Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهند... قد تكون أكبر ضحايا الذكاء الاصطناعي

تراجع التوظيف في قطاع التكنولوجيا يضغط على النمو ويجبر الشركات على إعادة صياغة نموذج أعمالها

اللحاق بالسباق التكنولوجي لم يوقف منحى تسريح العاملين وشح الوظائف (اندبندنت عربية)

ملخص

تتزايد تداعيات الذكاء الاصطناعي على وظائف الهند، مع تسريح العاملين وتراجع عائدات شركات التكنولوجيا، بينما تراهن نيودلهي على تطوير مهارات جديدة.

تشهد سوق العمل في أسرع اقتصادين نمواً في العالم ضغوطاً متصاعدة مع تطور برامج ونماذج الذكاء الاصطناعي، بما يهدد أحد أهم مدخلات الناتج المحلي الإجمالي فيهما.

فعلى مدى الأعوام الماضية كانت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تقود النمو الاقتصادي العالمي، ثم تجاوزتها الهند لتصبح الأسرع نمواً عالمياً.

وعلى رغم التركيز في الدول المتقدمة، خصوصاً الولايات المتحدة، على أخطار التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي على سوق العمل للبشر، فإن بوادر تسريح العاملين وعدم توافر وظائف تمتص القوة العاملة المتزايدة في الصين والهند تبدو أكثر وضوحاً.

ربما ما زال قطاع التصنيع وغيره في الصين قادراً على امتصاص قدر معقول من العمالة، لكن في الهند يشكل الاستغناء عن العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي تحدياً هائلاً.

وفي تقرير موسع ومطول في صحيفة "فايننشال تايمز" هذا الأسبوع، صورة عما يمثله دخول الذكاء الاصطناعي ليحل محل وظائف البشر في القطاع الذي طوره، وهو تكنولوجيا المعلومات.

إذا كانت الصين أصبحت في العقود الماضية قلب التصنيع العالمي، مع نقل كثير من الشركات العالمية مصانعها إلى هناك لقلة الكلفة، فإن الهند في الفترة نفسها أصبحت مركزاً لخدمات تكنولوجيا المعلومات لغالب الشركات الكبرى في أميركا الشمالية وأوروبا، خصوصاً شركات التكنولوجيا.

تسريح العمالة التكنولوجية

في وقت سابق من هذا العام سرحت شركة "أوراكل" نحو 10 آلاف من العاملين فيها داخل الهند، في واحدة من أكبر عمليات تسريح العمالة التكنولوجية في البلاد، بحسب ما أعلنت نقابة العاملين في تكنولوجيا المعلومات الهندية.

إلى ذلك، يحكي تقرير الصحيفة عن أحد هؤلاء الموظفين ويسميه راكش (ليس اسمه الحقيقي) وكيف كان وقع الأمر عليه.

يحكي راكش بمرارة كيف أن ما كان يعمل عليه لدى "أوراكل" من تطوير في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى عمل الشركة كان سبباً في تسريحه وإلغاء وظيفته.

ويقول "تبنينا تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وعملنا على تطوير برامج لاستخدامه... تلك البرامج التي أنفقنا فيها كل جهدنا، عرقاً ودماً وروحاً، هي التي أدت إلى فصلي من عملي، وبعد كل هذا الولاء للشركة لم تقف إلى جانبنا واستغنت عن خدماتنا".

لم تنته مشكلة راكش والآلاف مثله عند الفصل من الشركة، بل بدأ التحدي الأكبر في البحث عن وظيفة ضمن قطاع التكنولوجيا، ومع أنه عثر عليها بأقل من ربع راتبه بعدما قدم على أكثر من 100 شاغر، إلا أن غيره ما زال يبحث عن عمل منذ مارس (آذار) الماضي وحتى الآن.

لذا يعد نفسه محظوظاً أنه وجد وظيفة تكفي بالكاد لتدبير معيشة أقل مستوى بكثير مما كان عليه، إذ يتقاضى فيها 75 ألف روبية (785 دولاراً) تساوي أقل من ربع راتبه السابق في "أوراكل".

ولا يقتصر الأمر على الشركة الأميركية العملاقة التي سرحت الآلاف من موظفيها في الهند، بل إن غالب الشركات الكبرى التي كانت تتعاقد على جزء من أعمالها داخل الهند توقفت عن ذلك، وبدأ بعضها إعادة مناقشة العقود السابقة، كما أن الشركات الهندية في مجال تكنولوجيا المعلومات التي توسعت وكبرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بدأت تواجه الانكماش مع دخول الذكاء الاصطناعي، وانعكس ذلك على التوظيف فيها.

أهمية القطاع لاقتصاد الهند

على مدى العقود الثلاثة الماضية لعب قطاع تكنولوجيا المعلومات دوراً مهماً في النمو الاقتصادي للهند، وتوسع تكوين الطبقة الوسطى في البلاد.

ويوظف القطاع أكثر من 6 ملايين من العمالة الماهرة تكنولوجياً، ويسهم بنسبة سبعة في المئة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ويعني تسريح العمالة في القطاع مشكلة كبيرة أمام حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي التي تسعى لتوفير مزيد من الوظائف في الاقتصاد لامتصاص قوة العمل الكبيرة المتوافرة.

كان قطاع تكنولوجيا المعلومات من القطاعات التي تشهد نمواً في الوظائف على مدى أعوام، لكنه الآن بدأ في تسريح العاملين وإلغاء الوظائف التي يحل محلها الذكاء الاصطناعي أو لم تعد متوافرة نتيجة اعتماد الشركات الكبرى في الخارج، التي كانت تتعاقد على بعض أعمالها في الهند على الذكاء الاصطناعي.

وفي تقرير لها خلال يوليو (تموز) الماضي، ذكرت مؤسسة "ستاندرد أند بورز" للتصنيف الائتماني أن شركتي "إنفوسيس" و"ويبرو" قلصتا القوة العاملة فيهما بحلول مارس الماضي بنسبة ما بين خمسة وستة في المئة مقارنة مع مستويات عام 2023، وشهدت شركات مثل "تاتا كونسلتانسي سيرفيس" و"تك ماهيندرا ليمتد" تقليصاً مماثلاً للعمالة.

وكانت النتيجة أن المستثمرين بدأوا الابتعاد عن أسهم شركات تكنولوجيا المعلومات الهندية الكبيرة. فمنذ بداية العام الحالي انخفض مؤشر "نيفتي آي تي"، الذي يتتبع شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات الهندية الكبرى، بنسبة 18 في المئة.

فعلى رغم التطور الذي شهده قطاع التكنولوجيا الهندي على مدى العقود الأخيرة، فإن إسهاماته في تطور الذكاء الاصطناعي تظل محدودة.

واعتمد نمو القطاع على تكنولوجيا المعلومات في جوانب البرمجة وخدمات الحلول للشركات الكبرى ومراكز الصيانة وخدمة العملاء من بُعد، التي تعاقدت الشركات الغربية مع شركات هندية محلية على القيام بها.

فهي في النهاية عمليات دعم تكنولوجي أكثر منها تطوير منتجات تكنولوجية كما تفعل الشركات العالمية الكبرى.

تبعات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد

وعلى غرار التوجه العالمي المتحمس للذكاء الاصطناعي، أعلن رئيس الوزراء الهندي هذا العام أن الذكاء الاصطناعي سيوفر ملايين الوظائف للعاملين في الهند. لكن كبير مستشاري الحكومة الاقتصاديين أي أنانثا ناغسواران حذر من التحديات التي تواجه ذلك الطموح الذي أعلنه مودي.

وكتب ناغسواران مطلع هذا العام محذراً من أن "الشركات التي اعتمدت على ميزة الهند في التعامل مع القدر الأكبر من عملها ربما لا تحتاج إلى ذلك الآن... ويعني ذلك خطر تفريغ الهند من القيمة الأساس لخدماتها إذا لم تحسن التكيف".

بدأ الاقتصاد الهندي يشهد بالفعل تبعات استخدام الذكاء الاصطناعي على التوظيف، وبخاصة في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

فطبقاً لدراسة حديثة لجامعة "عظيم بريمجي"، زادت أعداد الهنود الذين يلتحقون بالجامعات والكليات خلال الأعوام الأخيرة، في الوقت ذاته، فإن نسبة 40 في المئة من الخريجين تحت سن 25 عاماً متعطلون عن العمل".

نتيجة استخدام الشركات الكبرى للذكاء الاصطناعي لم تعد في حاجة لخدمات قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي الذي كان مصدر التوظيف الأكبر في البلاد.

ومع تراجع عدد العملاء من الخارج تراجعت معدلات التوظيف، ولجأت الشركات الهندية إلى تقليص عدد العاملين فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في تقريرهم الشهر الماضي، توقع المحللون في "ستاندرد أند بورز" تراجع عائدات أكبر ثلاث شركات هندية في مجال تكنولوجيا المعلومات تخضع لتصنيف المؤسسة، هي "إنفوسيس" و"أتش سي أل تك" و"ويبرو"، بنحو النصف تقريباً.

وقدرت المؤسسة تراجع عائدات تلك الشركات إلى نسبة اثنين إلى أربعة في المئة في العامين المقبلين. ذلك مقارنة مع نمو عائدات بنسبة أربعة إلى ستة في المئة في العام السابق.

وتشكل عائدات قطاع تكنولوجيا المعلومات جزءاً مهماً من دخل الهند، إذ بلغت عائدات القطاع أكثر من 300 مليار دولار سنوياً.

وحذر محللون في تقريرهم من أن الذكاء الاصطناعي "يهدد نموذج الأعمال القديم (لشركات التكنولوجيا الهندية)، وكأنما الأمر هو إحلال الروبوت محل البشر في الوظائف، لكنه يفتح أيضاً أبواباً جديدة إذا أمكن التكيف وأن يصبحوا مبرمجي ومشغلي الروبوتات".

تطوير الروبوتات

ذلك ما بدأت بعض الشركات عمله بالفعل، كما في شركة منسوجات في جنوب الهند، إذ تُوظف عمالة موقتة لكي الملابس وهم يرتدون كاميرات ذكية مرتبطة ببرامج كمبيوتر لاستخدامها في تدريب الذكاء الاصطناعي كي تقوم الروبوتات بمهامهم. ويدرك هؤلاء العاملون أنهم يقومون بتغذية من سيحل محلهم ويطردهم من العمل بعد فترة قصيرة، لكن لا خيار أمامهم في ظل عدم توافر وظائف أخرى.

مرة أخرى، تمثل الهند سوقاً مهمة في توفير المادة الخام لتدريب الذكاء الاصطناعي، وتمكين الروبوتات من القيام بأعمال يدوية بديلة عن البشر، فأجور العمالة رخيصة جداً ويمكن توظيف أعداد كبيرة لتأسيس قاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي المشغل للروبوتات.

كانت حكومة مودي أعلنت في موازنة عام 2024 تخصيص 104 مليارات روبية (1.1 مليار دولار) لمهمة الذكاء الاصطناعي في الهند على مدى خمسة أعوام.

وأعلنت شركات هندية عملاقة مثل "تاتا" ومجموعة "أداني" خطط استثمار أكثر من 200 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي.

إلا أنه في مجال توظيف العمالة الرخيصة الموقتة لتسجيل ما يتم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي للروبوتات عليه، قد لا يكون ميزة هندية متفردة. فلدى الصين أيضاً ميزة العمالة الرخيصة والكثيفة لتجهيز معلومات تدريب روبوتات الذكاء الاصطناعي، ربما بما يفوق الهند.

إضافة إلى أن الصين سبقت الهند بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي بما يوازي الشركات الأميركية الكبرى وحتى تتفوق عليها أحياناً.

اقرأ المزيد