ملخص
كوريا الشمالية تعمل على تطوير نظام أسلحة تحت الماء، وتزيد الترسانة النووية المتطورة والمتنامية لكوريا الشمالية من المخاوف حول مبادرة ترمب والشكوك حول التزام أميركا الأمني في آسيا.
من ميزان مختلف عن عام 2018، من المتوقع أن تبدأ جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين ترمب وكيم نهاية هذا العام. ونظراً إلى توسع الترسانة الكورية الشمالية، وتطور الصواريخ، وتعميق التعاون مع موسكو، برز تساؤل حول إمكان أن يغير ترمب الكوري الجنوبي موقفه من أسلحة كوريا الشمالية النووية. الرئيسان الأميركي دونالد ترمب وكيم جونغ أون التقيا أول مرة في سنغافورة في يونيو (حزيران) 2018 في منتجع كابيلا بجزيرة سنتوسا، ثم في هانوي في فيتنام، وكان لقاؤهما الثالث في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين عام 2019، أما بالنسبة إلى عام 2026 فقد صرح ترمب في أغسطس (آب) الجاري أنه يخطط للقاء كيم لاحقاً هذا العام مع احتمال أن يكون اللقاء خلال قمة أبيك في شينزين في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لكن من دون إعلان رسمي حتى الآن.
وبافتراض انعقاد القمة، تساءل بعض علماء الذرة: ما الذي ينبغي أن تسعى إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها في مفاوضات الحد من قدرات كوريا الشمالية النووية؟ وما التنازلات التي ينبغي أن ندرس تقديمها في المقابل؟ وما معايير اتفاق معقول يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها؟
وفي هذا السياق، يرى أنكيت باندا في تحليل نشر في الـ21 من أغسطس 2026 على موقع علمي أميركي أن "ترمب يريد عودة كيم إلى طاولة المفاوضات، ولكن عليه أن يركز في هذه المفاوضات على التعايش السلمي، لا على نزع السلاح النووي". وقال باندا وهو زميل أول في برنامج السياسة النووية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في افتتاحية مقالته: "إذا كان ترمب يرغب في لقاء كيم مجدداً، فقد لا تزال لديه فرصة، لكن انتقاد التحالف مع كوريا الجنوبية يعد خطوة أولى خاطئة، وسيحتاج ترمب إلى إعادة النظر في نهجه تجاه الترسانة النووية لكوريا الشمالية".
دور الترسانة النووية في المفاوضات
وفق علماء نشرة الذرة الأميركيين، يؤدي تقدير حجم ترسانة كوريا الشمالية النووية دوراً حاسماً في هذا اللقاء، فعلماء يقولون إن على الرئيس الأميركي أن يفعل أكثر من انتقاد كوريا الجنوبية لكسب مودة كيم، بل ويتوقع بعضهم منه أن يغير موقفه الصارم من سلاحها النووي.
ترسانة كوريا الشمالية النووية
حديثاً أكد الرئيس الأميركي امتلاك بيونغ يانغ 57 سلاحاً نووياً، وترد سيول على ترمب مؤكدة أن كوريا الشمالية تمتلك ما يصل إلى 120 رأساً نووياً، فما مصدر هذا التضارب؟ بدورها فإن معلومات متخصصين في الشأن حول مدى القدرة النووية التي بلغتها بيونغ يونغ خلال الأعوام الثمانية الماضية تؤكد أن الأسلحة النووية لكوريا الشمالية بلغت في 2024 ما يصل إلى 90 رأساً نووياً. جاء ذلك ضمن مقالة بقلم كل من: هانز أم كريستنسن، ومات كوردا، وإليانا جونز، وماكنزي نايت-بويل، إذ أكد هؤلاء وهم يمثلون فريق مشروع المعلومات النووية التابع لاتحاد العلماء الأميركيين، أن كوريا الشمالية تواصل تحديث وتوسيع ترسانتها النووية.
ويرى الفريق أن كوريا الشمالية حققت منذ عام 2006 تقدماً ملحوظاً في تطوير ترسانتها من الأسلحة النووية إذ "فجرت" كوريا الشمالية خلال العقدين الماضيين ستة أجهزة نووية، وحدثت عقيدتها القتالية، "لتعكس الدور الحتمي للأسلحة النووية في أمنها القومي"، كذلك واصلت إدخال مجموعة متنوعة من الصواريخ الجديدة التي أطلقت تجريبياً من منصات إطلاق حديثة. ويكتنف الغموض إلى حد كبير أياً من صواريخ كوريا الشمالية قد نشر بقدرة نووية جاهزة للعمليات، ولكن "يبدو جلياً من تصريحات كوريا الشمالية العلنية واختبارات أنظمتها أن البلاد تعتزم نشر ترسانة نووية جاهزة للعمليات قادرة على تهديد أهداف في شرق آسيا والولايات المتحدة وأوروبا".
عام 2021
في 2021، ووفق وكالة الأنباء المركزية الكورية، أعلن كيم جونغ أون عن عدة أهداف استراتيجية رئيسة لبرنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية، مقترحاً إياها "كخطة خمسية"، وبحسب تصريح كيم، شملت هذه الأهداف ستة بنود وهي: إنتاج رؤوس حربية نووية فائقة الحجم، وإنتاج أسلحة نووية أصغر حجماً وأخف وزناً للاستخدامات التكتيكية، وتحسين دقة الضربات ومدى إطلاقها، وإدخال رؤوس حربية فرط صوتية انزلاقية، إلى جانب تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، وأخرى تحت الماء، وثالثة أرضية تعمل بمحركات وقود صلب. وأخيراً، إدخال غواصة تعمل بالطاقة النووية وسلاح استراتيجي نووي يطلق من تحت الماء.
عمليات إنتاج البلوتونيوم
يطلق على مركز "يونغبيون" للأبحاث العلمية النووية، الواقع في مقاطعة بيونغان الشمالية، لقب "القلب النابض" لبرنامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية. وفي يونغبيون، تنتج كوريا الشمالية البلوتونيوم في مفاعلها النووي المهدئ بالجرافيت، الذي تبلغ طاقته خمسة ميغاواط من الكهرباء، ويعمل بصورة متقطعة منذ عام 1986. ووفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنه في يوليو (تموز) 2021 وبعد أعوام من التوقف، رصدت الوكالة ومتخصصون مستقلون انبعاث مياه التبريد من المفاعل، وما تبع ذلك من أعمدة بخار من قاعة المفاعل، وهي مؤشرات تتوافق مع عودة المفاعل إلى العمل في 2021. وفي أبريل (نيسان) وسبتمبر (أيلول) 2023، ووفق بيانات للأمم المتحدة، فقد أشارت صور الأقمار الاصطناعية إلى توقف انبعاث مياه التبريد، مما يوحي بتوقف عمليات المفاعل خلال تلك الفترة 2023- 2024. وقد يعني هذا أن المفاعل كان يخضع للصيانة، أو أن الوقود المستهلك أزيل لإعادة معالجته، مما قد ينتج ما بين خمسة إلى ثمانية كيلوغرامات من البلوتونيوم النقي بعد فصله.
كذلك يمكن استخدام المفاعل، الذي تبلغ طاقته الكهربائية خمسة ميغاواط، لإنتاج التريتيوم، وهو عنصر يستخدم لزيادة قوة الرؤوس الحربية الانشطارية. ويقدر بعض المحللين أن كوريا الشمالية قادرة على إنتاج ما بين سبعة و12 غراماً من التريتيوم سنوياً، وهو ما يكفي لصنع قنبلة انشطارية واحدة إلى ثلاث قنابل كل عام. أما في مايو (أيار) 2022، فقد أشار محللون مستقلون من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي (CNS)، إلى إمكان استئناف أعمال البناء في مفاعل كوريا الشمالية ذي القدرة 50 ميغاواط، الذي توقف العمل فيه منذ عام 1994. وخلص المحللون إلى أنه عند اكتماله، يمكن للمفاعل نظرياً إنتاج نحو 55 كيلوغراماً من البلوتونيوم سنوياً، ما يكفي لإنتاج نحو 12 سلاحاً نووياً جديداً سنوياً.
صواريخ قصيرة المدى
لعقود طويلة، تكون الجزء الأكبر من ترسانة كوريا الشمالية الصاروخية من نسخ قديمة تعمل بالوقود السائل من صواريخ سكود R-17 الباليستية القصيرة المدى، التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، والتي حصلت عليها كوريا الشمالية في سبعينيات القرن الماضي، ثم قامت بهندسة عكسية لها. عرفت النسخ الكورية الشمالية الأولى من هذه الصواريخ باسم هواسونغ-5 (سكود-ب) وهواسونغ-6 (سكود-ج). ويشير المركز الوطني للاستخبارات الجوية والفضائية التابع للقوات الجوية الأميركية إلى أن مدى هذه الصواريخ يبلغ 300 و500 كيلومتر على التوالي، وقدر المركز عام 2021 أن كوريا الشمالية تمتلك أقل من 100 منصة إطلاق لترسانة هواسونغ-5 و-6 مجتمعة. وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عملت كوريا الشمالية على تطوير هذه التصاميم لزيادة مداها، حتى طورت في نهاية المطاف صاروخي هواسونغ-7 (نودونغ) وهواسونغ-9 (KN04) متوسطي المدى، وذلك وفق معلومات تقرير العلماء الأميركيين.
صواريخ متوسطة وبعيدة المدى
تطور كوريا الشمالية جيلاً جديداً من الصواريخ متوسطة المدى وبعيدة المدى، ويتميز هذا الجيل بدقة محسنة، وجاهزية عالية، وقدرة فائقة على المناورة. ولعقود طويلة، شغلت كوريا الشمالية صواريخها الباليستية متوسطة المدى التي تعمل بالوقود السائل، وهي صواريخ هواسونغ-7 (نودونغ) وهواسونغ-9 (KN04)، والتي كانت تفتقر إلى الدقة. ويؤكد المتخصصون في تقريرهم أن هذه الصواريخ، التي تحمل على منصات إطلاق متنقلة ذات عجلات بخمسة وأربعة محاور على التوالي، "مشتقة من الجيل الأول من صواريخ هواسونغ-5 و-6، وكانت تتميز بدقة منخفضة نسبياً".
الصواريخ الباليستية العابرة للقارات
يعد عرض كوريا الشمالية وإطلاقها التجريبي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الكبيرة، بما في ذلك أول صاروخ باليستي عابر للقارات يعمل بالوقود الصلب، أبرز التطورات الأخيرة في هذا المجال. وقد كشفت كوريا الشمالية على مر الأعوام عن أنواع عدة من الصواريخ في هذه الفئة، يرجح أن ثلاثة منها في الخدمة حالياً.
صواريخ بحرية برؤوس نووية
على مدى العقد الماضي، عملت كوريا الشمالية على تطوير رادع نووي بحري متطور بصورة متزايدة. ومنذ أول تجربة طيران لصاروخ باليستي يطلق من غواصة (SLBM) عام 2015، عرضت كوريا الشمالية علناً ما يقارب 10 أنظمة إطلاق بحرية مختلفة وصفتها بأنها قادرة على حمل رؤوس نووية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمركبات غير المأهولة تحت الماء.
صواريخ باليستية تطلق من غواصات
تعد غالبية صواريخ كوريا الشمالية الباليستية التي تطلق من غواصات جزءاً من عائلة صواريخ بوكغكسونغ (Pukkguksong)، أو "بولاريس". وبحلول منتصف عام 2024، جرى تطوير خمسة إصدارات في الأقل من صواريخ بوكغكسونغ، على رغم أن معظم هذه الإصدارات لم تستخدم على الأرجح. ونظراً إلى التصاميم المتكررة وقلة التجارب الحديثة وندرة منصات الإطلاق، فإن هؤلاء العلماء يرجحون أن "الإصدارات الأولى كانت تهدف على الأرجح إلى التحقق من صحة التقنيات الأساسية اللازمة لتطوير صواريخ أكثر تطوراً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مواكبة
من جهة ثانية، يؤكد متخصصون في النشرة الذرية أن التطور السريع لبرنامج الصواريخ البحرية لكوريا الشمالية لم يواكب تطور منصات الإطلاق. فحتى أواخر عام 2023، لم تكن كوريا الشمالية تمتلك سوى غواصة واحدة قادرة على إطلاق صواريخ باليستية، وهي الغواصة التجريبية من فئة "غوراي" (سينبو) ذات أنبوب الإطلاق الواحد، والمعروفة باسم "يونغونغ 8.24". وفي سبتمبر 2023، دشنت كوريا الشمالية نسخة معاد تصميمها من غواصتها القديمة من فئة روميو، التي أطلق عليها اسم "البطل كيم كون أوك" رقم 841، وهي قادرة على استيعاب ما يصل إلى 10 صواريخ باليستية تطلق عمودياً وبواقع أربعة صواريخ كبيرة القطر وستة صواريخ أصغر. وتصف وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية الغواصة بأنها "غواصة هجوم نووي تكتيكية" لا أكثر.
صواريخ "كروز"... من الغواصات
تطور كوريا الشمالية صاروخ "كروز" جديد يطلق من الغواصات، ويعرف باسم بولهواسال-3-31. وقد وصف هذا النظام بأنه "صاروخ كروز استراتيجي"، مما يعني ضمناً قدرته على حمل رؤوس نووية، ووصف بيان صحافي لصحيفة "رودونغ سينمون" صادر عن وسائل الإعلام الرسمية الكورية في 2024، إجراء الاختبار أنه جاء في سياق "تسليح قواتنا البحرية بالأسلحة النووية". وخلال اختبار أجري في يناير (كانون الاثني) 2024، أفادت التقارير بأن الصاروخين حلقا لمدة تزيد قليلاً على ساعتين. وعلى رغم أن تسمية "بولهواسال" توحي بأن الصاروخ ينتمي إلى نفس عائلة صواريخ "كروز" هوسال-1 وهوسال-2 الأرضية التابعة لكوريا الشمالية، فإن وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية لم تنشر صوراً عالية الدقة كافية لصاروخ بولهواسال-3-31.
أسلحة بحرية أخرى
يبدو أن كوريا الشمالية تعمل على تطوير نظام أسلحة تحت الماء، إذ وصفت وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية مهمة هذا النظام بأنها "التسلل خلسة إلى المياه العملياتية وإحداث تسونامي إشعاعي هائل من خلال انفجار تحت الماء لتدمير حاملات الطائرات الهجومية البحرية". وتزيد هذه الترسانة النووية المتطورة والمتنامية من المخاوف حول مبادرة ترمب مع كوريا الشمالية، كذلك تعزز الشكوك حول التزام أميركا الأمني في آسيا مستقبلاً.