Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما تحمله السنة الإثيوبية الجديدة من وعود ومخاوف

الحكومة تحتفي بإنجازاتها والمعارضة بالمرصاد ومراقبون: العبرة بالواقع على الأرض مع استمرار الأزمات الأمنية والسياسية والضغوط الإقليمية

بانتظار بدء احتفالات "أشيندا" في مركز أديس أبابا للمؤتمرات، أديس أبابا، 22 أغسطس 2026 (أ ف ب)

ملخص

على رغم التحديات التي تواجهها الدولة، تكشف التطورات الأخيرة عن مؤشرات يمكن النظر إليها بإيجابية. فإثيوبيا لم تكتفِ بإدارة الأزمات. بل اتجهت للعمل والعطاء بالنظر إلى تنفيذ مشروعات استراتيجية في الطاقة والبنية التحتية والزراعة والاقتصاد الرقمي والبيئة.

مع حلول السنة الإثيوبية الجديدة في الـ11 من سبتمبر (أيلول) الجاري، يتصدر المشهد السياسي الإثيوبي زخم الحديث حول ما تحقق من إنجاز اقتصادي وسياسي تعول عليه القيادة في المرحلة المقبلة، يقابله تشكيك محلي وإشكالات لا تزال تلقي بتبعاتها في واقع إقليمي غير مواتٍ. فإلى أين تقود المؤشرات إثيوبيا؟

حكومة ومعارضة

قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في منشور له على منصة "إكس" الإثنين السابع من سبتمبر، الذي يوافق اليوم الثاني من شهر باجومي في التقويم الإثيوبي وعدد أيامه خمسة أيام، ويُحتفل به سنوياً كيوم للتجديد واستقبال للسنة الإثيوبية الجديدة، إن "النهضة الوطنية الإثيوبية انتقلت بصورة حاسمة من مجرد رؤية إلى واقع ملموس، مدفوعة بمشاريع تنموية تحويلية وإصلاحات اقتصادية شاملة".

وأضاف رئيس الوزراء الإثيوبي "أعلنا نهضتنا واليوم نعيشها. ولم تعد نهضتنا مجرد رؤية، بل أصبحت واقعاً ملموساً في سد النهضة الإثيوبي الكبير، وتطوير الممرات الاقتصادية، ومشروع مطار (بيشوفتو) الضخم، وإصلاحاتنا الاقتصادية الكلية الجريئة".

في المقابل، تتحدث جهات معارضة عن إخفاقات التحرر الاقتصادي، باعتباره فرضاً أملته جهات خارجية تحت إشراف صندوق النقد الدولي، وكون ما تتبناه الدولة من توجهات اقتصادية ليس خياراً بقدر ما هو شروط للحصول على تمويل بقيمة 3.4 مليار دولار، وجدولة ديون الدولة، وتجنب التخلف عن السداد.

 

وتتلخص "الوصفة" التي تتحدث عنها المعارضة في تحرير شامل لسعر الصرف، وتحرير القطاع المالي، وخفض الدعم، وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة، مع تبني سياسات لخفض التضخم، مع تعويم العملة الإثيوبية (البر) ليصل سعرها الرسمي إلى 163 مقابل الدولار الواحد. مشيرة إلى أزمة غلاء في المعيشة يعانيها المواطن الإثيوبي كحقيقة، وارتفاع مستمر في أسعار سلع رئيسة، إلى جانب التضخم الذي لا يزال فوق 13 في المئة.

على جانب آخر، يشير مكتب الاتصال الحكومي في بيان له، إلى مشاريع تطوير البنية التحتية الوطنية الرئيسة، قائلاً "تُجري الخطوط الجوية الإثيوبية، التي رفعت علم إثيوبيا في جميع أنحاء العالم لعقود، تحولات استشرافية مثل مشروع مطار بيشوفتو (وهو أكبر مطار دولي في شرق أفريقيا)، إضافة إلى توسيع الوجهات السياحية، وتوجه القطاع الزراعي نحو تقليل اعتماده على الأمطار، وتنويع مصادر الطاقة المتجددة بما في ذلك الكهرومائية وطاقة الرياح والشمسية والحرارية الأرضية والنووية".

أما المعارضة فترسم صورة قاتمة للوضع، متهمة إدارة الدولة بإخفاء الأزمات وراء واجهة المشاريع الكبرى، وتشير إلى الصراعات الداخلية، وبخاصة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، ومما تسببت فيه من نزوح الملايين عوضاً عن تحقيق الاستقرار، وترى أن الحكومة تستخدم "سد النهضة" كورقة لتوحيد الشعب وتشتيت الانتباه عن الفشل الأمني.

مؤشرات رقمية

على المستوى الإحصائي، تؤكد دراسات حكومية توسيع نطاق الطموحات الرقمية والتركيز على المصالح الوطنية الاستراتيجية من الزراعة والصادرات إلى الرقمنة وتمويل الإسكان والموارد المائية والوصول إلى الملاحة البحرية، مع ظهور أجندة وطنية جديدة تتمحور حول القدرة الإنتاجية، والمرونة الاقتصادية، والاستقلالية الاستراتيجية، والاندماج الأعمق في الأسواق الإقليمية والعالمية.

وأفادت وزارة الزراعة الإثيوبية بأن أكثر من 33.5 مليون هكتار زُرعت خلال السنة المالية 2025- 2026، مُنتجة ما يزيد على 1.85 مليار قنطار من المحاصيل الزراعية. وبلغت عائدات صادرات الثروة الحيوانية 128.3 مليون دولار أميركي، بزيادة على 95 مليون دولار سابقاً، أي بنسبة تتجاوز 35 في المئة.

وحققت إثيوبيا أيضاً أكثر من 11.2 مليار دولار من عائدات التصدير خلال السنة المالية الإثيوبية 2018، وحددت هدفاً قدره 13.4 مليار دولار للسنة المالية 2026- 2027، مما يعكس سعياً حثيثاً إلى توسيع الصادرات، وتوفير العملات الأجنبية، والتحول نحو إنتاج ذي قيمة مضافة أعلى. وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى اقتصاد لا يسعى فقط إلى تحقيق نمو أسرع، بل وإلى بناء قاعدة إنتاجية أقوى قادرة على تقليل الاعتماد على الواردات، وتخفيف ضغوط النقد الأجنبي، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية.

قضايا الاستقرار

تناهض الطموحات الإثيوبية تحديات تشير إليها المعارضة، إذ ترى أن معدلات النمو المعلنة لا تعكس بالضرورة تحسناً ملموساً في حياة المواطنين، في ظل ارتفاع كلف المعيشة وضعف القدرة الشرائية وأزمة الدين واتساع فجوة البطالة وبخاصة بين الشباب. وتتجاوز الانتقادات الجانب الاقتصادي إلى قضايا الأمن والاستقرار السياسي، إذ تستمر النزاعات المسلحة والتوترات الإقليمية في أجزاء من البلاد. وقد ربط المعارض ديسالين تشاني بين استمرار الصراعات وارتفاع كلف المعيشة ومشكلات التعليم وتراجع المساحات السياسية والإعلامية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، تراهن حكومة آبي أحمد على أن الإصلاحات الجارية والنمو المعلن هو 9.2 في المئة، مع استهداف 10.2 في المئة، مما سيوفر قاعدة لمزيد من التحول الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمار وتوسيع الإنتاج المحلي، غير أن التحدي الأكبر قد لا يكون في تحقيق معدلات النمو وحدها، وإنما في تحويله إلى شعور اجتماعي عام بتحسن المعيشة، وإعادة بناء الثقة السياسية، واحتواء النزاعات، وتوسيع المشاركة السياسية. فكلما اتسعت الفجوة بين المؤشرات الكلية والواقع اليومي، أصبحت الأرقام الرسمية موضع سجال سياسي.

يضاف إلى ذلك ملف الوصول إلى البحر، الذي تحول من قضية اقتصادية إلى أحد العناوين الاستراتيجية الكبرى. فبينما تنظر الحكومة إليه كمصلحة قومية طويلة الأمد، تنظر المعارضة بحذر إلى طريقة إدارته خشية أن يتحول إلى مصدر توتر إقليمي جديد في القرن الأفريقي. وقد أكد نواب في البرلمان أن الوصول إلى البحر مصلحة وطنية حيوية، بالتوازي مع مطالبتهم بتوضيح الاستراتيجية الدبلوماسية طويلة المدى. ومن ثم تبدو الولاية الجديدة أمام معادلة أكثر تعقيداً من استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي، فهي مطالبة بإثبات أن النمو يمكن أن يتحول إلى تنمية يشعر بها المواطن، وأن الطموح الإقليمي يمكن أن يتحرك من دون صدام، وأن الاستقرار السياسي يمكن أن يتقدم بالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي.

بناء التوافق

يرى الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الإثيوبية علي حسين يمر، أن "السؤال الأهم ليس ماذا أنجزت إثيوبيا، بل هل تستطيع تحويل ما أُنجز سياسياً إلى استقرار على الأرض". موضحاً "كان الحوار الوطني فرصة مهمة لإعادة بناء التوافق وترتيب البيت السياسي، لكن نجاحه لن يُقاس بعدد التوصيات، وإنما بقدرته على معالجة جذور الخلافات وتحويل التوافقات إلى مؤسسات وسياسات قابلة للتنفيذ. في المقابل، لا تزال التحديات الأمنية والسياسية والاستقطاب الداخلي والتعقيدات الإقليمية تضغط على مسار الانتقال. لذلك، تبدو إثيوبيا أمام مرحلة مفصلية؛ فإما أن يتحول الحوار الوطني إلى مدخل لتسوية سياسية أوسع وإصلاح مؤسسي واستقرار داخلي، أو تبقى مخرجاته إنجازاً سياسياً مهماً من دون تجاوز الفجوة بين المركز والواقع المحلي. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في طموح القيادة ولا في مخرجات الحوار وحدها، بل في قدرة الدولة على بناء توافق وطني يتجاوز النخب، ويستوعب التنوع، ويترجم إلى أمن واستقرار وتنمية يشعر بها المواطن".

ويتابع "إثيوبيا اليوم بين رهان إعادة تشكيل الدولة وواقع لا يزال يفرض شروطه، والمؤشر الحاسم هو: هل تستطيع الدولة إدارة هذا الانتقال بتوافق وطني، أم إن الواقع سيعيد فرض نفسه على المشروع السياسي؟ والعبرة ليست بما يُقال أو يُكتب، بل بما يتغير على الأرض. فالاختبار الحقيقي ليس إعلان الإنجاز، بل قدرة الدولة على صناعة واقع جديد".

أهمية السلام

الباحث في الشؤون الإثيوبية والقرن الأفريقي عبدالصمد أحمد، يضع الأدبيات المكتوبة والأحاديث المتداولة لدى السياسيين والقيادات الإثيوبية كمؤشرات حقيقية إلى الرؤية الفعلية لبدء مرحلة جديدة. ويقول إن ذلك "يأتي في ظل الاستحقاقات السياسية والدستورية التي تحققت، سواء من خلال الانتخابات التي جرت وكثافة المشاركة الجماهيرية فيها، أو الحوار الوطني الذي أسفر عن توصيات مهمة. إضافة إلى الإعلان عن مشاريع تنموية طموحة في مجالي الطاقة والصناعة التحويلية، والرؤية الاستراتيجية الموضوعة في المجالين الاقتصادي والتنموي، وكلها دلالات على عزم ورؤية مستقبلية للعهد المقبل في الولاية الجديدة لحكومة الازدهار".

ويشير إلى أن "هناك تحديات تواجه الدولة الإثيوبية لا بد من التصدي لها بوعي كامل، والتعامل مع الاستحقاقات السياسية والتنموية والاقتصادية، وهو ما بدأته الحكومة فعلياً بنهج الحوار الوطني وإنجازه، ثم الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحوار، مما يدل على رغبة وعزم على المضي قدماً لمواجهة المشكلات والعقبات، وتحقيق الإنجازات والطموحات التي تستهدفها الدولة في مجالي الاستقرار والتنمية. وعليه، فإن هناك إرادة حقيقية للمضي قدماً في خط متوازٍ لمواجهة التحديات، سواء السياسية منها والمتمثلة في المعارضة، سواء كانت سياسية يمكن التوصل معها إلى توافق في مرحلة من المراحل، أو تلك المتعلقة بالتوصل مع الحركات المسلحة في مرحلة لاحقة إلى حلول توافقية أو غيرها. والمضي قدماً في هذه الخطوط المتوازية هو ما اختطته إثيوبيا لنفسها، ويجيب فعلاً على تساؤلات التحديات الداخلية وحتى الإقليمية والدولية".

 

ويتابع "هناك استحقاقات تنموية ورؤية لتحقيق الطموحات على المستوى المحلي، وهي رؤية واضحة لدى القيادة. وعلى المستوى الإقليمي، تدفع إثيوبيا نحو تعزيز ونشر فكرة التكامل الإقليمي، الذي يهدف إلى تجاوز الأساليب التقليدية التي استُخدمت خلال العقود الماضية، والتغلب على التحديات الداخلية، عبر ربط المصالح الاقتصادية والتنموية المختلفة لها مع دول الجوار ودول الإقليم، بما يجعل الجميع متوافقين ويدفع نحو الالتقاء في نقاط مشتركة. وهذه أيضاً واحدة من الأدوات، إلى جانب الرؤية الاقتصادية الطموحة".

وعلى مستوى الإقليم، سواء في القرن الأفريقي أو شرق أفريقيا، يضيف الباحث في الشؤون الإثيوبية "تبدو الرؤية واضحة لدى إثيوبيا تجاه أهمية السلام وتحقيق التفاهمات حول مختلف القضايا بما يؤدي إلى الاستقرار. ويمكن لإثيوبيا مع بعض شركائها خلق بيئة تعاون إقليمي للنهوض بالمنطقة في ظل سلام وتعايش مرضٍ، ومن ثم الدفع بأفريقيا إلى الأمام. وهذا يؤكد حقيقة مهمة جداً، وهي أنه ليس من مصلحة إثيوبيا أن تبقى في صراعات، سواء داخلية أو إقليمية، لا سيما مع دول الجوار. وعليه، فإن حل كل الخلافات والعقد يتحقق بالطرق الدبلوماسية والسلمية، والعمل على بناء شراكات وتكامل إقليمي، وربما تكون هذه بعض المعطيات وواحدة من الأهداف المهمة جداً للمرحلة المقبلة".

عدم تجاهل التحديات

رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية يس أحمد، يقول "مع مطلع السنة الإثيوبية الجديدة تقف إثيوبيا أمام لحظة مهمة لإعادة قراءة مسارها السياسي والاقتصادي والتنموي، ليس فقط من زاوية التحديات، وإنما أيضاً من خلال ما تحقق من مشروعات وإصلاحات ترسم ملامح مرحلة جديدة. ومن أبرز ملامح المشهد السياسي مسار الحوار الوطني، الذي يمثل رهاناً على بناء أرضية مشتركة بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية كأداة لمعالجة الخلافات وبناء توافق وطني أوسع".

ويضيف "إثيوبيا لا تزال تواجه تحديات داخلية وإقليمية معقدة، وهو أمر طبيعي لدولة بحجمها وموقعها وثقلها السكاني في القرن الأفريقي، لكن على رغم التحديات التي تواجهها الدولة تكشف التطورات الأخيرة عن مؤشرات يمكن النظر إليها بإيجابية. فإثيوبيا لم تكتفِ بإدارة الأزمات بل اتجهت للعمل والعطاء بالنظر إلى تنفيذ مشروعات استراتيجية في الطاقة والبنية التحتية والزراعة والاقتصاد الرقمي والبيئة لبناء مقومات تنمية طويلة الأمد. ويأتي سد النهضة الإثيوبي الكبير في مقدمة هذه المشروعات، باعتباره أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ إثيوبيا الحديث، وركيزة لزيادة إنتاج الطاقة ودعم التنمية".

ويتابع "يُعد قطاع الزراعة من أكثر القطاعات أهمية في أولويات الدولة، إذ يمثل التوسع في إنتاج القمح نموذجاً لمحاولة تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي، وصولاً إلى إمكانية التحول من دولة مستوردة إلى دولة قادرة على تحقيق فائض وتصديره. ولا تكمن أهمية ذلك في الجانب الاقتصادي فقط، بل في علاقته بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وفي الوقت ذاته، تسعى الحكومة إلى إصلاحات في الاقتصاد الكلي وتحسين بيئة الاستثمار ودعم التصنيع وزيادة الإنتاجية".

ويوضح رئيس الدبلوماسية الشعبية أن "من الملفات الجديرة بالاهتمام التحول الرقمي، إذ تدرك إثيوبيا أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من بناء الدولة الحديثة. وتوسيع الخدمات الحكومية الرقمية وتطوير البنية التكنولوجية خطوات يمكن أن تحسن كفاءة المؤسسات وتفتح المجال أمام خدمات اقتصادية واجتماعية جديدة، وكل هذا يضاف إليه ما أنجز في المجال البيئي، حيث تحولت مبادرة (البصمة الخضراء) إلى أحد أبرز المشاريع التي تعكس اهتمام إثيوبيا بالبيئة ومواجهة التغير المناخي. وعلى الصعيد الدبلوماسي حافظت إثيوبيا على حضور مؤثر في ملفات القرن الأفريقي والقارة".

ويتابع "مع كل هذه المؤشرات سيكون من غير الواقعي تجاهل التحديات القائمة حيال الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتعزيز التماسك الوطني، وتحقيق التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وتحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين، وإدارة العلاقات مع الجوار. لكن القراءة الواقعية لا ترى التحديات نهاية للطريق بل اختباراً لقدرة الدولة على بناء حلول مستدامة".

مفهوم الأمن القومي

من جهته يشير الكاتب المتخصص في قضايا القرن الأفريقي يوسف ريحان، إلى أن "الحوار هو الوسيلة الحضارية الأنسب للوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف في ظل ظروف سادت قيم الحرية والديمقراطية والوعي بالحقوق والحكم الرشيد والتبادل السلمي للسلطة. وإثيوبيا تقع في نطاق جغرافي يشهد تحولات كبيرة سياسية واقتصادية وأمنية تؤثر على الدولة في المدى الطويل، مما يتطلب سياسات واعية تراعي المتغيرات. فالحوار الإثيوبي الذي انطلق في أغسطس (آب) الماضي بمشاركة واسعة يعد نقطة مهمة في وضع خارطة طريق للنفاذ المباشر إلى كثير من العناوين الكبيرة التي تعد مفاتيح لمشكلات معقدة. ولا شك في كونه حواراً محاطاً بتحديات منها عدم كفاية التمثيل الجغرافي، إضافة إلى ما طرح من مواضيع مسّت بعض مواد دستور 1995 انتقالاً إلى وضع دستوري جديد (مركزية)، مما أثار القلق حول حق الأقاليم في الانفصال والاحتفاظ بثقافاتها وخصوصياتها القومية، وهي مبادئ وضعت في دستور 1995 على عهد رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي كضمانات وتطمينات للقوميات الإثيوبية.

يرى ريحان أنه "إلى جانب تلك الضمانات التي يجب أن تُقدَّم حتى لا تنزع بعض الأقاليم إلى الرفض والممانعة للتغيرات، فإن مراعاة الجوانب الأمنية والمهددات ضرورية، وبخاصة في ظل جو عام فيه درجات متفاوتة من عدم الثقة بين الحكومة المركزية وجماعات متفرقة من الأمهرا والتغراي وبعض الأرومو، يمكن أن يحدث رد فعل عكسي يجعل من الحوار بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق الاستقرار أداة لضرب هذا الاستقرار النسبي".

ويتابع "إذا كان الحوار الإثيوبي بما يقوم به من إصلاحات في الدستور وهيكل الدولة يجد الدعم من كثيرين، إلى جانب ما تحقق من معدلات نمو وتدشين مشاريع ضخمة كسد النهضة وتغير في شكل العاصمة أديس أبابا وكثير من المدن، فإن المناهضين للحوار يرون فيه نسفاً لكل ما تقدم، وليست المهددات الأمنية في بعض أجزاء إثيوبيا إلا دلائل تشير بوضوح إلى عملية الرفض لما يظنه الآخرون الطريق الصحيح للمستقبل".

ويوضح أن "من الضروري التأكيد على أن مفهوم الأمن القومي الداخلي مرتبط بشكل كبير بالأمن مع دول الجوار ذات التحديات والظروف المتشابهة، وقدرة هذه الدول على التأثير على بعضها بعضاً بشكل سلبي من خلال الأوراق التي يملكها الجميع ويمكن استخدامها في أي وقت. بالتالي فإن إخماد بؤر التوتر والصراعات في الداخل أو الخارج مهم وضروري لاستقرار المنطقة، وهو ما يحتاج إلى استقلال حقيقي في القرار وعدم الخضوع للإملاءات الخارجية التي تريد أن تشعل المنطقة جرياً على قاعدة الفوضى الخلاقة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير