Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

داء الحب ينتشر في مدينة بوبيلا المكسيكية

دراما تلفزيونية تتوسل الواقعية السحرية للغوص في التاريخ

مشهد من المسلسل (نتفليكس)

ملخص

بعد غموض الواقعية السحرية الذي صاحب المسلسل الكولومبي "100 عام من العزلة"، عن رائعة حائز نوبل غابرييل غارسيا ماركيز، يتابع مشاهدو منصة "نتفليكس" مسلسلاً مكسيكياً نهل من المعين الخلاق ذاته لبيئة أميركا اللاتينية وتاريخها المحتشد بالحروب والثورات والأحلام المؤجلة.

إذا كان ولاء ماركيز لذاكرته جعله يخلق بلدة ماكوندو، ويؤثثها بخياله، فإن مسلسل "متيمة" الذي جاء بالإنجليزية بعنوان (Lovesick) أو "داء الحب"، بينما هو في الأصل الإسباني (Mal de Amores) يحتفي بمدينة بوبيلا المكسيكية، التي جعلتها الروائية أنخيليس ماستريتا، باعتبارها مسقط رأسها (مواليد التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 1949) مسرحاً للتحولات التي عصفت بالمكسيك، منذ اندلاع الثورة المكسيكية عام 1910 التي بلغت ذروتها مع صدور دستور 1917، وانتهاء الحرب الأهلية التي قتلت زهاء مليون شخص. ثم وصولاً إلى عام 1965، إذ ينتهي المسلسل بحلقاته السبع بطريقة سوريالية خاطفة وغامضة، بعد الانتقال الزمني المفاجئ الذي يبدو صادماً للتوقعات التاريخية والجمالية في آنٍ.

مدينة بوبيلا أرض التحولات

التاريخ الممتد طوال 100 عام في رواية ماركيز، يرصد المآلات التي أحاطت بأقدار عائلة بوينديا على مدى سبعة أجيال، وهو تاريخ شخصي يتقاطع مع نمو المجتمع الكولومبي. أما في رواية المكسيكية ماستريتا، فإن بوبيلا تبدو في المسلسل أرض التحولات السياسية والاجتماعية للمجتمع، إذ شاء السرد أن يكثف مسيرة الحداثة والاستقلال من خلال قصة حب عاصفة ومتمردة وكاشفة عما يجول في أحشاء المجتمع المكسيكي ونخبه وجنرالاته.

وبعد هذه التقاطعات، تنأى المقارنة بين المسلسلين، لجهة غلبة الجماليات والتماسك السردي لمصلحة الأول، الذي يكاد يكون من أعظم نتاجات "نتفليكس"، وليس من السهل اللحاق به أو مجاراته.

الحرب والانقلابات العسكرية والصراع على السلطة تبدو في المسلسل المكسيكي بمثابة خلفية أو أرضية لصراع اجتماعي بين إكراهات التهميش وقيم المشاركة، وبين نزعة ذكورية متسلطة، وأخرى تقودها النساء على نحو خاص، وهو ما عمدت على إبرازه صاحبة الرواية التي عرفت بأعمالها المدافعة عن النساء، وشخصياتها التي لا تمتثل للقيم التقليدية، وتمارس حريتها الشخصية بشطط وتطرف وتحطيم للصور النمطية عن النساء. وبفضل الرواية التي تحولت مسلسلاً، نالت أنخيليس ماستريتا عام 1997 جائزة "رومولو غاييغوس"، وهي تضاهي جائزة بوليتزر. وكان صدر لها قبل ذلك رواية (Arráncame la vida) أو "انتزع هذا القلب مني" عام 1985، التي تحولت إلى فيلم، لتعود عام 1999 وتصدر رواية (Ninguna eternidad como la mía) أو "لا خلود مثل خلودي".

عاشقة وحبيبان

المسلسل من تأليف كاتالينا أغيلار ماستريتا وإخراجها وإنتاجها، وهي ابنة كاتبة الرواية. وقد بدأت "نتفليكس" عرضه في الثاي من الشهر الجاري، ويتتبع حكاية الشابة إميليا ساوري (ريناتا فاكا) التي تؤدي دوراً بارعاً من خلال عملها صيدلانية تحلم بأن تكون طبيبة، وتخوض تجربة عاطفية مع رجلين من دون الشعور بالإثم الأخلاقي، ويأتي ذلك مشفوعاً بنوع من الموافقة المضمرة من الأسرة الميسورة، ومن الحبيبين اللذين لا يبدوان أنهما هاما على وجهيهما بسبب التمزق الناجم عن "المثلث العاطفي"، فالتواطؤ والعادة يقودان إلى القبول والرضى، وهذه نقطة مركزية في المسلسل الذي يضاهي بين الحراك الاجتماعي والسياسي نحو الثورة والاستقلال، وبين سيطرة النساء على أقدارهن بدءاً من الجسد، وانتهاء بالعمل في مهنة الطب التي كانت حكراً على الرجال.

وإلى جوار الشابة إميليا، ثمة "ميلاغروس" (كاساندرا سيانغيروتي، عمة إميليا)، التي ترتبط بعلاقة "شبه صوفية" وثيقة برجل من دون زواج، وتتبنى أفكاراً تحررية، وتدعم الثوار، وتجمع المال للإفراج عن الأسرى المعتقلين. كما أنها لا تتورط في أحكام قيمية على خيارات الشابة الجامحة، بل تدعمها وتوافق على جنونها، ولا تبدي أي تبرم بخصوص العلاقة المثلثة بين إميليا وعاشقيها، دانيال كوينكا (أليخاندرو بوينتي)، الثائر الحالم، وأنطونيو زافالزا (إيفان أموزوروتيا)، الطبيب الشهم الجانح إلى الاستقرار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالمزج بين التوترات السياسية والرومانسية الكلاسيكية، يتمسك المسلسل بالحنين إلى الماضي، من دون تزيينه أو الإقامة فيه، إذ كان الناس في المكسيك مع مطالع الثلث الأول من القرن 20، يكابدون الفقر والمرض والجوع والصراع على السلطة. صحيح أن المسلسل لا يظهر الحروب والمعارك بين الجيش والثوار، إلا أنه يقدم مشهداً مؤلماً كابده الأهالي بمأسوية، وهو ما يتجلى في أكثر اللقطات فظاعة حين تضطر إميليا، من أجل معرفة مصير حبيبيها الثائر، أن تسير في واد مكتظ بالجثث. لقد تعبت يد الجنرال العسكري من إطلاق النار، ولولا ذلك لكانت الجثث في كل مكان.

الحب ينمو مع السياسة

الحب، ها هنا، يسير بإزاء الأحداث السياسية، ويلتحم مع مخلفاتها من تفشي الأمراض وانعدام الرعاية الصحية، لذا تتفرغ الشابة المسكونة بالثورة فطرياً إلى علاج المرضى بما توافر لديها من خبرة في التداوي اكتسبتها من أبيها الصيدلاني، ومن حبيبيها الطبيب الذي ساعدها على التأهل لدراسة الطب، وحيازة الشهادة الرسمية من الولايات المتحدة. وقد تكرر مشهد علاج المرضى في مناطق النأي التي كانت تلجأ إليها بحثاً عن حبيبها التائه في جبهات القتال، وقد دأبت المجتمعات الصغيرة والفقيرة على الاتكاء على الخدمات التطوعية التي يقوم بها ممرضون وأطباء، حتى لو كانت الطبابة في إطار المعالجات الشعبية التي تتم أحياناً في القطار.

ولئن كان المسلسل متسقاً في جعل المعالجات التي تقوم بها الشابة المتيمة تتوازى مع البحث عن حبيبها وتتبع أثره، فإن ما يرافق ذلك من حوارات، على هامش الحب والثورة والمصير، لا يبدو عميقاً. كما لا يبدو مقنعاً أن يكون الشاب الوسيم دانيال ثائراً ثم يتحول في إغماضة عين إلى كاتب ومعلق سياسي مرموق، وحين تعثر عليه، بعد لأي، تجده يعمل نادلاً يزاول عملاً مزرياً لدى سيدة تدير مطعماً ونزلاً متآكلين.

المسلسل، في حلقاته السبع، يحاول الإمساك بالإقناع الداخلي من خلال حركة الشخصيات الأساس، لكنه يخفق في خلق بنية متماسكة، مع أنه يتوافر على تصوير مبهر وموسيقى نابعة من قلب الألحان الإسبانية. لذلك يتكىء على قليل من الفانتازيا، وبعض المشاهد الحميمية التي يتقاسمها المثلث العاطفي.

مشكلة هذه التوليفة من الأعمال التي تسيل لعاب "نتفليكس" أنها تمتلك إشعاعاً يغشى العيون، لكنها لا تستطيع دائماً السيطرة على المشاعر أو البقاء طويلاً في الذاكرة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما