ملخص
كلما صدر عمل فني عربي يُجسد إحدى الجرائم الحقيقية التي سمعنا عنها في وسائل الإعلام، يُطرح السؤال من جديد: هل يمكن العالم العربي أن يُقدم مسلسلاً أو فيلماً يُقارب، في تأثيره، مستوى الأعمال التي شاهدناها خلال السنوات الأخيرة على المنصات العالمية، لا سيما سلسلة Netflix الأشهر «Monsters» أو «وحوش»؟ ينطبق هذا السؤال على مسلسل «لعبة جهنم»، الذي يعرض على منصة «شاهد»، سيناريو ومعالجة درامية لنجلاء الحديني، ومن إخراج إسلام خيري.
من المشروع أن يطمح صُناع الترفيه العرب إلى ترك بصمتهم الخاصة في هذا النوع، الذي يُحقق نجاحات هائلة حول العالم. فعلى الرغم من خصوصية المجتمع الأميركي، مثلاً، تشغلنا، كمشاهدين، المسلسلات والأفلام التي تحكي عن السفاحين والقتلة المتسلسلين هناك. إنها تُحرك مخيلتنا وتحفز ملكات التحليل لدينا في محاولة للفهم، وهذا ما يلفت إليه أطباء نفسيون. وإلى جانب ذلك، يمكن أن تصبح هذه الأعمال وسيلة لتمضية الوقت أو الهروب الموقت من مشكلات الحياة، وهو التأثير نفسه الذي تُحدثه سينما الرعب. وعلى تفاوت مستويات الأعمال الفنية العالمية من هذا النوع، سعت جميعها إلى تقديم تفسيرها الخاص للجريمة ودوافع مرتكبيها. ومن هذا المنطلق تحديداً، تجذب هذه الأعمال اهتمام المتفرجين وتجعلهم أكثر تورطاً في المشاهدة.
في المقابل، لا يفتقر العالم العربي إلى السفاحين أو مرتكبي الجرائم الغريبة، ولا تُقصر وسائل الإعلام في تسليط الضوء على هذه الجرائم وتتبع آثار مرتكبيها. ففي مصر، مثلاً، أحدثت جرائم «التوربيني» صدمة في الوعي الجمعي العام حين أُلقي القبض على مرتكبها عام 2006، وصُنفت ضمن أبشع الجرائم على مستوى العالم. غير أن الدراما المصرية لم تستطع تقديم ما حدث، لبشاعته الشديدة من جهة، وخشية من الرقابة، الاجتماعية منها قبل الرسمية، من جهة أخرى. فقد تضمنت قضية «التوربيني» وقائع اغتصاب وقتل وتعذيب وتنكيل بجثث قُصر. واتضح لاحقاً، خلال التحقيقات، أن المجرم كان أحد أطفال الشوارع، وأنه تعرض للإيذاء نفسه الذي احترف ممارسته لاحقاً، حين كان لا يزال طفلاً صغيراً.
وفي مقابل هذا التردد الفني، برزت قنوات على "يوتيوب" يعيد أصحابها رواية الجرائم شفوياً، مقدمين تحليلاتهم الخاصة لدوافعها. ولا تستند هذه التحليلات دائماً إلى آراء المتخصصين، بل قد تعبر عن الاتجاهات الفكرية والقناعات المحدودة لمقدميها. ومن أشهر هذه القنوات قناة "سامح سند"، التي حصدت تفاعلاً وأعداد مشاهدات مرتفعة، جعلت من صاحبها نجماً بكل معنى الكلمة. حتى إن صُناع الترفيه، أو مَن يرغب منهم في استكشاف هذا النوع، صاروا يلجأون إليه طلباً للنصيحة والتوجيه. وهذه هي حال مسلسل «لعبة جهنم»، الذي صدر أخيراً على منصة «شاهد»، وكتبت نجلاء الحديني السيناريو والمعالجة الدرامية له، وأخرجه إسلام خيري.
ثقافة نفسية متواضعة
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن التقديم الفني للجرائم يحتاج إلى أجواء تتحمل الحد الأدنى من الجرأة والقدرة على توجيه النقد إلى النظام الاجتماعي القائم، بدلاً من الاطمئنان إلى شيطنة فرد واحد، هو مرتكب الجريمة. ويحتاج أيضاً إلى امتلاك كتاب هذه الأعمال ومخرجيها ثقافة في علم النفس، واطلاعهم على أحدث ما توصلت إليه نظريات علم الجريمة في العالم. ومن المستحسن أن يمتلك المتفرجون، بدورهم، قدراً من المعرفة العامة بعلم النفس، يمكنهم من تلقي وجهة نظر الصانع والتوصل إلى خلاصاتهم الشخصية. وعلى منصة "يوتيوب"، نجد أطباء أميركيين متخصصين في تحليل لغة جسد المجرمين وشرح بعض دوافعهم، استناداً إلى ما أدلوا به أمام الكاميرات، فيما لا نكاد نجد هذا النوع من المحتوى باللغة العربية.
لذلك، يمكن القول إن صناعة أعمال الجريمة تمثل تحدياً في ذاتها للعالم العربي، سواء بالنسبة إلى الفنانين أو المشاهدين. يبدأ «لعبة جهنم» بقوة، ولا يتنازل صناعه عن تقديم شخصية «علاء»، مرتكب الجريمة الذي يؤدي دوره محمد فراج، بوصفه شيخ جامع يقدم النصائح الدينية في حلقات خاصة. وتتطابق هذه التفصيلة مع الجريمة الحقيقية، كما تتشابه مع جرائم أخرى كشفت عنها حوادث عديدة أخيراً. إذ يميل المنحرفون إلى التحصن خلف قناع الورع، الذي يمنحهم قدراً من القبول في المجتمع المحيط بهم ويُبعد الشبهات عنهم.
وفي الحلقات الثلاث التي تتشكل منها الحكاية، وهي جزء من سلسلة تصدر تباعاً بعنوان «القصة الكاملة»، لا يتوقف الأمر عند عمل «علاء» شيخاً للجامع، احتيالاً ومن دون امتلاك مؤهل رسمي. فهو، كشخصية، أشبه بحرباء تتنقل بين عوالم عديدة ومتباينة. يدعي إصابته بالسرطان كي يحظى بتعاطف الناس، ويعمل نادلاً في مقهى، فيُعامَل بوصفه شخصاً مسكيناً، من دون أن يسأل أحد عن أصوله أو ماضيه. وفي المسلسل، يحاول «علاء» باستمرار مواراة ضعف ما في شخصيته، لكن العمل لم يفلح في سبر أغواره تماماً.
أجواء العمل
على الجانب الآخر، تبرز شخصية «سليم»، التي يؤديها عمر زريق. وهو مراهق منعزل يعيش مع أسرته في إحدى الدول العربية، وعبقري في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، ويوظف مهاراته لتجسيد متعه السيكوباتية على «الويب المظلم». تركز الكاميرا على الإثارة الجسدية التي يشعر بها «سليم» عند مشاهدة التعذيب والدماء، اللذين يطمح إلى تجسيدهما في الواقع. وهو، ظاهرياً، ابن مطيع لأسرة مغتربة لا تكف عن فعل الخير والتبرع للمحتاجين، كما أن ذكاءه وتفوقه الدراسي يؤهلانه لتحقيق نجاح اجتماعي وتعليمي مضمون. غير أن ما يُطلق عليه «بيولوجيا الشر»، أو مشاهدته وفاة أخيه أمامه، أو حتى رفض الفتاة التي أُعجب بها التقرب منه؛ كل ذلك وجهه نحو ارتكاب الجرائم عبر العالم الافتراضي.
لا نرى أسرة «سليم» إلا بضع مرات، فيما تركز الإضاءة المصاحبة لعمر زريق على عزلته، مستخدمة لوناً أزرق يجعلنا نشعر بأننا أمام جثة أو كائن من «الزومبي» يعيش ويتحرك بلا روح. وفي المقابل، هناك الطفل «حسن»، الذي يؤدي دوره منذر مهران، وهو الضحية المتوقعة للفعل الذي سيطلب «سليم» من «علاء» تنفيذه، عبر تواصلهما الافتراضي. يؤدي الطفل دوره بعفوية وطلاقة أمام الممثل البارع محمد فراج، معبراً عن ثقته بالغريب الذي لا يُظهر له سوى اللطف. لكن المشكلة تكمن في طبيعة الحوار الذي ينطق به الصبي، إذ يتجاوز عمره بسنوات كثيرة، وهي ثغرة تتكرر في أعمال المؤلفين حين يكتبون حوارات شخصيات الأطفال.
بين الشخصيات الأساسية الثلاث، علاء وسليم وحسن، يؤسس المخرج إسلام خيري عوالم بصرية متناقضة وقابلة للتصديق. ففي الحارة، يسود عنف الآباء تجاه الأطفال، إلى جانب الإساءة الجسدية واللفظية. وينزلق الكبار أيضاً إلى العنف بسهولة، فضلاً عن الاتجار بالأعضاء بين أفراد العصابة التي كان «علاء» ينتمي إليها، على ما يبدو، قبل أن تنقلب عليه. ومع بقاء التفاصيل غير واضحة، وباستثناء مشهد واحد يظهر فيه «علاء» طفلاً، لم نطلع قط على خلفية الشخصية. وفي هذه البيئة، يسيطر العوز، حتى يصبح تحقيق أبسط الأمنيات، مثل شراء حذاء رياضي للصبي حسن، أملاً مستعصياً. يتناقض كل ذلك مع الثراء والهدوء اللذين يبلغان حد الموات في بيت «سليم» ومدرسته، حيث يسود البرود والتنمر.
في تفسير ما لا يفسر
في كتابها «لقطات وطلقات في المرآة... أفلام الجريمة والمجتمع»، الذي ترجمه أحمد يوسف، تقول أستاذة القانون الجنائي الأميركية نيكول رافتر إن أفلام الجريمة تعمد عادة إلى تفسير ما لا تفسير له. بمعنى أن تعليل الجرائم المروعة لا ينحصر في عامل واحد، ولا حتى في مجموعة من العلل المباشرة التي يمكن أن يستخلصها المحققون ويعلنوها. ومع ذلك، يصعب تخيل عمل فني يقدم جريمة مقتبسة من الواقع من دون أن يطرح تفسيره الخاص لها، ولو كان مختلقاً.
في سلسلة «وحوش» التي تنتجها «نتفليكس»، شاهدنا في عام 2024 جريمة الأخوين مينينديز، ضمن تسع حلقات منفصلة ومتصلة في آنٍ واحد، تبنت كل واحدة منها تفسيراً مختلفاً للجريمة. وانتهى المسلسل إلى عدم وجود تفسير واحد أو مطلق للمذبحة التي ارتكبها الأخوان في حق والديهما. كانت تلك مجازفة فنية، وإن بدا هذا المنطلق في النهاية أقرب إلى الأعمال الوثائقية منه إلى أعمال الخيال المقتبسة من الواقع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في «لعبة جهنم»، ينحاز المسلسل، في تفسير سلوك «علاء» الإجرامي، إلى الدافع الاقتصادي أساساً، ثم إلى وحدته وانقطاعه عن أسرته، من دون أن نعرف، مجدداً، خلفيات هذه القطيعة. وقد دفع التركيز على العامل الاقتصادي المسلسل، منذ منتصف حلقته الثانية وحتى الحلقة الثالثة، إلى حافة الميلودراما، أو «الصعبانيات» بلغة المشاهد المصري الساخرة، مما أضعف التأثير الفكري لعمل يُفترض أن يحرك الفكر في المقام الأول.
وبينما بدا «لعبة جهنم» جريئاً في افتتاحيته، حين ظهر «علاء» مؤدياً دور الشيخ، حرصت الحلقات لاحقاً على عدم إظهاره بزي الشيخ في حياته اليومية أو ساعة ارتكابه الجرائم، ربما تجنباً لاستفزاز المشاهدين. كما بدا العمل أكثر تحفظاً في تناول تأثير المحيط الاجتماعي المباشر في الجريمة المرتكبة، وفي رصد غياب الضمير العام لدى سكان الحارة، الذين لم يكن «علاء» استثناء بينهم.
على سبيل المثال، لجأ «علاء» إلى صاحب المقهى طلباً للرأي، حين عرض عليه «سليم»، للمرة الأولى، تنفيذ عمل غريب عبر «الويب المظلم» في مقابل مبلغ مالي كبير. ولم يكتفِ صاحب المقهى بالحماس للفكرة، بل زينها له أيضاً، وذهب إلى حد القول إن مَن يعثر عليه شخص من هذا النوع ويعرض عليه المال يُعد محظوظاً، متمنياً لو أُتيحت له فرصة مماثلة. لكن صاحب المقهى، بعد اكتشاف الجريمة، أخبر رجل الشرطة بالعرض الذي تلقاه «علاء»، وكأن الشخصية نفسها نسيت دورها التشجيعي السابق.
والحال أن الرجل كان ينطق بلسان أفراد عديدين تشوهت لديهم القيم والأخلاق تحت وطأة ظروف اقتصادية تزداد قسوة. غير أن العمل لم يستكشف هذه المساحة، واكتفى في النهاية بشيطنة «علاء» وحده، وكذلك «سليم»، محاولاً تفسير سلوك الأخير بالميول السيكوباتية لمراهق تعرض لصدمة وافتقد شعوره بحب والديه.
ثم جاءت مطاردة الشرطة لـ«علاء» في الحلقة الأخيرة، وتعقبه بطريقة تكنولوجية مشكوك في صحتها تكاد تبلغ حد السذاجة، لتُفقِد العمل تميزه الأول، وتذكرنا بأننا أمام عمل «مصري» عادي جداً، يُضحكنا حين يُراد له أن يُبهرنا!
يبقى «لعبة جهنم» قوياً من الناحية البصرية، سواء في المكياج أو الإضاءة أو تأسيس عوالم الصورة، وربما يكون متقدماً في هذا الجانب على أعمال جريمة سابقة. ويُضاف إلى ذلك الجهد الواضح الذي بذله الممثلون في تقمص الشخصيات، وإن ظلت هذه الشخصيات غير واضحة المعالم على مستوى الكتابة، أو على الأقل في صورتها النهائية. إنها خطوة يمكن البناء عليها ونقدها والتوسع انطلاقاً منها، أو هذا ما يُرجى ويُنتظر من بقية أجزاء السلسلة.