ملخص
"نرى إصابات في أطراف الجرحى قابلة للإصلاح الطبي، لكن انعدام وجود الكادر المتخصص يجبرنا فوراً على اتخاذ قرارات بتر حتمية لإنقاذ حياة المريض من التسمم والموت المحدق".
داخل غرفة عمليات شبه مظلمة في مستشفى الشفاء، يسقط الضوء من وميض هاتف محمول معلق بخيط داخل إلى المكان، يقف الطبيب العام محمد عبيد، الذي وجد نفسه وحيداً أمام أجساد مثخنة بالبتر والشظايا.
تتماوج ملامح الطبيب تحت وطأة إجهاد متراكم، ممسكاً بمشرط جراحي، يرتجف أمام مريض ينزف من شريان رئيس، في تلك اللحظة الحرجة، يتكثف الصمت الثقيل فمحمد يدرك تماماً أنه لا يوجد استشاري أوعية دموية واحد في هذا المربع الجغرافي بأكمله ليتسلم منه المشرط أو ليقود الطعنة الجراحية المنقذة.
وفي جيب معطفه الأبيض المعلق على الحائط، تقبع تذكرة خروج مشتراة بآلاف الدولارات عبر سماسرة الإخلاء لتأمين أطفاله، بينما تربطه يده الممسكة بالمشرط بدم المريض فوق السرير.
الأزمة هنا لم تعد تكمن في شح الشاش أو انعدام المستلزمات الطبية والأدوية، بل في "غياب العقل الذي يحرك المشرط"، وهجرة صامتة لكفاءات أمضت عقوداً في الخدمة.
هجرة الأطباء تضع العاملين الصحيين يومياً أمام "أخلاقيات المستحيل" والمفاضلة القسرية بين الحالات لعدم توفر التخصص الدقيق، حيث يتحول قرار الرحيل إلى نزوح اضطراري لحماية العائلة، لا تخلياً اختيارياً عن المهنة.
يستذكر أخصائي الجراحة العامة عصام أبو عجوة، تلك اللحظات الفاصلة "كنا نعمل لأيام متواصلة بلا نوم داخل غرف العمليات تحت الحصار الكثيف، تضعك الظروف في خيار أخلاقي مرعب عندما تضطر لترك حالات حرجة تنزف لعدم وجود تخصص دقيق يسعفها، أو حين تجبر على الاختيار بين نداء الواجب الإنساني وسط ساحة حرب معدومة الأدوات، وتأمين عائلتك وأطفالك من موت محقق، إنه عجز ينهش روح الطبيب قبل جسده".
وفي نقص الدواء وهجرة الأطباء، تشير بيانات وزارة الصحة إلى وجود أكثر من 21 ألف جريح ومريض على قوائم انتظار السفر يتجرعون خطر الموت اليومي، في ظل انسداد كامل لقنوات الإخلاء الطبي الآمنة والمستدامة.
طب إدارة الأزمات
لا تفقد غزة أسماء وأعداد في سجلات الأطباء، بل تفقد خبرة متراكمة وتاريخاً ممتداً من التخصصات الدقيقة التي تحتاجها بسبب العمليات العسكرية المتكررة التي تتعرض لها.
بعد هجرة الأطباء، أصبح الطب التخصصي القائم على التشخيص والعلاج الجذري والمبني على الأبحاث غير متوفر دائماً، ولتعويض نقصه يعتمد الأطباء طب الفرز الأولي وإدارة الأزمات الحادة.
تخلو غزة التي يقطنها نحو مليوني إنسان من استشاري أورام أطفال واحد، ولا يوجد متخصص في جراحات الأعصاب المعقدة، أو أخصائي علاج إشعاعي.
هذا الفراغ حول إصابات شائعة كان يمكن علاجها وتداركها في دقائق معدودة بوجود تخصصات الأوعية الدموية الدقيقة إلى حالات بتر الأطراف.
يقول المدير العام لوزارة الصحة منير البرش "استهداف واختطاف القامات الطبية الاستشارية الكبرى أفرغ المستشفيات من عقولها المفكرة، وما عقد المشهد مغادرة عدد من الأطباء القطاع نحو وجهات مختلفة، وهذا تسبب في سحق الهيكل التخصصي للمنظومة بالكامل".
ويضيف "تحولت الأقسام الكبرى الحيوية إلى مجرد نقاط فرز أولي بدائية، غياب استشاريي جراحة الأوعية الدموية والمخ والأعصاب جعل غرف العمليات عاجزة عن تقديم أي حلول جذرية".
ونتابع "نرى إصابات في أطراف الجرحى قابلة للإصلاح الطبي، لكن انعدام وجود الكادر المتخصص يجبرنا فوراً على اتخاذ قرارات بتر حتمية لإنقاذ حياة المريض من التسمم والموت المحدق".
بتر ما يزيد على 5 آلاف حالة للأطراف منذ بداية الحرب كحالات بتر اضطراري ناتج مباشرة عن غياب الجراح المتخصص الذي يملك الأهلية المعرفية لربط الشرايين الممزقة وإعادة التوعية الدموية للطرف المصاب.
عقب تدمير المراكز المتخصصة وعلى رأسها مستشفى الصداقة التركي - الفلسطيني لعلاج السرطان واضطرار الاستشاريين القلائل إلى المغادرة خارج القطاع، ضرب قطاع الأمراض المزمنة في مقتل.
البيئة الطاردة
لم يعد المعطف الأبيض، الذي صانته المعاهدات الدولية عبر العصور، درع حماية بموجب القانون الدولي الإنساني، وصار في حرب غزة شارة استهداف.
وبحسب بيانات وزارة الصحة فقد قتل منذ بدء الحرب أكثر من 1000 عامل في القطاع الصحي في حين تعرض ما يزيد على 300 كادر طبي للاختطاف والاعتقال التعسفي أثناء تأدية واجبهم الميداني داخل المستشفيات والمراكز الإغاثية.
وليس هذا فقط ما تعرض له الأطباء، إذ لاحقهم اغتيال واختطاف القامات الكبرى كالطبيب إياد الرنتيسي والجراح الشهير عدنان البرش وحسام أبو صفية ومروان الهمص.
وبالتوازي مع هذا الخطر، تبرز مشكلة نقص الأدوات والأجهزة الطبية والأدوية والمستلزمات الصحية، وحتى نقص في الوقود وزيوت المحركات، وهذا يجعل الطبيب يهرب من عذابه المهني اليومي.
لامس نقص المستهلكات الطبية الأساسية عتبة 70 في المئة، في حين تجاوز حجم العجز في الأدوية المنقذة للحياة حاجز الـ50 في المئة، هذا الانهيار التقني يسلب الطبيب أهليته.
ياسمين البرش زوجة الطبيب الراحل عدنان البرش الذي قضى في السجون الإسرائيلية، تعد أكبر شاهد على ما تعرض له الأطباء، تقول "لقد رفض عدنان مراراً بروتوكولات النزوح جنوباً، وأصر على المكوث بجانب مرضاه وجرحاه مردداً أن حياته ليست أغلى من حياتهم".
وتضيف "اللحظات الأخيرة التي سبقت اعتقاله من مستشفى العودة، شمال غزة، حين حوصر المكان وهدد بالقصف الشديد إن لم يسلم نفسه، وعندما ناداه الجندي الإسرائيلي بالاسم متوعداً بنسف المستشفى فوق رؤوس من فيه، اتصل بنا وقال إنه لن يكون سبباً في إزهاق أرواح بريئة، وسيسلم نفسه ليحمي المستشفى ومرضاه".
وتتابع "استهدافه المباشر ثم موته تحت التعذيب يثبتان أن المنظومة الصحية في غزة باتت بيئة طرد قسري ممنهجة، تضع الطبيب أمام معادلة مستحيلة إما أن ترحل لتنقذ عائلتك ونفسك، أو تظل لتقتل أو تعتقل أو تواجه نقص الأدوات".
هذه التوليفة بين التهديد الوجودي والعجز في كل ما يخص علوم الطب رصدته منظمة الصحة العالمية في تقارير جاء فيه "تدمير البنية التحتية والملاحقة الجسدية المنظمة للأطباء في غزة، يعدان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، سلب الأطباء أدواتهم وتحويلهم إلى أهداف متحركة خلق بيئة يستحيل معها البقاء المهني، مما شرع الأبواب على مصراعيها أمام الهجرة الإجبارية للعقول الطبية التي لم تعد تجد شبكة أمان تقيها الموت أو غياهب السجون".
اقتصاد الهجرة الطبية
الطبيب الذي يتخذ القرار المر بمغادرة القطاع، لا يواجه صراعاً نفسياً، وإنما استنزاف مالي يفرضه "سماسرة الإخلاء"، لأجل تأمين عائلته وإخراجها من طوق النار، يجبر الطبيب على دفع مبالغ طائلة وخيالية لقاء ما يعرف بـ"تنسيقات العبور"، وهي أموال تجمع بالدولار الأميركي وتفوق أضعاف مدخرات سنوات عمله الطويلة، مما يحيل عملية النزوح إلى استنزاف مادي يسبق الاستنزاف المعرفي.
يقول نقيب الأطباء الفلسطينيين صلاح الهشلمون "عندما يخرج الطبيب من غزة، تفتح العواصم والمنظومات الطبية أبوابها ومستشفياتها الكبرى لاستقطاب هؤلاء الأطباء الناجين، إذ يعد طبيب غزة كادراً معرفياً ثميناً وعملة نادرة لا تقدر بثمن".
ويضيف "حاز هؤلاء الأطباء عبر معايشتهم الميدانية لأعقد الإصابات، على تدريب حربي وعملي مجاني في جراحة الحروب وإدارة الكوارث والتعامل مع الصدمات الجسدية المركبة، وهو تدريب ميداني فريد ومكثف لا توفره أعرق الجامعات الغربية ولا تملكه أعتى كليات الطب في العالم"، مؤكداً أن هذا الاستقطاب يفرغ غزة من الكفاءات الطبية.
وفي هذا السياق، يقدم الأكاديمي الباحث في السياسات الصحية الفلسطينية محمد ريحان، تحليلاً استقصائياً، يقول "كلفة الخروج الباهظة التي يفرضها السماسرة تكسر كاهل الطبيب مالياً، ليأتي الاستقطاب الممنهج في المنفى فيضمد جراحه المالية عبر عقود طويلة الأمد، مما يعني في المحصلة سحب العقول المفكرة لغزة وتوطينها نهائياً في الخارج".
ويضيف "البيانات الواردة تؤكد توقيع الأطباء المهاجرين على عقود توظيف والتزامات قانونية صارمة لسنوات طويلة في المستشفيات الغربية، وهذا يجعل من مسألة استعادتهم مستقبلاً للمساهمة في إعادة إعمار القطاع الصحي أمراً شبه مستحيل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جيل بلا أساتذة
مع موت الأطباء وهجرة كبار الاستشاريين إلى جانب التدمير الشامل الذي طاول كليات الطب البشري، انقطع فجأة الحبل السري الأكاديمي الذي ينقل المعرفة والخبرة التراكمية من الجيل القديم إلى الجيل الجديد.
في الأعراف الطبية تعد المستشفيات بيئة تعليمية وحواضن أكاديمية حيوية تمنح فيها رخص الإقامة والزمالة والامتحانات الدورية للبورود الطبية.
منذ بدء الحرب، خرجت 26 مستشفى من أصل 38 في القطاع عن الخدمة تماماً وتحول المتبقي منها إلى هياكل إسعافية ممزقة، هذا الدمار تزامن مع التسوية بالأرض لمباني كليات الطب البشري الأساسية في القطاع، مما يعني حرمان جيل كامل من طلبة الطب وأطباء الامتياز من أي بيئة تعليمية أو تدريبية حقيقية.
يقول عميد كلية الطب البشري أنور الشيخ خليل "تدمير كليات الطب واستهداف المراكز التعليمية الكبرى لا يمثل خسارة لجدران أو مختبرات، بل هو قطع للمسيرة الأكاديمية التي تؤمن ديمومة الكادر البشري".
ويضيف "المنظومة الطبية تعيش اليوم معضلة حقيقية، فغياب الاستشاريين الكبار الذين يمثلون المرجعية العلمية لبرامج الإقامة والامتياز، تسبب في فقدان التواتر التاريخي لنقل الخبرات الجراحية المعقدة لجيل الخريجين الجدد".
يحذر الشيخ خليل من أن غزة مقبلة على فجوة معرفية جيلية ستعاني منها الأجيال المتعاقبة لـ15 سنة مقبلة، إذ ستفتقر المستشفيات إلى القيادات الطبية المؤهلة القادرة على إدارة التخصصات الدقيقة، وسنجد أنفسنا أمام جيل طبي كامل من الشباب الذين دفعوا للميدان من دون أن ينالوا فرصتهم العادلة في التعلم والملازمة الطبية تحت إشراف أساتذتهم".
البطولة المرتجفة
في مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بنبرة احتفالية حول ما وصف بمعجزة الطب التي تنهض من تحت الرماد، إذ تخرج 230 طبيباً وطبيبة من كليات طب غزة.
لكن خلف هذه الهالة البطولية، تختبئ حقيقية أن تخرج هؤلاء الشبان ودفعهم الفوري إلى الميدان لم يكن مجرد قصة نجاح ملهمة، بل كان اضطراراً مخيفاً، وعلامة صارخة على انهيار ركائز المنظومة وتجريف أركانها الأساسية.
ومن قلب هذه المسؤولية المرتجفة، يقول الطبيب الشاب عز الدين لولو، أحد الخريجين البارزين من هذا الفوج، "العالم يرى المعطف الأبيض النظيف فوق الركام ويصفق لبقائنا، لكنه لا يرى رعب عقولنا المرتجفة خلف هذا المشهد".
ويضيف "لقد تخرجنا من دون الحصول على كتب أو إنترنت أو فترات تدريب سريري كافية، وفقدت بمفردي 20 فرداً من عائلتي أثناء محاولتي التمسك بالحلم".
ويتابع "الورطة الحقيقية بدأت حين دفعنا للميدان فوراً، إذ يجد الطبيب منا نفسه وحيداً في الطوارئ أمام بطن مفتوح ينزف أو جرح شرايين معقد، وفي غياب الاستشاريين الكبار والأساتذة الذين اغتيلوا أو اعتقلوا، تصبح مجبراً على اتخاذ قرار مصيري مثل البتر أو ترك المريض يموت، إنه ثقل نفسي معرفي مرعب، فنحن نجرب ونمارس الجراحة المعقدة بدافع الإنقاذ من دون أدنى إشراف أكاديمي".