ملخص
الدولة التي تريد أن تمارس نفوذاً إقليمياً تحتاج في النهاية إلى اقتصاد قادر على تحمل ثمن القوة، وهو التحدي الذي ينتظر إيران مع بعد الحرب. أما الآن فربما نكون بصدد استمرار حال الاستنزاف العسكري والحصار البحري مع إعلان تجديد هدنة وقف إطلاق النار المعروفة باسم "مذكرة تفاهم إسلام آباد" والتي هي على بعد أيام من إنهاء مدتها البالغة 60 يوماً.
لم تعُد التحولات التي تشهدها إيران منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة مجرد تطورات عسكرية متلاحقة، ولا مجرد محاولة لإدارة أزمة إقليمية مفتوحة، فما يتبلور في طهران يبدو أقرب إلى إعادة صياغة شاملة لعقيدة الأمن القومي وآليات صنع القرار، تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع الاقتصاد والدبلوماسية وإدارة الممرات البحرية وإعادة توزيع الأدوار داخل مؤسسات الدولة.
واللافت أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن إيران لا تتعامل مع الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية منفصلة، وإنما باعتبارها معركة طويلة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك نفسها. فمن مضيق هرمز إلى الجبهات الإقليمية، ومن التفاوض غير المباشر مع واشنطن إلى إعادة ترتيب المجلس الأعلى للأمن القومي، تبدو طهران منشغلة بسؤال واحد، كيف تنتقل من موقع الدولة التي ترد على الضغوط إلى دولة قادرة على فرض كلفة على خصمها وتحديد شروط الخروج من الصراع؟
وهنا تكتسب عودة الشخصيات العسكرية والأمنية ذات الخبرة الطويلة لقلب عملية صنع القرار أهمية خاصة، إذ عُيّن محسن رضائي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي، وعودته للواجهة في هذه اللحظة تحديداً لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة التي دخلتها إيران، فهو ليس مجرد مسؤول سابق في الحرس الثوري، قاد الحرس خلال معظم أعوام الحرب العراقية- الإيرانية، ثم ظل لعقود حاضراً في دوائر صنع القرار الاستراتيجي، قبل أن ينتقل إلى المجال الاقتصادي والتنفيذي. وهذه الخلفية تمنحه مزيجاً من الخبرة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية.
والأهم أن وجود رضائي إلى جانب شخصيات مثل سعيد جليلي يعكس اتجاهاً أوسع نحو تعزيز الحضور المباشر للتيار الاستراتيجي المحافظ داخل منظومة الأمن القومي. ولا يعني ذلك بالضرورة إقصاء الحكومة أو وزارة الخارجية، بل ربما يعني العكس، إعادة توزيع الأدوار فتتولى الحكومة إدارة الملفات التنفيذية والدبلوماسية، بينما تصبح مؤسسة الأمن القومي أكثر التصاقاً بتحديد الخطوط الحمراء وإدارة العلاقة بين الميدان والتفاوض.
وهذا مهم في ضوء ما قاله وزير الخارجية عباس عراقجي أخيراً، فطهران تؤكد من جهة عدم وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، لكنها لا تغلق قنوات الاتصال عبر الوسطاء. وفي الوقت نفسه، تستمر المفاوضات مع سلطنة عمان في شأن مسار موقت وآمن للملاحة في مضيق هرمز. وحذر عراقجي الخميس من أن الولايات المتحدة تخاطر بسوء تقدير أكبر في شأن المضيق، يبدو أن طهران تتحسب لرد فعل كبير من قبل واشنطن.
والمعادلة هنا واضحة، فالدبلوماسية مستمرة، لكنها لا تتحرك بمعزل عن ميزان القوة الذي تحاول إيران إعادة تشكيله.
وتسعى إيران إلى تحويل هرمز من ورقة ضغط إلى نظام أمني، فطهران لم تعُد تتعامل مع المضيق باعتباره مجرد ورقة يمكن إغلاقها أو فتحها، وإنما تحاول تحويله إلى أداة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي والملاحة في الخليج العربي.
أما المفاوضات الإيرانية- العمانية، فقطعت شوطاً متقدماً في شأن مسار موقت للملاحة، مع حديث عن ترتيبات تسمح بدخول السفن عبر المياه الإيرانية وخروجها عبر مسار أقرب إلى المياه العمانية، مع تنسيق مسبق مع طهران. لكن إيران شددت في الوقت نفسه على أن التوصل إلى ترتيبات فنية مع عمان لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.
وهذه النقطة شديدة الدلالة، فطهران تفصل الآن بين تنظيم الملاحة وفتح المضيق، والأول ملف فني وسيادي يمكن التفاوض في شأنه مع عمان، أما الثاني فهو قرار سياسي وأمني مرتبط بسلوك الولايات المتحدة والتزاماتها تجاه إيران أو بمعنى أدق ما ستحصل عليه إيران في المقابل.
بمعنى آخر، تحاول إيران تحويل هرمز من نقطة اختناق بحرية إلى منصة تفاوض استراتيجية.
ومن منظور طهران، فإن القيمة الحقيقية للمضيق لا تكمن فقط في القدرة على تعطيل تدفقات الطاقة، وإنما في امتلاك ورقة ضغط تجعل الولايات المتحدة وحلفاءها مضطرين إلى أخذ المصالح الأمنية الإيرانية في الاعتبار. ولهذا جاءت المطالب الإيرانية التي ربطت إعادة فتح المضيق بإنهاء الضغوط الأميركية ورفع العقوبات وإزالة بعض القيود العسكرية والاقتصادية. وتؤكد التقارير الأحدث أن طهران لا تزال تعتبر إعادة الفتح الكامل مشروطة بتغيير السلوك الأميركي، على رغم استمرار المحادثات الفنية مع عمان، مما يُعد من جهة أخرى مناورة إيرانية لكسب مزيد من الوقت.
والتغير الأكثر أهمية في العقيدة الإيرانية الجديدة يتمثل في الانتقال من منطق الرد على الهجوم إلى محاولة تعطيل قدرة الخصم على تنفيذ الهجوم أصلاً.
وهنا تظهر أهمية الجبهات المتعددة، فكلما اتسعت ساحات الصراع، أصبح اتخاذ القرار العسكري الأميركي أكثر تعقيداً. ومن منظور إيران، فإن تعدد الجبهات لا يعني بالضرورة وجود قيادة عملياتية واحدة لكل هذه الساحات، بل يمكن أن يكون الهدف خلق قدر من الاستقلال العملياتي يسمح باستمرار الضغط حتى في حال توقف القتال المباشر بين إيران والولايات المتحدة. وهذه النقطة تجعل الحرب مختلفة عن الحروب التقليدية، إذ يصبح وقف إطلاق النار بين دولتين غير كافٍ بالضرورة لإنهاء جميع أنواع الصراع الإقليمي.
إيران لا تقول إن التفاوض مستحيل، لكنها تريد أن يتم من موقع مختلف، لذلك تستمر قنوات الرسائل عبر الوسطاء، وتتحرك باكستان وقطر وعمان، بينما تتولى طهران وواشنطن اختبار شروط العودة للتفاهمات السابقة.
وتدفع باكستان حالياً باتجاه استئناف المسار الأميركي- الإيراني مع اقتراب انتهاء فترة وقف إطلاق النار، في وقت تؤكد طهران أن قضايا مثل هرمز والالتزامات الأميركية السابقة لا يمكن فصلها عن أية تسوية مستقبلية. وهنا تظهر معادلة دقيقة، الميدان لا يلغي التفاوض والتفاوض لا يلغي الميدان، بل إن كل طرف يستخدم أحدهما لتحسين شروطه في الآخر.
الاقتصاد: الحلقة الأضعف في الاستراتيجية الإيرانية
لكن استراتيجية إدارة الحرب من موقع المبادرة تواجه مشكلة أساسية، وهي الاقتصاد الإيراني. فحتى أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي تتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4 في المئة عام 2026، مع تضخم أسعار مستهلكين يبلغ نحو 68.9 في المئة، ويشير الصندوق إلى أن توقعات النمو تأثرت باضطرابات الطاقة والنقل، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن تحسن صادرات النفط خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيين وخفض بعض القيود على الصادرات خففا من حدة الانكماش المتوقع.
وهذه الأرقام تجعل الاقتصاد عاملاً حاسماً في تحديد سقف القدرة الإيرانية على مواصلة الحرب.
فإيران تستطيع استخدام هرمز كورقة ضغط، لكنها لا تستطيع تجاهل كلفة الحرب على الداخل، وتستطيع تحمل صدمة اقتصادية لفترة، لكنها لا تستطيع التعامل معها باعتبارها غير محدودة.
ومن جهة أخرى، كشفت الحرب عن هشاشة التنسيق بين السياسة الأمنية والسياسة الاقتصادية داخل إيران. فالتضخم وسعر الصرف وأزمة الطاقة واختناقات التجارة البرية وتراجع الاستثمار ليست ملفات منفصلة عن الأمن القومي، ولا سيما أن إيران اعتادت التعامل مع الاقتصاد باعتباره جزءاً من القدرة العسكرية والسياسية على الصمود. ومن هنا فإن عودة شخصية تجمع بين الخلفية العسكرية والخبرة الاقتصادية مثل رضائي تكتسب دلالة إضافية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والسؤال الآن، كيف ستستمر إيران مع الحصار البحري عليها في الاعتماد على اقتصاد المقاومة في ظل الظروف سالفة الذكر؟ أما السؤال الآخر فهو هل تعيد إيران بناء دولة الحرب؟
نجد أن إيران لا تعيد فقط توزيع المناصب، بل تبدو وكأنها تعيد بناء آلية صنع القرار لتناسب مرحلة صراع طويلة، إذ إن عودة رضائي، مع استمرار حضور جليلي في منظومة الأمن القومي، لا تعني بالضرورة عودة إيران لنموذج حكم عسكري لكنها تعكس بوضوح ارتفاع وزن الخبرة العسكرية والاستراتيجية في تحديد السياسة الوطنية.
والمفارقة أن طهران تحاول في الوقت نفسه عدم تحويل هذا التشدد الأمني إلى قطيعة مع المسار الدبلوماسي، فهي تحتاج إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغوط الاقتصادية، وتحتاج إلى هرمز كأداة ضغط، وتحتاج إلى الوسطاء لتجنب مواجهة مفتوحة لا يمكن التحكم في مسارها.
وهكذا تصبح الاستراتيجية الإيرانية قائمة على ثلاثة مستويات متوازية:
الردع العسكري والضغط الاقتصادي - البحري والدبلوماسية غير المباشرة، وكل مستوى يمنح المستويين الآخرين قوة إضافية.
مع ذلك، فإن النجاح في إدارة الحرب لا يعني بالضرورة النجاح في إدارة ما بعدها.
فحتى إذا تمكنت إيران من تحسين شروطها في هرمز والحفاظ على قنوات التفاوض ومنع خصومها من تحقيق أهدافهم العسكرية، فإنها ستظل أمام اقتصاد يعاني التضخم وتراجع الاستثمار وضعف الإنتاجية وأزمة العملة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ تستطيع إيران تحويل ضعفها العسكري النسبي إلى قوة تفاوضية، لكنها لن تستطيع تحويل ضعفها الاقتصادي إلى قوة دائمة.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية لطهران ليست فقط في القواعد والمضيق، وإنما في القدرة على الانتقال من اقتصاد حرب إلى اقتصاد قادر على تمويل مرحلة ما بعد الحرب.
وإن جوهر التحول الذي شهدته التحركات الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة هو أن طهران لم تعُد تنظر إلى التفاوض على أنه نهاية للصراع، وإنما على أنه امتداد للصراع بوسائل أخرى.
وإذا نجحت في الجمع بين الردع العسكري والسيطرة النسبية على مفاتيح الملاحة والضغط الاقتصادي والدبلوماسية غير المباشرة، فمن الممكن أن تخرج من الحرب وهي أضعف اقتصادياً، لكنها أكثر خبرة في إدارة ميزان القوة الإقليمي.
أما إذا فشلت في معالجة اقتصادها، فإن الإنجاز العسكري والتفاوضي قد يتحول إلى انتصار قصير الأجل لأن الدولة التي تستطيع إغلاق مضيق استراتيجي تستطيع فرض كلفة على خصومها، لكن الدولة التي تريد أن تمارس نفوذاً إقليمياً تحتاج في النهاية إلى اقتصاد قادر على تحمل ثمن القوة، وهو التحدي الذي ينتظر إيران ما بعد الحرب. أما الآن فربما نكون بصدد استمرار حال الاستنزاف العسكري والحصار البحري مع إعلان تجديد هدنة وقف إطلاق النار المعروفة باسم "مذكرة تفاهم إسلام آباد" التي هي على بعد أيام من إنهاء مدتها البالغة 60 يوماً.