Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خفايا الإجرام في رواية "مبنى ساو باولو الملعون"

البرازيلية باولا فيبي تدخل الأماكن المهجورة بعين تسجيلية

مبنى روليم في ساو باولو الذي تقع فيه جرائم الرواية (ويكبيديا)

ملخص

في روايتها "مبنى ساو باولو الملعون" تحول الكاتبة البرازيلية باولا فيبي مبنى تاريخياً إلى مسرح للجريمة والرعب، وتكشف عبر المزج بين الحقيقة والتخييل عن مشاعر نفسية معقدة من الخوف، والقهر، والقسوة، وترصد صوراً من التشوهات النفسية.  

تجارب الرعب التفاعلي انتشرت في السنوات الأخيرة في أنحاء مختلفة من العالم، ولا سيما في أميركا، واليابان، والصين، وكوريا الجنوبية، وفيها يتخلى الجمهور عن دور المشاهد المحايد ويصبح جزءاً من حكاية تدور أحداثها في الأماكن المهجورة والمتاهات والمباني التاريخية. وفي مدينة ساو باولو البرازيلية انطلقت إحدى هذه التجارب، بمعاونة باولا فيبي. وكان مبنى "روليم" الكائن في قلب المركز التاريخي للمدينة، الفضاء المكاني الذي وقع عليه الاختيار، وشكل العامل الرئيس لنجاح التجربة التي ما لبثت أن حفزت الكاتبة البرازيلية على استدعاء المبنى ذاته، ليكون بطلاً رئيساً في روايتها "مبنى ساو باولو الملعون" (دار العربي – بترجمة عن البرتغالية أنجزتها سارة ساطور). ويشار هنا إلى العنوان الأصلي للرواية في نسختها البرتغالية هو "مبنى روليم".

توريط القارئ

تتشكل الرواية من 15 حكاية، تمزج الكاتبة فيها بين الحقيقة والتخييل، مستفيدة من تاريخ المبنى، وهالة الغموض التي لطالما أحاطت به منذ إنشائه قبل قرن من الزمان، لتجعل منه بؤرة درامية ومصيدة نفسية تبتلع الشخوص. وتوظفه كمشرط نقدي، تشرِّح به امراض النفس الإنسانية، وتجسد عبره هشاشتها، ومخاوفها، وطبقاتها المظلمة.

تمنح فيبي سلطة السرد لراوٍ عليم. وتعمد منذ اللحظة الأولى إلى توريط القارئ عبر سوال تطرحه حول هوية بطل حكايتها الأولى "إدجارد ألفيش أولفيرا"، المهندس الذي أوكلت له مهمة تشييد المبنى إلى جانب مؤسسه الحقيقي "هيبوليتو بوجول"، لتكون شخصية "إدجارد" المتخيلة نقطة انطلاق في تأسيس الأسطورة، وتثبيت لعنة المكان الذي يشهد مصائر مأساوية، وتلتصق بجدرانه وأروقته صرخات الضحايا.

تعتمد الكاتبة أنماطاً متباينة من الرعب. فتنطلق في حكاية "إدغارد الابن" من رعب فاوستي، يتجلى عبر عقد يبرمه المهندس الشاب مع الشيطان لتحقيق مجده المهني، أسوة بـ"روبرت جونسون" الموسيقي الذي تحول بعد صفقة مماثلة، إلى عازف لا يشبهه أحد. وهناك الرعب النفسي والوجودي في حكاية أوديب، فالبطل الذي يحاول التخلص من مخاوفه، يجد أن المصير الذي سعى للفرار منه ينتظره في النهاية! وكذلك في حكاية "فوبيا"، إذ يتوحش خوف الشخصية ويتحول إلى قوة تسحقها. أما في حكاية الصحافي، فيتجلى الرعب التراجيدي مع موت الطفل عند عتبة مدخل كان يرجو أن يعبره إلى أحلامه، على نحو يكرس ثيمة المصيدة، فالمبنى لا يستقطب النخب أو المعطوبين وحدهم، بل يزهق البراءة، ويمتص الأحلام الغضة للفقراء، ويضيف الطفل اليتيم إلى تاريخه المظلم وقائمة ضحاياه.

أبعاد نفسية

كذلك يتجلى الرعب الميتافيزيقي في حكايتي الأشباح، والوقت، حيث تنكسر قوانين الفيزياء، ويتحول الواقع، وسط سيولة الزمان والمكان، إلى منطقة ضبابية تتعرض فيها الشخصيات لمطاردة قوى لا تفهمها؛ "بدأت هذه القصة عندما أقسمت فتاة، ابنة امرأة استأجرت غرفة في الطابق الثالث. أنها رأت نفسها تمشي في ممرات المبنى مرات عدة، في إحدى تلك المرات، فتحت الباب ورأت نفسها ترتدي فستاناً أبيض، جالسة على الدرج، وتلعب بدمية لم تلمسها من قبل. عندما نادتها لم يحدث سوى أن الفتاة على الدرج غنت الأغنية بصوت أعلى للدمية، خافت بشدة لدرجة أن ركضت عائدة" (ص 98).

يشي بناء الشخصيات باستثمار باولا فيبي خلفيتها الأكاديمية والمهنية في مجال التحليل النفسي، إذ تعمد إلى إضاءة الأبعاد النفسية لأبطالها، وما يَسِمُ دواخلهم من تشوهات وعطب، يقودهم في النهاية إلى مصيرهم المأساوي المحتوم. فترصد الاضطراب الذهاني لدى "فبرونيو" قاتل الأطفال الذي اخترع ديانة من جنونه الخاص، ظاناً أنه ابن النور، وأن صوتاً خفياً يأمره بالقتل. وتضيء ما يعيشه "إدغارد" من هوس بالاعتراف، يدفعه لأن يبيع روحه للشيطان، وما تعانيه "بياتريس" من قلق مرضي، مبعثه الصراخ المتواصل لمديرها، مما يدفعها للطرق العنيف على الآلة الكاتبة وإصابة أناملها؛ سعياً إلى جلب الهدوء عبر مشاهدة الدماء.

كذلك ترصد الوسواس القهري لدى "أوغستو"، الذي يتجلى في خوفه الشديد والمزمن من ترك أمه، ومن السقوط من النافذة. وتتجلى أنواع أخرى من العطب النفسي، مثل اضطراب الشخصية الانعزالية لدى المحاسب في الطابق الثامن، الذي يموت وحيداً وتلتهم جثمانه النسور. وكذا عقدة الناجي لدى الطبيب المعالج بالتنويم المغناطيسي "مارتن شفارتز"، وشعوره المفرط بالذنب الذي يدفعه للانتحار، إضافة إلى اضطراب الرهاب النوعي الذي يودي بـ"غوستينا" مأزومة القلب، فضلاً عن الاضطراب السيكوباتي وسادية "إدسون كازاريني" التي تتجلى عبر تلذذه بآلام الآخرين؛ "مع كل غرزة في الجلد البنفسجي، تنتابه اللذة الوحيدة التي عرفها. ضحاياه في الغالب من النساء والأطفال الباحثين عن عمل. اقتادهم إلى مكان مجهول وقتلهم ضرباً بالعصي" (ص 21).

ثنائيات وقضايا

وعبر مظاهر الاعتلال النفسي تنفذ فيبي إلى الطبقات الأعمق من النفس الإنسانية. وتبلغ المشاعر التي تتخلق داخل عوالمها المعطوبة، فتجسد القهر، الغضب، الدونية، الذنب، الخيبة والانكسار. وتكشف أثر تلك المشاعر في إعادة تشكيل سلوك الشخصيات ومصائرها.

تشكل الثنائيات الضدية محركاً فلسفياً ودرامياً للسرد، وبؤرة لتفجير الصراع بين أقطاب متباينة، تعبر في تباينها عن الطهر والدنس، القسوة والهشاشة، العقل والجنون، الإنسان والوحش، السلطة والخضوع. وفي المساحة الممتدة بين قطبي كل ثنائية، يتجلى حجم التشوه النفسي لدى كل من الجاني والضحية معاً، وتبرزه الكاتبة عبر تقنيات التقابل. فبينما تبدو "ماريا" مثل قديسة، يغوص زوجها في قاع الخطيئة، تارة بالخيانة، وتارة بوصمها بالجنون. وبينما تتمسك هي بقداستها، ينحرف طبيبها النفسي "روجيريو"، ويستبيح جسدها مغتصباً وقاتلاً.

أما الأحلام التي تنمو بين الفقر واليتم، فيأبى المجتمع إلا أن يجهضها. وفي حين يطلق"غاودينيو" لصراخه العنان، تكبت بياترس غضبها حتى تنفجر. وبينما لا تبرح النساء منطقة الخضوع والعجز، تتوحش سطوة الرجال حدَّ سلب الحياة وسكب الموت؛ "أمرها بأن تعده أنها لن تصرخ، ثم أزال المنديل من فمها واستمع إليها. -أنا حامل بابنك. فتحت قميصها وأشارت إلى تورم صغير في بطنها حدث نتيجة اعتداء جنسي عليها سابقاً. مع سيطرة اليأس عليه لم يفكر مرتين وقطع رأس المرأة أمام الجميع. لم تحظَ النساء بأي دفن لائق، لكن يقال إنه ما يزال يتردد بكاؤهن وصرخاتهن في المكان، إضافة إلى بكاء خافت لطفل رضيع" (ص55).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعبر هذه التقابلات، وفي ثنايا ما يحاك من الرعب والجريمة، تفجر باولا فيبي قضايا شائكة تتجاوز الحقبة التاريخية التي تدور خلالها الأحداث، فتطرح قضية الذكورية الضاربة في المجتمع البرازيلي وامتهان وتسليع النساء، والوجه القبيح للحداثة، واستشراء القيم الاستهلاكية، والفقر والقهر، وفساد السلطة، وسوء استغلال النفوذ.

تمدن زائف

تحظى تقنيات الوصف بحضور كثيف داخل النص، ولا سيما في بناء الشخصيات، التي يتيح رصد سماتها الجسدية والنفسية، تجسيدها حية في خيال القارئ. ويسهم وصف المكان والأبطال في تحويل الرعب إلى حالة محسوسة ومرئية. كذلك يسمح وصف البنية الجسدية لكل شخصية بفهم تكوينها النفسي، وتوقع سلوكها الاجتماعي. فوصف قصر قامة "إدسون كازاريني" وهيئته الرثة، يكشف علاقته بالمجتمع وتعرضه للنبذ والسخرية، على نحو يتيح بناء خلفية نفسية للعنف. كذلك يتيح وصف جمال "ماريا" إبراز المفارقة بين هيئتها الفاتنة، وما تتعرض له من خيانة وقسوة وعنف وانتهاك، إضافة إلى أن تثبيت صورتها الجميلة من البداية، يبرز التحول الذي يطرأ عليها بعد جلسات الصعق الكهربائي، بما يجعل الجسد أرشيفاً للعنف؛ "كانت ماريا جميلة لدرجة أن الناس قالوا إنها تشبه قديسة. بعد جلسة من الصعق الكهربائي، بقيت أياماً عدة عاجزة عن الحركة، لا يخرج من فمها إلا سوائل صفراء وزبَد، ومن عينيها دموع لا إرادية" (ص28).

وفي وصفها لحقيبة "إدسون" تخلق الكاتبة مفارقة بين مظهر الحقيبة الناعم والمصقول وباطنها الذي يخفي الشر والجريمة. وتحولها إلى حامل مادي لطبقات متراكمة من العنف؛ "الحقيبة التي أصبحت بنفسجية بسبب امتزاج دماء الضحايا الجدد بالزرقة القاتمة للضحايا الأقدم" (ص21). أما وصف المبنى بما له من أبواب ثقيلة وثريات داكنة، فيعزز الجو النفسي القاتم، ومناخ الرعب، الذي تدور خلاله الأحداث. وبينما تعتمد الكاتبة الوصف لتجسيد ملامح الشخوص، تسعى لتجسيد مشاعرها غير المرئية وأفكارها المجردة عبر المعادلات الموضوعية، فتحيل قراءة الطفل "ملمع الأحذية" كل ما تقع عليه يده، حتى الصحف في القمامة، إلى ذكائه وحلمه الكبير، بما يعزز من فجيعة موته، ويكشف قسوة مجتمع اغتاله بالإهمال والفقر.

في حين يحيل صراخ المحامي ساعات طويلة كل يوم باسم "بياترس"، إلى وطأة الضغط النفسي الذي تتعرض له سكرتيرته. ويحيل التهام النسور جثة المحاسب، إلى وحدته القاتلة، وغياب الروابط الحميمية والعلاقات الاجتماعية الفاترة. أما إدمان الموظفين للكحول وانصرافهم عن العمل الذي أرادوا التركيز عليه، فيكشف الوجه القبيح للحداثة، وخطورة الانسياق خلف مظاهر التمدن الزائفة.  

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة