Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خفض الأسعار يشعل الجدل... هل سوق العقارات في مصر على حافة التصحيح؟

اعتراف نادر بأخطاء في التسعير وراء خصم 20 % لدفع المبيعات... ومطورون واقتصاديون منقسمون حول حقيقة "الفقاعة"

ارتفاع متواضع في أرباح شركات التطوير العقاري خلال عام 2025 بنسبة 2.8 % (أ ف ب)

ملخص

مطورون عقاريون واقتصاديون تباينت رؤاهم حيال ما يحدث، فمنهم من يرى أن السوق العقارية في مصر مقبلة على تصحيح سعري يراعي القدرة الشرائية لكن فريقاً آخر يعتقد أن مبادرة خفض الأسعار تظل خطوة فردية تراعي حاجات كل شركة من دون أن تكون قابلة بالضرورة إلى التعميم على السوق ككل.

تعيش السوق العقارية في مصر حالاً من التحول وسط أوضاع اقتصادية صعبة أثرت بدورها في القدرة الشرائية لدى المستهلكين ودفعت نحو عزوف أو ربما تأجيل لقرارات الشراء في ظل شكوك واسعة في آليات التسعير، وحديث عن تصحيح قد يطاول كثيراً من المشروعات في الفترة المقبلة.

لم يكن إعلان إحدى كبريات الشركات في السوق خفض أسعار وحداتها ما بين 15 و20 في المئة خلال الأيام الماضية بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه القطاع منذ فترة، لكن هذا القرار ربما أعاد تسليط الضوء على تراجع المبيعات باعتباره ميزان السوق المعبر عن عافيتها أو مرضها.

مطورون عقاريون واقتصاديون تباينت رؤاهم حيال ما يحدث، فمنهم من يرى أن السوق العقارية في مصر مقبلة على تصحيح سعري يراعي القدرة الشرائية، وما ألمَّ بالمشترين من ضغوط اقتصادية صعبة خلال الأعوام الأخيرة، وأثرت في سلوكياتهم الاستهلاكية والعزوف عن الشراء.

خفض أسعار العقارات

لكن فريقاً آخر يعتقد أن مبادرة خفض الأسعار تظل خطوة فردية تراعي حاجات كل شركة من دون أن تكون قابلة بالضرورة إلى التعميم على السوق ككل، خصوصاً مع وجود نمو في مبيعات شركات أخرى راعت أسس التسعير السليم من دون مبالغة.

أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة عالية المهدي، قالت إن السوق العقارية في مصر تعيش داخل فقاعة سعرية بدأت عام 2015، جعلت من أسعار العقارات أعلى من قيمتها الفعلية، وتحول دون قدرة كثيرين على الشراء سواء بالدفع النقدي الكامل أو بالتقسيط على أعوام عدة.

المهدي اعتبرت في منشور على حسابها بموقع "فيسبوك" أن صعوبة تسويق الوحدات العقارية تعد إحدى الأمور الكاشفة لتلك الفقاعة، وأن البيع يستلزم امتلاك العقار مزايا مجزية، لكنها لا تنصح في الوقت الراهن باستثمار الأموال عبر شراء العقارات لكونها "سيولة معطلة" يصعب تسييلها بسهولة ويسر.

التسعير غير العادل للعقارات

وتنصح أستاذة الاقتصاد في المقابل، بالاحتفاظ بالسيولة عبر شراء الذهب أو الفضة أو حتى الودائع البنكية ذات الفائدة المجزية، وهو ما يعبر برأيها عن التسعير غير العادل للعقارات في مصر بفعل تلك الفقاعة العقارية التي تعيشها البلاد مما يزيد على 10 أعوام.

وتعاني مصر مستويات مرتفعة من التضخم، إذ واصل التضخم السنوي في مدن مصر صعوده في مارس (آذار) الماضي، مسجلاً 15.2 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ 10 أشهر، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وذلك بفعل تداعيات حرب إيران، وارتفاع أسعار الطاقة.

 

يتفق مع الرأي السابق، الاقتصادي هاني توفيق، إذ يرى أن الفقاعة العقارية التي تعيشها البلاد بدأت مع الإقبال المرتفع على شراء العقارات مما دفع الأسعار صعوداً بصورة لافتة، وأدى إلى ظهور "الأوفر برايس" مع وجود مضاربات على أسعار العقارات والارتفاع المبالغ بها.

دورة عمل "الفقاعة العقارية"

ويعتقد توفيق أن السوق في مصر مرت بحال من التشبع في شراء العقارات أعقبها هدوء في حركة البيع والشراء، ثم تراجع تدريجي في "الأوفر برايس" وثبات أسعار العقار وصولاً إلى ركود المبيعات، مما دفع كثيراً من الشركات إلى تقديم تسهيلات في الدفع وأنظمة التقسيط الميسر، لدفع المبيعات.

وثمة مرحلة لاحقة يتحدث عنها توفيق ضمن ما سماه "التسلسل الطبيعي للفقاعة" فيقول إن التسهيلات المقدمة من جانب شركات التطوير العقاري لم تفلح على الأرجح في دفع المبيعات على النحو المأمول، وهو ما أدى إلى ركود كامل و"شبه شلل" في البيع مع شح السيولة، ثم اختفاء "الأوفر برايس" والسعر لبيع الوحدات بقيمة التعاقد القديمة لتحفيز المشترين.

ويشير المتحدث إلى تعثر المشترين في سداد أقساط الوحدات العقارية، ومن ثم استرجاع الشركات لتلك العقارات، ووفرة المعروض، وكلها عوامل سبقت حاجة الشركات إلى السيولة الضامنة لتوفير غطاء كافٍ للمراكز المالية المكشوفة في البنوك، وسداد مستحقات المقاولين والموردين.

وفرة المعروض وضعف الشراء

وينظر المتخصص الاقتصادي إلى إعلان الشركة العقارية خفض أسعارها باعتباره أحد مراحل الفقاعة التي يعيشها القطاع، متوقعاً تراجع أسعار العقارات الفترة المقبلة لتنشيط المبيعات، وتجاوز حال الكساد وضعف الطلب، في ظل وفرة المعروض وضعف الشراء، لكن أخطر ما يشير إليه المتحدث، هو توقعه حدوث إفلاس لدى بعض شركات المقاولات وشركات التطوير العقاري وسط تأخر تسليم الوحدات الفترة المقبلة.

وحققت كبرى شركات التطوير العقاري في مصر أداء متبايناً خلال عام 2025، عبر عنه ارتفاع إجمالي صافي الأرباح بنسبة 2.8 في المئة ليصل إلى نحو 41.6 مليار جنيه (0.79 مليار دولار)، مقارنة بـ40.48 مليار جنيه (0.77 مليار دولار) في 2024، وهو ما يعكس نمواً طفيفاً ومتواضعاً في ظل ظروف عمل السوق.

المطور العقاري أحمد العتال، صاحب مبادرة خفض أسعار وحدات شركته العقارية، برر الخطوة بتراجع المبيعات، إثر وجود فجوة بين أسعار البيع والقدرة الشرائية لدى المواطنين، معتبراً أن حسابات التسعير الخاطئة خلال الأعوام الأخيرة افترضت ارتفاع كلفة التنفيذ وزيادة أسعار الفائدة، وهي الافتراضات التي ثبت خطأها في ما بعد.

السوق تحتاج إلى تصحيح قوي 

العتال أشار إلى حاجة السوق إلى تصحيح قوي في المرحلة الراهنة، إلى جانب مراجعة مدد التسليم وخطط السداد لدى العملاء، ومعالجة بعض الأوضاع وتقديم حزم تعويضية تشمل زيادة مساحات بعض الوحدات المبيعة، ومد فترة التقسيط، وسط حاجة السوق إلى التماشي مع المتغيرات الاقتصادية الأخيرة.

وتراجع سعر صرف الجنيه المصري إلى أدنى مستوى في تاريخه الشهر الماضي حين قارب 54 جنيهاً للدولار في البنوك، من مستوى 47 جنيهاً قبل اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن في المقابل، يعتقد المطور العقاري علاء فكري، أن السوق العقارية في مصر أكبر من أن تخضع للتعميم والقياس على حالات فردية لشركات بادرت بخفض أسعار وحداتها بدعوى تصحيح التسعير، معتبراً أن الخطوة تظل فردية وأكثر ارتباطاً بتلك الشركة دون غيرها.

شركات بعينها فقط

لكن فكري لم ينفِ وجود أزمة تسعير، لكنه يشير إلى أنها تخص عدداً من الشركات التي بالغت في تسعير وحداتها بأعلى من السعر العادل للسوق، معتبراً أن تلك الشركات هي الأكثر عرضة للضغوط من غيرها، خصوصاً مع مضي عمل الشركات الأخرى التي راعت أسس التسعير السليم عملها من دون أية ضغوط.

ويرجح فكري أن يكون اتجاه خفض أسعار العقارات في مصر الفترة المقبلة يراعي حاجة كل شركة من دون تعميمه على السوق بصورة كاملة.

متخصص آخر في القطاع العقاري هو علاء الشيخ يرجح ارتفاع أسعار العقارات في مصر الفترة المقبلة بما يراوح ما بين 10 و15 في المئة في استجابة مباشرة لارتفاع كلفة مستلزمات البناء، لكنه مع ذلك لا يرى في تلك الزيادة خطراً على مبيعات السوق. ويتحدث الشيخ عن ارتفاعات مسجلة في أسعار العقارات في الآونة الأخيرة خصوصاً في منطقة الساحل الشمالي كدليل واضح على تماسك القطاع.

ضغوط قصيرة الأجل على الكلفة

ويبرر الشيخ وجهة نظره بتنامي النشاط في القطاع إثر إقبال المستثمرين العرب والأجانب على الشراء، في ظل ما تحظى به السوق المصرية من استقرار لافت في ضوء الحرب الأخيرة في منطقة الخليج.

يدعم وجهة النظر المتفائلة تقرير حديث لشركة "سفلز مصر" يشير إلى أن السوق المصرية تواجه ضغوطاً قصيرة الأجل على الكلفة، وترتبط بالأساس بتحركات سعر الصرف، وارتفاع مدخلات الطاقة، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد، لكن من دون أي مؤشرات إلى حدوث إعادة تسعير واسعة النطاق للأصول العقارية حتى الآن.

ويوضح رئيس الشركة في مصر، كاتسبي لانجر- باجيت، أن مقومات الطلب لا تزال قوية في القطاع العقاري المصري، إذ يزال يحظى بكونه وسيلة فعالة للتحوط ضد تسارع التضخم، مع اتجاه المشترين إلى العقارات للحفاظ على القيمة.

التمويل العقاري "الحلقة الغائبة" في السوق

ويلفت باجيت إلى أن المطورين العقاريين يحافظون على انضباطهم التسعيري، مع الاستمرار في إعطاء الأولوية لنشاط المبيعات وتسليم المشروعات، إلى جانب أن كثيراً منهم أخذ في الاعتبار مستويات مرتفعة لسعر الصرف خلال تقلبات عام 2024، مما أتاح لهم استيعاب جزء من الزيادات الحالية في الكلفة.

من جانبها، أكدت غرفة التطوير العقاري حاجة السوق إلى مبادرات مصرفية للتمويل العقاري بفائدة منخفضة تستهدف تحفيز الشراء لدى شريحة الطبقة المتوسطة، وهو ما من شأنه ربط العرض بالطلب الحقيقي، وتنشيط حركة البيع والشراء.

رئيس الغرفة طارق شكري رأى في التمويل العقاري "الحلقة الغائبة" في السوق المصرية، في تأكيد لحاجة القطاع إلى مبادرات تمويلية من النوع المحفز، وأن تعزيز آليات التمويل يدعم بدوره استدامة نمو القطاع العقاري، خصوصاً مع احتفاظ العقار بجاذبية عالية كونه أحد أكثر الأوعية الاستثمارية ربحية في البلاد.

أمام هذه الرؤى، تبدو السوق العقارية المصرية عند مفترق طرق بين ضغوط اقتصادية تدفع إلى التصحيح وسط ضعف المبيعات، ورهانات على التعافي والنمو في الفترة المقبلة بدفع من الاستقرار الذي تحياه البلاد بعيداً من الحرب الدائرة، لكن الأمر سيظل مرهوناً بتحرك الدولة لإنقاذ القطاع عبر مبادرات تمويلية محفزة للشراء، وقدرة الشركات على التسعير العادل الذي يناسب قدرات المشترين في المقابل.

اقرأ المزيد