وقادر على حمل رؤوس حربية يصل وزنها إلى 300 كيلوغرام". وتفيد التقارير أيضاً بأن الهند قد أكملت التجارب التطويرية لصاروخ "نيربهاي" على رغم كثرة الإشاعات التي تفيد بأن صاروخ "نيربهاي" ذو قدرة مزدوجة، إذ تشير بعض المصادر إلى قدرته على حمل رأس حربي تقليدي يزن 450 كيلوغراماً أو رأس نووي يزن 12 كيلوطناً، وذلك وفقاً لصحيفة "هندوستان تايمز" الإنجليزية في عام 2024، إلا أن الحكومة الهندية وجهاز الاستخبارات الأميركي لم يؤكدا هذه الادعاءات علناً.
وفقاً لتقرير المفكرة النووية أيضاً فإن الهند تطور نسخاً عدة مشتقة من صاروخ "نيربهاي"، وذلك "في محاولة لاستبداله، بعد أن شهد إخفاقات كثيرة في الإطلاق خلال مرحلة الاختبار والتقييم". ومن بين هذه المشاريع التي تطورها منظمة البحث والتطوير الدفاعية الهندية (DRDO) برنامج صاروخ "كروز" فائق السرعة بتقنية محلية الصنع (ITCM). ووفقاً لمجلة "جينز" البريطانية الشهيرة في مجال الدفاع والتسليح، يعد برنامج ITCM برنامجاً تجريبياً لاختبار قدرات محركات التوربوفان الصغيرة محلية الصنع في الهند، والمعروفة باسم "مانيك"، إضافة إلى أنظمة فرعية أخرى. وفي هذا السياق، أفاد مسؤول في منظمة البحث والتطوير الدفاعية الهندية (DRDO) في تصريحات لمواقع علمية في مارس 2023 بأن اختبار طيران لمحرك ITCM أجري بنجاح، مضيفاً أن الاختبار مهد الطريق لدمج المحرك في صاروخ "كروز" جديد قيد التطوير، وهو صاروخ "كروز الهجومي البري بعيد المدى" (LRLACM).
سياسة الغموض
لا تكشف الهند عن حجم مخزونها النووي، ولا يعلق المسؤولون الهنود بانتظام على قدرات ترسانة بلادهم النووية، وعلى رغم إمكان استخلاص بعض المعلومات الرسمية من تحقيقات البرلمان ووثائق الموازنة والبيانات الحكومية ومصادر أخرى، إلا أن الهند تحافظ عموماً على ثقافة من الغموض النسبي في ما يتعلق بترسانتها النووية. إذ رفضت الهند سابقاً الكشف عن تكاليف بعض برامج الأسلحة النووية، وفي عام 2016 أضافت الحكومة الهندية قيادة القوات الاستراتيجية إلى قائمة المنظمات الأمنية المستثناة من قانون الحق في الحصول على المعلومات، مما حال دون تمكن الصحافيين والباحثين والجمهور من الوصول إلى معلومات بالغة الأهمية حول الترسانة النووية الهندية.
مصادر المفكرة النووية
تجدر الإشارة إلى أن التحليلات والتقديرات حول الترسانة النووية الهندية الواردة في "المفكرة النووية" التابعة لنشرة علماء الذرة الأميركيين تستمد من تحليل مجموعة من المصادر المفتوحة، أهمها بيانات رسمية مثل تصريحات الحكومة الهندية والوثائق التي رفعت عنها السرية ومعلومات الموازنة والعروض العسكرية وبيانات الإفصاح عن المعاهدات. أما المصدر الثاني لمعلومات المفكرة النووية فهي بيانات غير رسمية مثل التقارير الإعلامية وتحليلات مراكز الأبحاث ومنشورات المؤسسات الصناعية العسكرية والحربية، كذلك تعد صور الأقمار الاصطناعية التجارية من أهم مصادر المفكرة. في ما تتحقق المفكرة بدورها من كل معلومة توردها باستخدام مصادر متعددة، وتدعمها بمحادثات خاصة مع المسؤولين كلما أمكن ذلك.