Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العملات المشفرة ملاذ إيران لمواجهة الأزمة الاقتصادية

تقدر مصادر قضائية أن رجال الأعمال والتجار أصبح لديهم ما يصل إلى 100 مليار دولار من تلك الأصول في الداخل والخارج

تخفيف القيود المشددة على مبادلات العملات لتشجيع رجال الأعمال على تحويل عائداتهم (رويترز)

ملخص

تقدر شركة تحليلات الـ"بلوكتشين" (إليبتك) أن نسبة 4.5 في المئة من كل عمليات تعدين "بيتكوين" عالمياً تحدث في إيران.

كثيراً ما وجدت إيران، على مدى نحو أربعة عقود من العقوبات، سبلاً للالتفاف على حصارها اقتصادياً وعزلها عن النظام المالي العالمي.

وفي ذلك السياق، توالى فرض القيود المشددة على مبادلات العملات الأجنبية لضمان تحويل التجار ورجال الأعمال أموالهم عبر نظام الصرف الرسمي، الذي يختلف فيه سعر العملة المحلية، الريال، مقابل الدولار اختلافاً هائلاً عن أسعار السوق المفتوحة، وبخاصة مع انهيار قيمة العملة ليصل سعر صرفها إلى أكثر من مليوني ريال للدولار في السوق الحرة.

ومع تشديد الحصار الأميركي على طهران في ظل الحرب الحالية، ثم التوجه الأميركي أخيراً إلى عزل إيران تماماً عن النظام المالي العالمي، بفرض عقوبات ثانوية على أي بلد أو كيان يتعامل معها، تفاقمت الأزمات الاقتصادية إلى حد لا يمكن معه الاستمرار في سياسات القيود المشددة.

ونشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريراً، عن أن السلطات الإيرانية بدأت تخفيف القيود على المعاملات المالية لرجال الأعمال والتجار، وبخاصة من يعملون في التصدير والاستيراد، في محاولة لتخفيف حدة الأزمات الخانقة في الداخل.

ويكرر المسؤولون الإيرانيون، بمن فيهم الرئيس مسعود بزشكيان، القول علناً بأن "الحرب الآن اقتصادية"، في إشارة إلى المدى الذي وصل إليه التدهور الاقتصادي الذي بدأ يخنق ملايين الإيرانيين في كلف معيشتهم وحياتهم اليومية.

تشجيع صرف العملات

أدت العقوبات الأميركية الأخيرة إلى تجفيف مصادر العملة الصعبة وقطع ما كان تبقى لإيران من سبل التعامل مالياً مع الخارج. لذا لجأ البنك المركزي الإيراني إلى "غض الطرف" عن تطبيق القيود المشددة على العملة الأجنبية بالنسبة إلى المصدرين والمستوردين. ويهدف تخفيف الإجراءات إلى تشجيع رجال الأعمال والتجار على "إظهار" ما راكموه من عملات أجنبية خارج النظام الرسمي.

وبحسب تقرير الصحيفة، تقدر مصادر قضائية إيرانية أن رجال الأعمال والتجار الإيرانيين أصبح لديهم ما يصل إلى 100 مليار دولار، غير مفصح عنها، في الداخل والخارج.

ويقول رجال أعمال وتجار مقربون من النظام إن البنك المركزي أصبح يسمح بتحويل تلك الأموال "بأي طريقة كانت"، في محاولة للحفاظ على الاقتصاد دون الانهيار.

ونتيجة تخفيف البنك المركزي قيوده المفروضة على النظام المالي المتعلق بالعملات، يمكن للتجار تحويل العملات الأجنبية عبر السوق المفتوحة "الحرة"، وليس بأسعار الصرف التي تضعها الحكومة، وهي أقل بأضعاف من السوق الحرة.

ويمكنهم استخدام عائدات التصدير لتمويل الاستيراد مباشرة، دون الحاجة إلى تحويل عائداتهم عبر نظام سعر الصرف الرسمي، كما أن تلك الإجراءات الجديدة تسمح لرجال الأعمال باستخدام العملات المشفرة بأسعار السوق.

وتنقل الصحيفة عن أحد رجال الأعمال، الذي تصفه بأنه "مقرب من النظام" الإيراني، قوله إن "البنك المركزي لم يعد يسأل عن كيفية تحويل تلك الأموال، كما أن الحصول على عائدات التصدير بالعملات المشفرة أصبح متاحاً الآن". ويشير رجل الأعمال إلى أن تلك التسهيلات وتخفيف القيود على مبادلة العملات بدأت مع بداية الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل على إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

ومع تلك التسهيلات الأخيرة وتخفيف البنك المركزي لقيوده على العملات، أصبح بإمكان رجال الأعمال والتجار استخدام العملات المشفرة لتسوية معاملاتهم مع الخارج عبر أسواق الصرف للعملات المشفرة. وأكثر العملات المشفرة التي يستخدمها رجال الأعمال والتجار الإيرانيون هي "تيثر"، لكن أيضاً هناك تعاملات بعملة "بيتكوين" الشهيرة.

ومع أن إيران تستخدم العملات المشفرة من قبل للالتفاف على العقوبات السابقة على الحرب، إلا أن الحصار الأميركي والخناق الاقتصادي القاتل أخيراً زاد من سماح طهران باستخدام العملات المشفرة على نطاق أوسع.

ثغرات القيود

بدأت آثار الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، ثم قرارات الخزانة الأميركية بتشديد الخناق على طهران قبل أسابيع، في الظهور بقوة على الاقتصاد الإيراني، المتردي أصلاً، وكذلك على تفاصيل حياة المواطنين. وتسعى واشنطن إلى عزل إيران تماماً عن العالم الخارجي مالياً وتجارياً واقتصادياً عموماً.

وفي هذا السياق، أعلنت الخزانة الأميركية خططاً لمعاقبة بنوك مصرية وتركية وشركات تقول إنها تتعامل مع إيران.

وهددت وزارة الخزانة الأميركية بمعاقبة من يتعامل مع إيران بالأصول الرقمية، التي تتضمن العملات المشفرة، وذكرت في بيان لها أن "النظام الإيراني زاد من وتيرة اللجوء إلى العملات المشفرة كوسيلة مفضلة للالتفاف على العقوبات".

كان المصدرون الإيرانيون للنفط والسلع الأخرى قبل الحرب مطالبين بإعادة القدر الأكبر من عائداتهم إلى إيران بالعملات الأجنبية، على أن يجرى تحويلها من خلال نظام الصرف الحكومي بسعر الصرف الرسمي الذي يقل كثيراً جداً عن أسعار السوق المفتوحة.

أدى ذلك إلى احتفاظ كثير من المصدرين الإيرانيين بأموالهم في الخارج أو إدخالها إلى إيران دون إفصاح عنها. وقال رئيس هيئة التفتيش الإيرانية، ذبيح الله خودايان، الشهر الماضي، إن أكثر من 20 ألف شخصية وشركة تفادوا الالتزام بتلك المعايير بإعادة ما يصل إلى 94 مليار يورو (109 مليارات دولار)، إلى البلاد ضمن النظام الرسمي.

لا يقتصر الأمر على القطاع الخاص في التهرب من تحويل العملات عبر النظام الرسمي للدولة، بل إن شركات النفط والغاز المملوكة للدولة تفعل الأمر ذاته مثل رجال الأعمال والتجار الخواص، بتفادي نظام صرف العملات الرسمي.

زيادة الاعتماد على العملات المشفرة

تظل شركات الصرافة وتحويل العملات في الدول المجاورة السبيل الأهم للإيرانيين لتحويل أموال الصادرات والاستيراد. إلا أن التسهيلات الأخيرة من قبل البنك المركزي توفر لهؤلاء الإيرانيين خيارات أوسع لتسوية القدر الأكبر من أموالهم، على أمل أن يسهم ذلك في تخفيف حدة الأزمات الحادة التي تواجهها طهران.

من بين تلك الخيارات، زيادة الاعتماد على العملات المشفرة، وبخاصة عملة "تيثر". وأهمية "تيثر" أنها من العملات الثابتة التي يرتبط سعرها بالدولار الأميركي، بالتالي يمكن باستخدامها تفادي التقلبات الحادة في أسعار العملات المشفرة الأخرى مثل "بيتكوين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن المؤشرات إلى زيادة الاعتماد على العملة المشفرة أن "تيثر" قامت في أبريل (نيسان) الماضي بتجميد ما قيمته 344 مليون دولار من العملة الثابتة في محافظ رقمية حددتها السلطات الأميركية على أنها مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني. وبحسب مجموعة "تي آر أم لابس"، فإن ما يقدر بنحو 10 مليارات دولار من العملات المشفرة تحركت داخل إيران.

يقول مستشار الأمن القومي الاستراتيجي في مجموعة بيانات "تشيناليسز"، إيتان دانون، إن العملات المشفرة أصبحت بالنسبة إلى الإيرانيين "ليست بدعة أو هواية... بل إننا أصبحنا نرى نمواً كبيراً في استخدام العملات المشفرة كرد فعل على الواقع البنيوي للوضع الجيوسياسي".

ويؤكد عضو رابطة التحول الرقمي الإيرانية، علي رضا بوزورغمهري، أن البنك المركزي بدأ تخفيف القيود الأمنية على استخدام العملات المشفرة "ولم يعد يصر على تطبيق القواعد بصرامة".

ازدواجية السلطات

كل ذلك إضافة إلى لجوء السلطات الإيرانية أيضاً إلى استخدام العملات المشفرة كوسيلة للالتفاف على الخناق الاقتصادي الأميركي وعزلها عن النظم المالية العالمية، إذ تمكنت إيران على مدى أعوام من تعدين كميات من "بيتكوين"، مستفيدة من توفر الطاقة في البلاد.

وتقدر شركة تحليلات الـ"بلوكتشين" (إليبتك) أن نسبة 4.5 في المئة من كل عمليات تعدين "بيتكوين" عالمياً تحدث في إيران، وتقول الشركة إن ذلك يسمح لإيران "بالالتفاف على الحظر التجاري وكسب مئات ملايين الدولارات في صورة أصول رقمية تمكنها من شراء وارداتها متفادية العقوبات عليها".

مع ذلك، تظل السلطات الإيرانية، وبخاصة القضائية، تلاحق المتهربين من الالتزام بالقواعد الصارمة المشددة لتحويل العملات، إذ ذكر المتحدث باسم السلطة القضائية، علي كاظمي، الثلاثاء الماضي أنه جرى اعتقال 22 شخصاً مرتبطين بتجار نفط، بينما صدرت أوامر اعتقال بحق 19 آخرين.

هذه الازدواجية في التعامل مع الإيرانيين من رجال أعمال وتجار، بغض النظر عن التطبيق الصارم للقواعد المشددة كي يُظهروا ما لديهم من أموال من ناحية، وتشديد الرقابة والعقاب على بعضهم من ناحية أخرى، قد لا تكون السبيل الأمثل لتخفيف حدة الأزمة المالية. والزيادة في استخدام العملات المشفرة ربما لا تحقق أكثر مما كان خلال الأعوام الماضية في سياق الالتفاف على العقوبات، إلى جانب أن وزارة الخزانة الأميركية تضغط بشدة على كل من يتعامل مع إيران بأصول رقمية، مهددة بمزيد من العقوبات الثانوية.

اقرأ المزيد

المزيد من عملات رقمية