ملخص
انتعشت كثير من المهن التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحملة الانتخابية في المغرب، على رأسها مهنة المطابع وشركات الإشهار التي تطبع المنشورات والبرامج الانتخابية للمرشحين، ويتم توزيعها من طرف شباب وأطفال ونساء أيضاً.
تنتفخ أوداج رشيد الشاب العشريني، وهو يوزع مطبوعات انتخابية في شوارع أحد الأحياء الشعبية بمدينة الرباط، ويرفع عقيرته بشعارات تدعو إلى التصويت على أحد الأحزاب المشكلة للحكومة في الانتخابات التشريعية التي ستجري في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري.
رشيد أحد آلاف الشباب والنساء الذين اختاروا "مهنة توزيع المنشورات الانتخابية" مقابل تعويض مادي متفق عليه، مثل كثير من المهن والحرف الأخرى التي تنتعش في موسم الانتخابات بالمغرب، من قبيل طباعة الملصقات واللافتات، وتصميم الغرافيك، وتأجير المحال للمنتخبين، وتأجير السيارات، وغيرها من "مهن الانتخابات".
اللافت أن كثيراً من الشباب الذين يزاولون هذه المهن الانتخابية الموسمية التي تخلق رواجاً اقتصادياً منتعشاً مرتبطاً بهذه الاستحقاقات، يندرجون ضمن فئة شبابية تجمع تقارير كثيرة على أنها تعزف عن المشاركة في السياسة والانتخابات.
مهن تنتعش
انتعشت كثير من المهن التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحملة الانتخابية في المغرب، على رأسها مهنة المطابع وشركات الإشهار التي تقوم بطباعة المنشورات والبرامج الانتخابية للمرشحين، ويتم توزيعها من طرف شباب وأطفال ونساء أيضاً.
ومن المهن التي تجد رواجاً لافتاً في "موسم الانتخابات" بالمغرب مهنة تصميم الغرافيك والإعلانات وطباعة الملصقات واللافتات والقمصان والقبعات، وأيضاً محال النسخ والتصوير، والمصورون الفوتوغرافيون، ومصورو الفيديو، وكذلك مصممو المحتوى الرقمي، ومسيرو صفحات "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك".
وتنعش الانتخابات أيضاً نشاط شركات كراء السيارات، وخدمات نقل المشاركين في التجمعات واللقاءات، وخدمات الحافلات والنقل الجماعي، وكراء الكراسي والطاولات والخيام، وكراء مكبرات الصوت والميكروفونات، كذلك يستفيد تقنيو الصوت والإضاءة، وعمال تركيب اللافتات وتجهيز المنصات الخطابية، فضلاً عن المقاهي والمطاعم التي تستقبل الاجتماعات واللقاءات الانتخابية.
يعلق محمد مجدولين وهو باحث في الاقتصاد الاجتماعي، على الموضوع بالقول إن هذه المهن الانتخابية الموسمية تخلق بالفعل رواجاً اقتصادياً في عدد من القطاعات، بخاصة عند المقاولات الصغرى ومقدمي الخدمات المحليين الذين يجدون في الانتخابات فرصة لرفع رقم معاملاتهم خلال فترة زمنية قصيرة.
ووفق مجدولين فإنه على رغم أن الإنفاق التقليدي على المطبوعات والمنشورات الورقية لا يزال سارياً وحاضراً، فإن تغيرات طرأت على طريقة تواصل المرشحين مع الناخبين من خلال اللجوء إلى الحملات الرقمية في مواقع التواصل، التي بدورها تشهد انتعاشاً متصاعداً خلال الموسم الانتخابي الراهن.
وسجل الباحث ملاحظة تتمثل في وجود تباين في حجم هذا الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي الموقت بين المدن والقرى، إذ إنه في الحواضر يوجد ميل إلى الاعتماد على الأدوات الرقمية والإنتاج السمعي البصري، لكن في البوادي لا يزال الاعتماد طاغياً على التواصل المباشر وطرق الأبواب من طرف مناصري المرشح، الذين بدورهم يحصلون على مبالغ مالية عن كل يوم خلال الحملة الانتخابية.
مهن وسيطة
يعلق في هذا الصدد فوزي بوخريص وهو المتخصص في علم الاجتماع بجامعة القنيطرة، على الموضوع بقوله إن الانتخابات، ولا سيما خلال فترة الحملة الانتخابية، تتحول من مجرد آلية مؤسسية للديمقراطية التمثيلية، وآلية اختيار الممثلين السياسيين، إلى سوق اجتماعية واقتصادية موسمية، تنشط فيها شبكة واسعة من الفاعلين والحرف والمهارات والخدمات.
ولاحظ بوخريص أن التحولات التكنولوجية أفضت إلى توسيع "الاقتصاد الانتخابي"، فلم تعد الحملة تعتمد فقط على الاجتماع المباشر والخطاب والمنشور الورقي، بل أصبح هناك طلب على إنتاج الصورة الرقمية، والتصوير، والمونتاج، وإدارة صفحات التواصل الاجتماعي، وكذلك تصميم المحتوى، وصياغة الرسائل، والإعلانات الرقمية.
واستطرد المتحدث بأن المرشح لا يحتاج فقط إلى أن يكون حاضراً في المجال السياسي، بل يحتاج إلى أن يكون مرئياً، وبذلك تنشأ قيمة اقتصادية جديدة حول إنتاج المرئية السياسية، فالسياسي يقدم نفسه، لكن مهنيين آخرين ينتجون الصورة التي ستصل إلى الناخب، وهذا يعني أن العلاقة الانتخابية أصبحت تمر بصورة متزايدة عبر سلسلة من المهن الوسيطة.
ومن منظور سوسيولوجيا المهن، يتابع بوخريص، لا ينبغي النظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها مجرد خدمات هامشية مرافقة للسياسة، فهي تكشف عن تشكل تقسيم عمل انتخابي، تتوزع فيه المهام بين فاعلين متخصصين بدرجات مختلفة، ويصبح الانتخاب بذلك لحظة لإعادة تنشيط سوق العمل المحلية واستدعاء كفاءات مهنية، ليس لها بالضرورة، ودائماً علاقة بالسياسة.
وأكمل الأستاذ الجامعي ذاته بأنه "خلال الحملات الانتخابية، يتزايد الطلب على مجموعة من الخدمات التي تتولد من حاجات المرشحين إلى الحضور والتواصل والتنظيم والإقناع، وكذلك إنتاج الصورة وإدارة الحشود".
واعتبر بوخريص أن "الانتخابات لا تعمل فقط على توزيع السلطة السياسية، وإنما تخلق موقتاً فرصاً لإعادة توزيع بعض الموارد الاقتصادية والمهنية"، مضيفاً أن هذا الاقتصاد الانتخابي الناشئ والموقت لا يعمل وفق منطق السوق فحسب، ذلك أن الحصول على خدمة أو عقد أو مهمة انتخابية قد يعتمد على شبكات حزبية نضالية أو شبكات القرابة والصداقة والجوار والزمالة والانتماء المحلي والمعرفة الشخصية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسجل المتحدث في هذا الصدد أهمية مفهوم رأس المال الاجتماعي في تدبير الفعل الانتخابي، فالفاعل السياسي الذي يمتلك شبكة علاقات واسعة يتوفر على مورد قابل للتعبئة الانتخابية، وقدرة على توظيف شبكات اجتماعية، ومنحها وظيفة جديدة خلال فترة محددة.
وذهب بوخريص إلى أن ظهور مهن وخدمات موسمية خلال الحملات الانتخابية يكشف عن انتقال الانتخابات من كونها ممارسة سياسية مؤسسية محصورة في لحظة التصويت إلى كونها حدثاً اجتماعياً واقتصادياً موسعاً يعيد تنشيط شبكات العلاقات، ويعيد توزيع الموارد، ويستدعي كفاءات مهنية، ويخلق أشكالاً موقتة من العمل والوساطة والخدمات.
خارج الصناديق
من "المهن الهامشية" التي تظهر مرة واحدة كل خمسة أعوام في المغرب، لارتباطها بموسم الانتخابات، توزيع الشباب والنساء والأطفال للمنشورات الانتخابية التي تتضمن سيرة وصور ومسار المرشح لمنصب النائب البرلماني.
في هذا السياق يقول رشيد الذي يوزع المنشورات الحزبية لفائدة أحد أحزاب الائتلاف الحكومي، إنه ينال مبلغ 200 درهم (20 دولاراً) على كل يوم يجوب فيه الأزقة ويطرق أبواب المواطنين، مردفاً بأن الحملة تدوم 13 يوماً، مما يعني حصوله على إجمال 2600 درهم (260 دولاراً).
وتابع الشاب العشريني بأن هذا المال سيخصصه لشراء ما يلزمه من ملابس وحاجات استعداداً للموسم الجامعي الجديد، ما دامت أسرته الفقيرة تعجز جزئياً عن توفير هذه المستلزمات الباهظة في كل دخول مدرسي.
وتبعاً لرشيد، فإنه على رغم توزيعه منشورات أحد الأحزاب الكبرى، فإنه قرر عدم الذهاب إلى التصويت يوم الانتخابات التشريعية، لعدم اقتناعه بأي مرشح ولا بأي حزب سياسي، معتبراً أنه موقف شخصي لا يلزم به أحداً، على حد قوله.
من جهتها، تشتغل سلمى مسيرة لصفحة مرشح ينتمي إلى المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال نشر شعارات هذا الحزب وتصريحات المرشح المعني وتغطية خرجاته التواصلية مع الناس، مبرزة أنها تدرك أنها "مجرد شعارات للاستهلاك الانتخابي".
في المقابل، يعتزم كثير من الشباب والنساء الذين يشتغلون في هذه المهن الانتخابية أن يدلوا بأصواتهم لفائدة المرشحين الذين يرون أنه بإمكانهم إحداث تغييرات إيجابية تمس الحياة اليومية للمواطنين المغاربة.