ملخص
فيلمان عن تداعيات #MeToo يلتقيان في مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 الجاري) ليكشفا ماذا فعلت هذه الثورة الأخلاقية والاجتماعية، بنظرتنا المعاصرة إلى الحب والرغبة والعلاقات بين الرجل والمرأة؟
إذا كان الفيلم الأول "قبل منتصف الليل بقليل"، يواجه إرث الماضي من موقع الجيل الذي تربى على الصمت والخضوع، فإن الثاني "ديان في الدوامة"، يأتي من الجهة الأخرى: شباب يرفض أن يرث هذا الصمت، مصراً على إعادة فتح الملفات التي ظن السابقون أنها أُغلقت.
في "قبل منتصف الليل بقليل" للفرنسي نيكولا باريزيه، المعروض في المسابقة، يجد ليو (ملفيل بوبو) وهو في الـ49، نفسه، أمام علاقة عاطفية توشك على نهايتها. أب غائب منذ الولادة يعود إلى حياته من خلال خبر موته، وابنة ناشطة تضع أمامه أسئلة جيل جديد عن العلاقة بالنساء. في باريس، حيث يتوقف بضعة أيام قبل سفره إلى إيطاليا لإنهاء إجراءات الميراث، يستعيد محطات من ماضيه ويلتقي أشخاصاً يعيدون فتح أبواب جديدة.
يقول باريزيه: "منذ أعوام، وأنا أرغب في كتابة قصة حب عن أشخاص ينتمون إلى جيلي، تراوح أعمارهم ما بين الـ45 والـ55، لكنني لم أعثر على الطريقة المناسبة لروايتها. كنت أتساءل: هل لا يزال ممكناً اليوم أن نكتب قصة حب "بريئة"؟ وهل ما زال هذا النوع من الحكايات مقنعاً في زمن حركة "مي تو"، بعدما دخلنا مرحلة أخذت فيها الرغبة وبدايات العلاقات العاطفية تخضع للتفكيك وإعادة النظر؟ ثم جاءتني الفكرة: لماذا لا تكون الحكاية عن رجل يعيش في عام 2026 ويحاول أن يعيد قراءة حياته العاطفية الماضية؟ فهذه العلاقات هي، في نهاية المطاف، من أكثر ما أسهم في تشكيله على المستوى الحميمي. كل ثورة سياسية لا تغير القوانين والمؤسسات فحسب، وإنما تحدث أيضاً تحولاً في منظومة القيم والأخلاق. ومن هنا، يصبح الماضي العاطفي لرجل في الـ49 مادة لإعادة النظر في نفسه، وفي الطريقة التي أحب بها، وفي ما كان يراه طبيعياً أو بديهياً في علاقاته بالنساء".
يسأل ليو في أحد المشاهد: "هل يمكن لَوْمي على شيء كان يبدو طبيعياً في ذلك الوقت؟"، وهو يستمع إلى روايات التمييز حيال النساء الذي كان منتشراً في الوسط الثقافي الذي عمل فيها كصحافي في مطلع الألفية. يأتيه الرد، جافاً وقاسياً: "الفيشيون (من فيشي) يقولون ذلك أيضاً". الجواب قاسٍ، لكنه يحمل فكرة أن كل زمن ينتج صور العمى الخاصة به، وما يبدو طبيعياً في لحظة ما قد يصبح، بعد أعوام، غير قابل للدفاع عنه.
لقاء ليو بابنته لا يزعزع نظرته إلى العلاقة بين الرجال والنساء فحسب، بل يضع وجوده كله موضع السؤال. فهو لم يؤمن طوال حياته بشيء ما عدا قصص الحب والرومانسية. وفجأة، يكتشف أن هذا الإيمان هو أيضاً جزء من تاريخ، ومن بناء اجتماعي، ومن حساسية تخص جيلاً بعينه.
يقودنا ماضي ليو إلى باريس المثقفين في بداية الألفية. كان قد أسس مع أصدقاء له مجلة فنية وثقافية. وسط ثقافي كان يريد أن يكون نقدياً ومنفتحاً وتقدمياً، لكنه وضع، في الوقت نفسه، المتدربات والصحافيات في الصف الثاني داخل هيئة تحرير يغلب عليها الرجال. هذا الوسط سيطرت عليه سلوكات كان يمكن اعتبارها طبيعية آنذاك، فيما يُنظر إليها اليوم على أنها مشينة.
الفيلم حافل بالمفارقات، يريد مثلاً إزاحة ليو عن مركز الحكاية لإفساح المجال للنساء كي يروين قصصهن، لكنه يبني في الوقت نفسه فيلماً يتمحور بالكامل حول وعيه بما يحدث له. لكنه في الختام يكتشف أن قصتهن ليست ملكاً له. في المقابل، يحاول ليو أن يفهم سلوكه في الماضي، بينما تمنحه الحركات السياسية الكبرى، وخصوصاً تلك التي تقودها الأجيال الشابة في باريس، شعوراً بأنه ينتمي بالفعل إلى الماضي. وهذا هو مكمن القسوة في الفيلم: كل جيل يعتقد أنه فهم العالم، قبل أن يكتشف أنه ما عاد من هذا العالم.
"ديان في الدوامة"
في "ديان في الدوامة" للفرنسيين آن سيرو ورافاييل باربوني، المشارك في قسم "أوريزونتي"، يعود الاغتصاب من خلال جيل جديد يرفض أن يتعامل معه كحادثة ينبغي دفنها مع مرور الزمن. المغاير في الفيلم أنه لا يروي تجربة الأم الضحية بقدر ما يتابع الأثر الذي تركته الجريمة في ابنتها، وكيف يمكن لصدمة مكبوتة أن تنتقل من جيل إلى آخر.
ديان (نينون بورساي) شابة عشرينية تنتمي بوضوح إلى زمن "مي تو". وعلاقتها بالعالم محكومة بفكرة أساس: لا ينبغي للمرأة أن تصمت، ولا أن تقبل بما فُرض عليها، ولا أن تتعامل مع العنف باعتباره قدراً شخصياً أو سراً عائلياً. لذلك، حين تخبرها أمها بأنها اغتصبت وهي في الـ19، تجد نفسها أمام ملف يجب فتحه من جديد.
المفارقة أن الأم لا ترغب في ذلك، فقد أمضت عقوداً وهي تحاول أن تعيش فوق الجرح، فيما تأتي ابنتها لتقول إن النسيان ليس الحل. الرجل مات أخيراً، الأعوام مضت، والحياة استمرت، لكن ديان لا ترى في الزمن مبرراً لإسقاط المسؤولية.
يضع الفيلم جيلاً في مواجهة جيل آخر: الأم تنتمي إلى زمن كان الصمت فيه وسيلة للبقاء، وابنة تربت على الاعتقاد أن الكلام فعل مقاومة. لكن الفيلم لا يجعل ديان صاحبة الحقيقة المطلقة. فاندفاعها، الذي يبدو في البداية نبيلاً ومشروعاً، يتحول أحياناً إلى نوع من الاستحواذ على تجربة ليست تجربتها. لا تسأل إذا كان يحق لها أن تطالب أمها بمواجهة جرحها فقط لأنها تعتقد أن المواجهة هي الطريق الصحيح؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"ديان في الدوامة" فيلم عن تبدل المعايير الأخلاقية بين جيلين، يسائل ما أحدثته حركة "مي تو" في نظرتنا إلى مفهوم التراضي، وإلى ما كان يعد سابقاً شأناً خاصاً أو عائلياً. الجيل الجديد لا يريد فقط أن يسمي العنف، ولكن يريد أيضاً إعادة تعريف ما يعنيه السكوت عنه.
غير أن ديان ستكتشف أن العالم أكثر تعقيداً من معادلة أخلاقية، وأن الغضب، مهما كان مبرراً، لا يكفي لبناء حياة. وحين تضعها الصدفة على طريق ابن المغتصب، يأتي الماضي فجأة على صورة سؤال: هل يرث أبناء الجناة ذنب آبائهم؟ فلعل النضج، ليس في التخلص من الغضب، وإنما في معرفة ما ينبغي أن نفعل به.