ملخص
يعيش السجناء السابقون بعد نيلهم الحرية بكثير من الأمل في حياة أفضل على رغم أنهم يصطدمون بواقع يائس، فكثير منهم ما زال بلا عمل، وكثر فقدوا عائلاتهم خلال الحرب الأخيرة.
مقتنيات متفرقة تعود لمن عاشوا في الأغلال لأعوام داخل زنازين مظلمة، منها ثياب رثة تخلى عنها أصحابها حين فُتحت أبواب السجون للحرية، وبعضها ألبسة أطفال سجناء، إلى جانب أدوات تعذيب وجدران تتزاحم عليها العبارات والرسوم وذكريات الوجع وآلام الفراق، بينما يغرق المكان في صمت لا حدود له، إنه سجن بلا سجناء ولا سجانين، ليس سوى الذكرى تحكي قصص الاحتجاز القاسية أيام نظام الأسد.
روح المكان وحكايته
"نُقلت كما كانت"، عبارة توسطت زنزانة تشبه الزنزانة الحقيقية وتحاكي واقع المعتقلات بدقة، عُرضت في جناح وزارة الداخلية بمعرض دمشق الدولي، وحظي العرض بنسبة زيارات عالية بعد نقل مقتنيات السجناء من معتقلات وسجون النظام السابق لإتاحة الفرصة لمشاهدتها بشكلها الحقيقي، وحدها الآلام والدماء التي لم يستطع القائمون على الجناح نقلها.
أغلق معرض دمشق الدولي أبوابه، وأغلق معه جناح السجون تاركاً السؤال مشرعاً، كيف عاش هؤلاء بقيودهم؟ وهل يستحقون متحفاً يحكي مشاهد الاعتقال ومقتنيات الزنزانة؟ عدد من أصحاب الوجع يرفضون تحويل السجون إلى مادة للعرض في جناح خاص، ويعدون أن للدم حرمته، وهو ما يراه رئيس رابطة معتقلي سجن "صيدنايا" دياب سرية، واصفاً هذه العقلية بـ"الاستعراض وصناعة الترند".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف "معرض تجاري واقتصادي مثل معرض دمشق الدولي يفتح جناحاً عن السجون والتعذيب في زمن النظام البائد، وأدوات التعذيب منقولة من ’صيدنايا‘ والأفرع الأمنية، مثل باب زنزانة، ودولاب، وقيود حديدية تُعرض على الزوار، إنها أماكن مات فيها عشرات الآلاف من السوريين، ولها حرمة دم ورمزية وجع وطني، ويجب أن تُصان وتُوثق ضمن متاحف ذاكرة وطنية متخصصة، وتعرض بطريقة تراعي هذه الحرمة والدماء التي سالت حتى تخلصنا من الأسد وحاشيته، وليس أن تنحشر كفقرة استعراضية في معرض تجاري وترفيهي".
وتابع عبر منشور على صفحته الشخصية بموقع "فيسبوك"، "الأولى بالسلطة الجديدة اليوم بدلاً من هذا الاستعراض غير الموفق أن تثبت قطيعتها الحقيقية مع ممارسات الماضي، وتضمن عدم تكرار أية انتهاكات أو موت تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة إليها، وتحترم كرامة الضحايا ومشاعر عائلاتهم بالفعل وليس بـ’الشو الإعلامي‘".
الطيار وحكاية الفأس
عميد المعتقلين السوريين رغيد الططري، وهو طيار عسكري رفض قصف المدنيين، روى لـ"اندبندنت عربية" حكاية اعتقاله التي امتدت منذ عام 1981، إنها رحلة عذاب امتدت بين الأقبية والسجون والمعتقلات السياسية حتى محاكمته بالسجن في تدمر ومن ثم إلى سجن "صيدنايا"، يقول "في المحكمة الميدانية انتزعوا بصمة يدي على ورقة فيها اعتراف لم أقرأ ما جاء فيه، ولم يسمحوا لي بقراءته".
يحكي الططري عن الفترات العصيبة في المعتقلات، وعن أشهر وسائل التعذيب وأكثرها عنفاً هو التقطيع بالفأس، إذ شاهد في غرفة التحقيق فأساً حديدية جديدة، علم لاحقاً أن المحققين قطعوا بواسطتها أصابع أحد السجناء، ويشرح "هناك وسيلة تعذيب أخرى، بوضع البيضة المسلوقة الحارة تحت إبط السجين، وما يرافق ذلك من حرق شديد".
وأضاف "مكثت شهرين بالمستشفى حتى أتجاوز فترة الموت، وأكثر من عام حتى شُفيت. في إحدى مرات التعذيب كنت معلقاً على جدار، وكانت لدي مشكلة أثناء ذلك هي أنني لا أصرخ طوال فترة التعذيب على رغم الألم، ومهما كان التعذيب قاسياً لا يُغمى علي، كانت هذه مشكلة بالنسبة إلي، إذ يعدون الأمر تحدياً ويزيدون من تعذيبي".
في جناح "المنفردات"
في يوم التحرير أواخر عام 2024، كان أحد الثوار ويدعى "أبو مصعب" بزيه العسكري يتجول حاملاً سلاحه في زنزانة داخل فرع أمن الدولة في دمشق. حدثنا عن واقع الزنازين وقساوة المحققين والسجانين، وعن فقدان شبان لحياتهم تحت التعذيب، وحين وصل إلى زنزانته التي أقام بها عام 2018 مع نحو 800 سجين، شرح طريقة التعذيب والتنكيل، متذكراً الدماء التي كانت تسيل من "الموقوف"، وأصوات السجناء لا تتوقف بينما الرؤوس مطأطأة لأن السجان سينهال عليها بالعصي إذا ارتفعت، وأضاف "كم ضمدنا بملابسنا جروح رفاق لنا".
في جناح "المنفردات" يلوح العسكري الذي شارك في تحرير مدينة حماة ورافق المقاتلين منذ اندلاع عملية "ردع العدوان" ليدلنا على طاقتين صغيرتين في باب حديدي، إحداهما ليراقب السجانون المعتقلين، أما الأخرى أسفل الباب لإدخال الطعام. ويتابع "في حال كان السجان غاضباً أو تأخر أحد السجناء في تنفيذ أمر ما يخرج السجين أقدامه من طاقة الباب السفلية، ويعمل على ’دولبته‘ وهذا مصطلح سائد في السجون ومعناه وضع إطار السيارة المطاطي بقدمه ثم ينهال عليه السجان بالعصا".
إزاء هذا كله يعيش السجناء السابقون بعد نيلهم الحرية بكثير من الأمل في حياة أفضل على رغم أنهم يصطدمون بواقع يائس، فكثير منهم ما زال بلا عمل، وكثر فقدوا عائلاتهم خلال الحرب الأخيرة. مقابل ذلك تسعى المبادرات الإنسانية إلى تضميد جراح السجناء والعمل على الوقوف معهم ودعمهم بشتى الوسائل، ومنها مبادرة تحمل اسم "أمان" تُعنى بالناجين من الاعتقال وأسرهم، وتقدم لهم الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، في وقت يتعاطف السوريون مع عائلات المفقودين بالسجون، الذين لم يبقَ لديهم سوى المقابر الجماعية ليفتشوا فيها عن أي أثر لذويهم.